spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 135
كلمة العدد: هم يقولون: إننا من أشرف الأمم...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
الست نظيرة جنبلاط طباعة ارسال لصديق
إعداد الشيخ مزيد حسن صالح
في تاريخ طائفتنا الدرزية الكثير من الشوامخ التي تستحق الرجوع إليها لأن في ذلك إضاءة لدروب المستقبل. نظيرة جنبلاط إحدى العلامات البارزة المميزة في تاريخ الموطن اللبناني، والنموذج الذي يحن لكل امرأة أن حذو حذوه في مواجهة الحياة  والتغلب على صعوبات الريق . إنها النبراس، الذي يمكن للمرأة اللبنانية اليوم أن تهتدي بهديه وتنسج على منواله.ولدت سنة 1890م في قرية المختارة (قضاء الشوف) والدها الشيخ فارس جنبلاط ، والدتها فريدة سعيد جنبلاط. ولكي نعطي القارئ صورة حقيقية عن نسيرة الست نظيرة في حقل السياسة اللبنانية لا بد لنا من التعرف على الإطار والمناخ للعهد الذي برزت فيه هذه الشخصية الفذة، ونعني عهد الانتداب الفرنسي على البلاد دون سنواته الأولى  ، والزعامات فريقان: فريق عيّنه الوطن وآخر انتهازي يحاول الفوز بخيراته ومنافعه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، جماعة تعتبر العهد عهدها، وجماعات تعفي على الشكائم من غيظ وضغط وإرهاق.
ازدواجية للزعامة وجود موجهة للانتداب ووجوه للحرية والوطنية. في هذا الجو نفقد دار المختارة سنة 1922 سيدها وزعيم الشوف فؤاد جنبلاط وما يزال وريث الدار والزعامة طفلا في الثالثة من عمره (كمال) يومذاك وقفت الست نظيرة وجها لوجه أمام مفترق الطرق، فإما انتقال الزعامة إلى من ينوي من الرجال، بقدرة السيف أو قدرة الحيلة، وإما المبادرة إلى تسليم الزمام والتمرس بشؤونه والنهوض بشعبه والاحتفاظ بالزعامة سليما إلى أن يبلغ الوارث الشرعي أشده.
وبعد دراسة وتحليل موضوعي عميق للأوضاع السائدة في المنطقة الوفية وما جاورها من لبنان، اختارت الطريق الثاني وعزمت على تحمّل المسؤوليات الحسام، بما تملكه من ذكاء ودهاء وسابق خبرة وتجربة في الحقلين السياسي والاجتماعي.
وقد تسلّمت زعامة المختارة والشوف وهي في التاسعة والعشرين من عمرها وأم لولدين كمال وليندا وكان عهدها الذي نيف على العشرين عاما عهدا مليئا بالأحداث الزاخرة والتبعيات الجسام. لقد أراد الفرنسيون أن تكون عودنا على نظام الحكم في الشوف، وهي لم تقطع معهم شهرة معاوية كما يقولون، صونا للشوف من الإذلال والاضطهاد يتحكم في الفرنسيون كما يشاءون، فهو مركز زعامتها وزعامة أسلافها من قبلها ووريثها من بعدها، فدرأت عنه سطوة المستعمر بحنكة وذكاء وحسن تصرف.
وحين اتسع نطاق الثورة السورية في جبل الدروز ضد الفرنسيين امتدت نيرانها إلى منطقة الشوف سنة 1926 فتجمّع الثوار في لعذران استعداد لمقابلة الأعداء وقتالهم. وسير الفرنسيون جحافلهم إلى المنطقة يريدون إخضاعها وإذلالها ولما اشرفوا على المختارة تبيّن للست نظيرة أن قوى الطرفيان غير متكافئة وان مجزرة رهيبة ستقع، وسيكون قومها هم الضحية الأولى فلجأت إلى الحنكة والحكمة وتدارست الأمر مع من حولها من العقلاء وذوي الرأي قبل وقوع الكارثة، ثم أرسلت تطلب مقابلة قائد الحملة الفرنسية, وبعد أن تحدثت معه حول هذا الموضوع الخطير استطاعت فعلا أن تقنعه بالرجوع عن رأيه بعد أن أخذت على عاتقها مسئولية الحفاظ على الأمن في الشوف،ولكنها بالقابل أخذت عهدا بألا يصاب أحد من مواطني منطقتها بأذى. وقد عرف عن الست نظيرة طول فترة الانتداب أنها لم تقابل أي مسئول فرنسي في السلطة العليا إلا وكان برفقتها بعض مشايخ الدين من قومها، يحضرون معها تلك الاجتماعات، ولقد احتفظت بحجابها مسدسا حتى بلغت الخامسة والخمسين من العمر حين استبدلته بنقاب أبيض .
