spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 123
المرأة الدرزية وتقلبات الزمان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: هذا هو الفرق الكبير بيننا وبينهم طباعة ارسال لصديق
ورد في مذكرات القائد العام للثورة السورية الكبرى، عطوفة سلطان باشا الأطرش، أنه توجه إليه بعض المحاربين من الثوار، قائلين له، أثناء معركة الكفر، عام 1925، أن كتيبة فرنسية مدفعية، تحتمي في بناية في القرية، وتمطر الثوار والسكان بقذائف مدافعها، وأنه يمكن الاستيلاء عليها بسهولة،   إذا سمح القائد العام،  أن تقطع المياه عن الكتيبة، فتضطر إلى الاستسلام. رفض سلطان الأطرش هذا العرض بشدة، قائلا، إننا يجب أن ننجح وننتصر بقوتنا وقدراتنا، بدون أن نلجا لوسائل غير إنسانية كهذه، وعلى الكتيبة أن تستسلم بفضل محاربة شبابنا، بطرق عسكرية مشروعة.
هذا هو سلطان الأطرش، وهذه هي شيم الدروز، وهكذا عاش الدروز خلال ألف سنة، واضطروا أن يحاربوا ليحافظوا على  معاقلهم، ولم يحيدوا قيد أنملة، عما يفرضه الواجب، والعرف الدولي، وطهارة السلاح، وشرف المحاربين. وعندما رفض سلطان الاطرش هذا العرض، لم يغب عن باله، ما حدث للدروز في عرينهم، جبل الدروز، قبل خمس وثمانين سنة فقط، عندما استطاعوا بشجاعتهم، أن يصدوا جيوش ابراهيم باشا، وأن يكسروا الآلاف المؤلفة من جنرالاته وقاداته ومحاربيه، فلجأ، هذا القائد البطل المغوار، المسمى إبراهيم باشا، إلى أبشع طريقة غير إنسانية، لكي يدفعهم للتفاوض والتهادن معه، وهي أنه قطع المياه عن النساء والأطفال في أماكن تجمعهم، وقام بتسميم عيون الماء الرئيسة في الجبل، وفقطـ، وبهذه الطريقة، استطاع هذا الصنديد أن يجعلهم يصلون  إلى مهادنة وتواصل معه، بدون أن يحقق أي انتصار.
أجل، هذا هو الفرق الكبير بيننا وبينهم...
واليوم نرى ما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا وباقي العالم العربي، ونشاهد ما توصلت إليه هذه الشعوب المسكينة، من آلام ومآس ومصائب ومحن وشدائد. ولو وصل إنسان غريب عن الكرة الأرضية إلى منطقتنا، لاعتقد أن الاستعمار الغربي عاد بكل شراسته إلى الشرق، وأن جنكيز خان وهولاكو وتيمور لانغ خرجوا من قبورهم، وأخذوا يجتاحون بلداننا الأمنة، ويعيثون فيها فسادا وخرابا وتهلكة، أو أن قبائل الفاندال والهون، التي اجتاحت أوروبا في حينه، قد غيرت طريقها، وجاءت إلى شرقي البحر المتوسط، تقتل وتحطم وتحرق بلا رحمة.
أجل
من يسمع الأخبار، ويستوعب ما يحدث في بلدان الشرق الأوسط، ترتعد فرائصه من الأهوال والفظائع التي أصابت شعوب المنطقة ، حيث بلغ عدد الضحايا في العراق وسوريا واليمن وغيرها الملايين، ونزحت جماهير غفيرة إلى الأردن وتركيا ولبنان،  وها هي تصل كالأخطبوط، لتهدد كيان أوروبا  وباقي دول العالم.
وكل هذا يحدث، ليس من مستعمر طامع، ولا من تتاري غاشم، ولا من إلحادي كافر، وإنما من قبل من!!
إنه من قبل أقوام عربية إسلامية مؤمنة، كانت حتى قبل سنوات، تنادي بالوحدة العربية، وبالأخوة الاسلامية، وكانت ترقص على صوت ام كلثوم وفيروز، وتتغنى بأشعار امرئ القيس والمتنبي وأحمد شوقي، وتطرب لقول محمود درويش: سجل أنا عربي، أو لهتاف سميح القاسم: تقدموا،  وتطير بأفئدتها مع فريد الأطرش، الذي تغنى بأمجاد العالم العربي في " بساط الريح"، وتطمع بإقامة امبراطورية من المحيط إلى الخليج، وتنادي بالوحدة والتآخي والمصير المشترك!!  
لقد ذابت كل هذه الأحلام والأفكار والتطلعات، وانهارت كل أماني الشعوب العربية، بالاستقلال الحقيقي وبالحكم الذاتي، في الأربع سنوات الأخيرة منذ بزوغ "الربيع العربي" حتى اليوم، وما أصعب،  أن يستفيق الإنسان فجأة، هروبا من حلم مفزع، ليجد الواقع الحقيقي الذي يعيش فيه، أكثر فزعا من الحلم، وما أصعب أن يهرب إنسان، خوفا من مطاردة غريب، ليجد الحماية في بيته، فيجد أن أباه، أو أخاه، أو قريبه، الذين طلب حمايتهم، هم أشد شراسة ممن يطارده. نعم ما أصعب أن تكتشف الجماهير العربية في الدول المنكوبة، أن من يفتك بها ويدمرها ويهجرها، هو من أقرب المقربين!!
