spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 90
مــن وصـايا ســيــدنا اــخضـر (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
كلمة العدد: كي لا نضيع اسم الطائفة هباء طباعة ارسال لصديق
خرج أحد المجاهدين الدروز في الجبل، من الثورة السورية الكبرى، بعاهة في رجله فقط، بينما شاهد أعز أصدقائه ورفاقه وجيرانه، يستشهدون أمام عينيه، في ساحات الوغى، وقد أصر على حفظ بندقيته، كذكرى لنضاله المجيد، وتحسبا لتقلب الزمن، فربما تعود الأخطار مرة أخرى، وتحيق بالجبل. احتفظ بالبندقية وفيها رصاصة واحدة فقط، وكان دائما ينظف البندقية ويهتم بصيانتها، لأنها كانت تذكره ببطولاته، وبوقوفه الصامد للدفاع عن الأرض والكرامة. ولما تزوج ابنه، أهداه البندقية قائلا له، إنه يقدم له أعز ما يملك، وسوف تنتقل البندقية لحوزته، ولكن بعد وفاته، وأوصاه أن يستعملها فقط للدفاع عن النفس، وفي أصعب الظروف والحالات، حين لا يبقى إلا استعمالها سبيل للنجاة، وبعد أن يستنفذ كل الطرق الأخرى. وبعد سنوات توفي المجاهد، وفرح ابنه الشاب المتحمس المندفع، بأن يمتلك البندقية، وشعر بالزهو والكبرياء، واعتقد دائما أن في يده سلاحا يحميه من كل المصائب، وأنه قوي ببندقيته. وفي إحدى الليالي أيقظته زوجته قائلة، إنها تسمع أصوات غريبة قرب البيت، وإنها تشك أن أحدا يحاول اقتحام البيت. نهض أخونا وهو واثق من نفسه أن وقت استعمال البندقية قد حان فتناول بندقية والده التي تحتوي على رصاصة واحدة، حفظها والده فقط للاستعمال في أصعب ظرف، تناول البندقية وفتح الباب وصاح باتجاه الصوت أن قف وإلا قتلتك، زادت الحركة وتبين في الظلام أن هناك من يحاول الهرب. أطلق أخونا النار  وأصاب الجسم الهارب. استيقظ سكان البلد لسماع الطلقة النارية وكلهم على عادتهم متأهبون للقتال والدفاع. وبعد أن أشعلوا المصابيح تبين أن المهاجم الخطير القتيل، ما هو إلا ثعلب طمع باقتناص دجاجة من أطراف البيت.
جاء شيخ القرية، وربت على كتف الشاب المتحمس، وقال له: يا ابني كنت مع المرحوم والدك في الثورة، وكان من الأبطال، وكانت كل رصاصة أطلقها في مكانها، وقد حفظ الرصاصة الأخيرة للدفاع في أمر حقيقي، وليس لمجرد سماع ضجة صغيرة في الخارج، لقد أضعت وسيلة الدفاع الوحيدة التي تملكها في أمر تافه، ولم يبق لك ما تدافع به عن نفسك، إن جابهت أمرا حقيقيا، الله يسامحك، ويركز لك عقلاتك...