ولم تقتصر مهمة الست نظيرة على خدمة الشوف سياسيا، بل كانت لها اليد الطولى في شؤونه الاجتماعية والفردية فتسوية الخلافات العائلية وتسهيل مصالح الأفراد لدى السلطة وقضاء الحاجات الخاصة والإصغاء إلى الشكاوي هذا كله بعض من كثير احتملته، بإرادة لا تلين وحكمة وبُعد نظر عجيبين.
وقد شاع قول في أيامها مفاده (إن الكبراء الأجانب الذين يكوّنون لبنان لا يكذبون قد انضموا أنفسهم أن لم يزوروا مرجعين فيه البطريرك الماروني بكركي والست نظيرة في المختارة، وكان رياض الصلح قد زارها سنة 1947م مع وفد من المرشحين للنيابة في مقر المختارة فأعجب بذكائها وحكمتها ودهائها، فلما عاد إلى بيروت قال للرئيس الشيخ بشارة الخوري :" يا فخامة الرئيس كنا نظن أنفسنا كبارا في ألاعيب السياسة ولكن لما التقينا بنظيرة جنبلاط رأينا أنفسنا صغارا أمامها".
ولقد قيل فيها أيضا (سيرة نظيرة جنبلاط سيرة رجل تطل) وقال عنها الكاتب "لليمان غرانكوز" الذي ألف كتابا عنها :" السيدة نظيرة جنبلاط واحدة عبقرية سيدتان من طرازها خطر ثلاث سيدات من طرازها كارثة..."، "الست نظيرة أنوثة امرأة ووقار شيخ، في شموخ جبل، ي صورة أسطورة ..." كل من قابلها كان يجد نفسه أمام سيدة جميلة سر جمالها يكمن في وقار رهبتها . وحين تتحدث كان يشعر محدثوها بقوة شخصيتها ونظرتها إلى الأمور.
كانت قوية شجاعة مقدامة ثابتة الجنان في المواقف الصعبة، على حنان وعذوبة تمازج مهابتها، كان يزورها الناس من جميع أنحاء لبنان ومن مختلف طوائفه يطلبون مساعدتها وكلهم ثقة بأن أملهم لا يمكن أن يخيب، ما دام الحق كان إلى جانبهم . ويحكى أن أحد أصحاب الحاجات منت كانوا يومها وهو يبيت الخديعة في ذات نفسه، وما أن وقف أمامها وحدق في عينيها حتى اعتراه الاضطراب فرجع عن غيه واعترف بالحقيقة كاملة.
كانت قوة شخصية الست نظيرة تبرز اكثر ما تبرز، في عينيها العميقتين المتفحمتين، وكانت تترفع عن التلميح فتقول رأيها مباشرة بدون جدال بشجاعة أدبية نادرة المثال، تطبعها الكلمات فيما تقول ويطبعها الميزان.
أما بالنسبة إلى ابنها وريثها الذي رهنت أيامها لأجله فقد كانت تحترم مبادئه وكانت تعتبر أن أي انتقاد له بمثابة إهانة لكرامة الدار رغم أنها كثيرا ما كانت تدخل معه في نوع من الحوار السياسي إنه صراع الأجيال على مصير الحرية الفكرية، وكان كمال جنبلاط معجبا اشد الإعجاب بشخصية والدته، يطيعها طاعة عمياء وبعد ان تسلم الأمانة وأصبح زعيم الدار، وقفت دائما إلى جانبه لأنها آمنت به وكانت لا ترى الدنيا إلا من خلاله.
الست نظيرة امرأة نادرة المثال، عاشت السياسة كما عاشتها عباقرة السياسة، كذلك أصبح ابنها كمال جنبلاط من أعظم رجال السياسة والفكر في المنطقة العربية، بل في العالم كله، قرّت عينها وعاشت بقية أيامها هانئة راضية عنه وقد حفظ ابنها مكانتها وهيبتها في دار المختارة حتى غادرت هذه الدنيا في العام 1951 راضية مرضية واليوم بعد ان طال غيابها لا يستطيع إنسان أن يذكر دار المختارة إلا ويتذكر معها اسم الست نظيرة جنبلاط هذه المرأة الفريدة بين النساء.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.