وكم سمعنا، خلال سنوات،  من ينادي بالوحدة العربية وبالتضامن والتعاون، وكم يؤلمنا الآن أن نرى، قسما من الدول العربية، يئن ويصرخ ويستغيث، وقسما من الدول العربية يصيبه التخمة والبطر ويتلاعب بالأموال التي وهبها إياها الله من باطن الأرض، وليس نتيجة للعقول النيرة فيها، هذه الدول العربية الغنية، تصم آذانها، وتحيد أنظارها، عن مآسي الشعوب العربية الأخرى، ولا تمد يد المساعدة، ولا تقدم أي عون، للإخوة في الدين والعقيدة والقومية، الذين أخذوا يتدفقون على أبواب أوروبا ليسدوا الرمق. 
هنيئا !!  يا بني يعرب !! تعالوا تعلموا من الدروز كيف يكون التضامن. الدروز لا يحمون أبناء طائفتهم فحسب، وإنما يعطفون على كل لاجئ وطريد. ومن يريد أن يتعلم درسا في الانسانية والأخوة، فليذهب الآن إلى جبل الدروز في سوريا، هذا الجبل المهدد من عدة منظمات وحركات، تنادي بالعروبة والإسلام، لكنها تهدم وتقتل وتدمر بأشنع الطرق، وهو صامد أمامها بقوة شبابه، ورجاله، وشيوخه، ونسائه، وكل قدراته المحدودة. هذا الجبل، استوعب منذ بدء الحرب الأهلية في سوريا، لاجئين ومطاردين من البدو ومن الجيران المسلمين والمسيحين، أكثر من عدد سكانه، وهو ما زال يحتضنهم ويحميهم ويتقاسم معهم الموارد والماء والهواء النقي، وهو أحوج منهم إلى ذلك. وليس هذا فقط، فهناك أقارب وأهل للاجئين في جبل الدروز انضموا للمنظمات الارهابية، ويهددون الجبل وسكانه. والدروز يسمعون ويفهمون،لكنهم، وكعادتهم، يترفعون، ويتجاوزون، ويحافظون على ضيوفهم.
فهذا هو الفرق الكبير بيننا وبينهم..
هذا الجبل كان خلال 300 سنة، ملجا لكل طريد، وكل لاجئ، وكل طالب حماية. استوعب في الحرب العالمية الأولى لاجئين، بمقدار ثلاثة أضعاف من عدد سكانه من المحافظات السورية الأخرى، تماما مثلما استوعبت القرى الدرزية في اسرائيل، عام 1948 عشرة أضعاف من عدد سكانها، لاجئين فلسطينيين، وقدمت لهم كل شيء، وتماما مثلما استوعب دروز لبنان،  الآلاف من المواطنين المسيحيين الموارنة والكاثوليك، الذين هربوا من بيوتهم في شمالي تركيا وجنوبي روسيا في القرون الوسطى، ومن طاردهم : إخوتهم المسيحيون الأرثوذكس، تماما مثلما يحدث الآن مع الطوائف الإسلامية ..  والدروز هم هم في كل جيل وعصر وزمان : بيوتهم وقلوبهم مفتوحة لكل إنسان.     وهذا هو الفرق الكبير بيننا وبينهم..
ولو أردنا أن نستعرض مواقف الدروز مع جيرانهم في الشرق الأوسط، لاحتجنا لعشرات الصفحات، لكننا نكتفي بما ذكرناه لا لنباهي ونفاخر، ولكن ليعلم الكون بأسره، من هم الدروز، وما هي تقاليدهم وعاداتهم النابعة من دينهم ومعتقداتهم, ونحن اليوم نحتفل مع العالم الإسلامي بعيد الأضحى المبارك وفيه نعود لجذورنا التوحيدية الصميمة، ونحاول أن نقوم بواجباتنا، اتجاه انفسنا واخوتنا وجيراننا، وفي نفس الوقت، ننظر لما يجري حولنا، فالعالم الاسلامي بأسره يحتفل كذلك بعيد الأضحى المبارك، ونحن نرى، أنه يزهق في هذا العيد، في البيوت والفنادق والكازينوهات والأماكن المشبوهة، مليارات الدولارات، التي لو فكر الحكام والزعماء العرب في مصلحة مواطنيهم، لاستغلوا جزءا بسيطا من هذه الأموال، في إطعام اللاجئين وتوفير المأوى لهم، وتوطينهم في بقعة نائية من العالم العربي، بدل أن نشاهد المناظر والمآسي التي نراها كل يوم. لكن هيهات.. فهذا هو الفرق الكبير بيننا وبينهم..


وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
ايلول 2015
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.