تذكّرنا هذه القصة، التي سمعناها من أحد المشايخ العقلاء، ورأينا أن فحواها  مناسب ولائق للأوضاع التي عشنا فيها في الآونة الأخيرة في بلادنا، وخاصة في الكرمل الأغرّ. قبل أسابيع، هاجت الشباب وماجت في دالية الكرمل وفي عسفيا، لسببيْن: الأول هو قضية الأراضي في المنصورة، والثاني هو عملية فك الدمج بين القريتين. ومع احترامنا لكل رأي، ومع تقديرنا لكل فكرة، ولكل مبدأ، ومع تطلعاتنا نحو الديمقراطية، وحرية الكلام، وحرية التعبير، والدفاع والاستماتة من كل واحد منا، أن يقول غريمه كلمته بدون خوف أو وجل أو ضغط،،ومع تفهمنا وتقديرنا لحجم المشاكل التي أثيرت ولخطورتها، مع كل هذا، ومع أننا هنا وكعادتنا في مجلة "العمامة" منذ تأسيسها، لا نتحيّز  لموقف سياسي معين، ولا ندعم هذا الرأي أو ذاك، ولا نساند هذا الشخص أو ذاك، وإنما نرافق الأحداث من وجهة نظر علمية موضوعية فكرية، وليس لعاطفة أو لمصلحة أو لمنفعة معينة. وقد مرّت الطائفة الدرزية بمشاكل ومحن وحروب وأزمات كثيرة، ففي حرب لبنان عام 1983 وقفنا مع مقاتلينا البواسل الذين حاربوا، ودعونا لهم بالنجاح، وقدمنا ما باستطاعتنا أن نقدمه، لكي يتغلبوا على الأزمة التي هم فيها. وهكذا بالنسبة لمشاكل  ونواقص وأزمات أخرى، طرأت في المجتمع الدرزي، في مكان ما. ونحن بطبيعتنا واقعيون، ونعرف أن الحياة، استنادا إلى مذهبنا الحنيف، مبنية ومكوّنة ومجبولة ومعتمدة على الحلو والمرّ، وأنه لا يوجد مجتمع في العالم، كله فضائل، وكله حسنات، وكله حقوق، وكله انجازات، وكله ترفيه وراحة وهدوء بال. وبالعكس، لا يوجد مجتمع، كله العكس، فلا السويد، ولا سنغافورة، ولا موناكو، ولا قطر، ولا أي دولة في العالم، كلها حسنات وإنجازات، والمواطن فيها يتمتع بحياته، ولا يجابه أي مشكلة. وإذا واجهتم ممثلا لحزب، أو مرشّحا لمنصب، أو أي داعية سياسي أو أي إنسان يطمع للوصول إلى هدف، يعدكم ويقول لكم، ويحاول أن يقنعكم، أن هناك من بقدرته أن يحل كل المشاكل، وأن يحقق السعادة والرفاهية والاكتفاء لمجتمع ما، فاعلموا أنه مخادع، وأنه يراوغ بكم، ويستغل الطيبة المتوفرة في نفوسكم، والشغف إلى الأحسن، وإلى الأفضل، ويستغلكم، وسيقلب لكم بعد ذلك ظهر المجن، كما فعل كل هؤلاء في التاريخ. أما إذا صادفتم إنسانا يقول، إن الحياة مليئة بالمشاكل، وأن أمامنا عقبات، وسنحاول بجهود مشتركة، أن نتغلب بقدر الإمكان على بعض هذه المشاكل، وان نحقق بعض الإنجازات، فصدقوه، وسيروا معه، وادعموه. لأنه هذا هو الواقع، فمنذ حلم سيدنا أفلاطون بالجمهورية النموذجية، والتي اعتبرها المثل الأعلى للحكم الديمقراطي المناسب للمواطنين والحكام، ومنذ ظهرت "المدينة الفاضلة" للفارابي، ومنذ عالج جون لوك، وتوماس هوبس، ودافيد هيوم في الغرب، قضايا الحكم والديمقراطية، وحتى أيامنا هذه، لم يُثبّت ولا في أي مكان على وجه الأرض، وعلى مر العصور، أن يكون في بلد ما، حكم يرضي جميع المواطنين، لمدة طويلة، ويعيش فيه الأفراد بدون مشاكل.
هذا هو الواقع، وهذه هي الحياة، وإذا تطلعنا عليها بهذا المنظار نرتاح، ونقتنع، ونعلم أنه ليس بإمكاننا أن نحقق كل شيء. فإذا جابهتنا مشاكل وأزمات، نعرف أنه يتطلب منا جهد كبير، لكي نتغلب عليها، أو على بعضها. وأحيانا قد تكون ظروف، وقد تكون المشاكل أكبر منا، ولا نستطيع التغلب عليها. مثال ذلك، معركة عين دارا عام 1711 في لبنان، بين القيسية واليمنية الدروز،حيث دارت معركة شرسة شنيعة بين أبناء الدين الواحد، والمذهب الواحد، والأصل المشترك، والإيمان الواحد، بسبب تفاهات زمنية، وبسبب محاولة البعض التسلط والتحكم والنفوذ. وبعد أن كان دروز لبنان أسياد وحكّام لبنان، خلال سبعمائة سنة، بدأوا يخسرون بعد هذه المعركة، مراكز القوى، حتى وصلوا اليوم إلى تشكيل سبعة بالمائة فقط من عدد السكان في لبنان. ومنذ هذه المعركة، وحتى اليوم، واجهت الدروز أزمات حقيقية، كادت أن تمحو وجودهم من لبنان، لكنهم تغلبوا بعونه تعالى. ونفس الذي حدث في لبنان، حدث في سوريا، فقد حيكت المؤامرات ضد الدروز هناك، مع ابتداء الانتداب الفرنسي، وفي عهد الدكتاتور الشيشكلي، وهُدد كيان دروز سوريا. وفي بلادنا، واجهنا أزمة كهذه في الكرمل، عام 1840 عندما رجع إبراهيم باشا المصري من لبنان وسوريا، بعد أن خسر المعركة ضد دروز الجبل، فمر في طريقه إلى مصر بمرج بن عامر، وكان هناك من قال له، إن في الكرمل، ستة عشرة قرية درزية عامرة، فسخّر كل جنوده، وهجموا على هذه القرى وحاربوها، واضطر سكانها إلى الالتجاء إلى قريتي دالية الكرمل وعسفيا، والصمود فيهما، وهكذا بقيا على قيد الحياة. هذه هي المشاكل الحقيقية، وهذه هي الأوضاع التي يجب أن نتصدى لها بكل قوتنا، وهذه هي الظروف التي  يتطلب منا فيها أن نحرر آخر طلقة في حوزتنا، وذلك عندما يكون تهديد فعلي حقيقي، ينهش بالكيان الأساسي في المجتمع الدرزي، في هذه الحالة يجب أن نجند كل قوانا وكل إمكانياتنا وكل قدراتنا، وهي والحمد لله كثيرة، لكي نتغلب على هذا الخطر الداهم.
 لقد بادر سلطان الأطرش، إلى إشعال نار الثورة السورية الكبرى عام 1925، وخربت قرى الجبل، واستشهد في المعركة آلاف المقاتلين والأولاد والشيوخ والنساء، وقضى بعد ذلك سلطان ورفاقه عشر سنوات في المنفى، وتحقق الحلم الأكبر، وحصلت سوريا على استقلالها، وما هي النتيجة؟ وفي لبنان، وقف الأمير مجيد أرسلان، ورفع راية الاستقلال في بشامون، وهناك حارب الدروز من أجل تحقيق الكيان اللبناني، وتم الاستقلال، وتسلمت القوى الوطنية دفة الحكم، فهل حصل الدروز في سوريا ولبنان، على امتيازات وحقوق بقدر التضحية التي قدّموها؟!
 الدروز يعانون في سوريا وفي لبنان وفي إسرائيل من مشكلة، لم يجد لها علم السياسة والأحكام حلا حتى الآن في الحكم الديمقراطي، هذه المشكلة تتجسد في أن الدروز هم عادة قوة عسكرية خارقة، فهم محاربون أشداء وأقوياء وبواسل في المعركة، وهم الذي يحققون النصر والاستقلال والمحافظة على الكيان، لكنهم يعانون من عددهم القليل. والحكم الديمقراطي، يعتمد على تعداد الأنفس، وعدد الأنفس الدرزية قليل، فالأحزاب الكبيرة في البلاد، تفضل الجماهير التي تعتقد أنها كثيرة وتؤيدها وتمنحها المراكز والوظائف، وتنسى الدروز، وهكذا في لبنان، وفي سوريا، الدروز لا يستطيعون أن يترجموا قوتهم العسكرية، وقدراتهم القتالية، إلى إنجازات سياسية. وفي رأس الحكم الديمقراطي، لا يوجد ملك أو زعيم أو قائد، ينظر إلى بلاده، ويقول هؤلاء خدموا البلاد، ويحق لهم هذا أو ذاك.. في الحكم الديمقراطي يجلس الوزير، أو رئيس الحكومة، أو المسؤول، ويواجه عشرات ومئات الطلبات، ويتقبل آلاف التوجهات، ولا يستطيع أن يحقق لها كل ما تريد، وهو لا يستطيع أن ينتبه لها جميعها، لذلك لم ولن ينتبه إلى الفئات الساكتة حتى لو كانت إيجابية وحتى لو كانت داعمة فشغله الشاغل هو التجاوب والرد على الذين يتوجهون إليه ويطاردونه ويقضون مضاجعه بطلباتهم. ونحن الدروز عادة مؤدبون قابعون في قرانا متسامحون ولدينا نفس طويل، ولدينا همم عالية، ونفوس كبار، فلا نحشر أنفنا بين الأنوف، ولا نقاتل، ولا نتسابق، ونتوقع دائما أن ينتبه إلينا أولائك الموجودون في الحكم، لأننا خدمنا، ولأننا ضحينا، ولأننا بذلنا المستحيل من أجلهم، وأحيانا نكتفي أن نذكرهم بوجودنا، فإذا زارنا أحدهم نعرض أمامه مشاكلنا، ونحن واثقون أنه لن ينام تلك الليلة، إلا إذا عمل على حلها، ونبقى دائما، نحن في واد والحكام في واد آخر، وهكذا تخيب آمالنا، ونشعر بالغبن والتفرقة والتمييز، ونثور فيما بيننا، ولا نعرف ماذا نفعل، وأحيانا يتحول هذا الغليان فينا إلى شذوذ معين، يظهر عند بعضنا، ولتراكم المشاكل عندنا، نستغل حدثا معينا، ليس له تلك الأهمية، فنركّب فوقه كل همومنا، ونحاول عن طريقه أن نحل كل مشاكلنا، وهذا ليس هو الطريق.
 الطريق هو أن نحاول أن نتفاهم فيما بيننا، وأن نتعاون، وأن نقضي على الأحقاد الداخلية، وأن لا نحارب واحدنا الآخر، وأن نعرض الأمور على المسؤولين بالطرق المتبعة، وبالشكل الصحيح، فإن كان لدينا أعضاء في البرلمان، فليعلموا أن عضويتهم في البرلمان، ليست فقط لوضع ربطات العنق، وللسفر إلى الخارج، والاشتراك في الأعراس، إن وجودهم في البرلمان، هو ليرفعوا صوتهم أمام المسؤولين، معلنين عن تذمرنا ومشاكلنا، وأن يحاولوا أن يجندوا القوى الأخرى في البرلمان لصالحنا.وقد أثبتت هذه الطريقة نجاحها في السابق، حيث أصغى المسؤولون إلينا وسمعونا وانهالت الميزانيات علينا وسويت مشاكل الأرض وبنيت المدارس والأحياء السكنية وحصلنا على قدر كبير مما طلبناه.كان ذلك في الثمانينات حيث حقق زعماؤنا وفي مقدمتهم فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، وعضو الكنيست السيد أمل نصر الدين، وغيرهم بالطرق المألوفة وبالتفاهم الكثير للطائفة الدرزية.
 بالإمكان اليوم، أن نعالج الأمور بالطرق المألوفة، والأساليب المتبعة، كأناس حضاريين، وكجماعة لها مبادئ وأصول وثقافة، وهذا ما يفعله بنجاح فضيلة الشيخ موفق طريف، مدعوما بوجهاء الطائفة.  وأود أن أقول للجميع، من الشباب، والمشايخ، والمثقفين، والشابات خاصة في الآونة الأخيرة، وجميع أبناء الطائفة الدرزية العريقة، إننا طائفة كريمة، محترمة، معززة، مبجلة، لها ماض عريق، لها بطولات، لها أمجاد ومفاخر، قدمت الكثير من التضحيات، وبقدرتها، بعونه تعالى، أن تتغلب على كل المواجهات والمشاكل، لذلك علينا العمل دائما والإصرار والتأكد أننا لا نضيع اسم هذه الطائفة هباء.

  


وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
تموز
 2008

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.