الموقع قيد التحديث!

المرحوم الشيخ ابو نزيه أمين جابر كيوف

Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

بقلوب مؤمنة خاشعة ودعت قرية عسفيا والطائفة الدرزية صاحب الفضل والفضيلة الشيخ الورع الديان أبو نزيه امين جابر كيوف الذي ترك بين دفتي كتاب حياته صفحات مضيئة بكل صور العطاء والنقاء وتحدى الصعوبات والعقبات وتميز بإيمان وبمواقف ونهج زادوه تواضعا وخشوعا.

 وُلد المرحوم الشيخ أبو نزيه وترعرع في بيت متواضع يسعى لكسب لقمة العيش الحلال بعرق الجبين، والده المرحوم الشيخ التقي النقي أبو جبر جابر كيوف الذي تزيّن بالورع للدين وبالشجاعة لقول كلمة الحق وتميّز بصدق اللسان ومحبة الإخوان فجعل من بيته الصغير مكانا يجتمع فيه المشايخ للمذاكرات والصلوات مع أبنائه الذين حفظوا الدين منذ نعومة أظفارهم. من هذا البيت الكريم شبّ المرحوم الشيخ أبو نزيه على هذا النهج الصالح ومسلك الخير هو وأشقاؤه.

في السابع من شهر آب لفظ الشيخ أبو نزيه أنفاسه الأخيرة، ورغم اليقين بإرادة المولى إلا أن وقْع الخبر كان مؤلما، فقد كان الأب، الجد والصديق المخلص الشجاع الذي لم يتردد عن قول كلمة الحق دون وجل أو محاباة، سمّوه ما شئتم لكنه كان من نوادر الرجال، فريدا في صفاته وتعامله وخُلقه وقد كان إنسانا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ سامية. عرفناه في أعلى درجات الورع والخوف من الله، وقد كان شعاره “ورجُل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” رجل الإحسان والبِرّ وعمل الخير، فكم عمل من الصدقات والحسنات وتفريج الكربات، رأيْنا بعضها في حياته وبعضها بشهادة المعزّين وكثيرا غيرها لا يعلمها إلا الله. منذ نعومة أظفاره بدَت فيه علامات النجابة والقيادة، لكن الحاجة أجبرته على مزاولة الأعمال الصعبة ابتدأها بالزراعة، ثم انتقل مع اخوته إلى مناطق بعيدة للعمل الشاق كصناعة حجارة الطوب يدويا، وبعدها تأهل في دورات لأصول البناء ووفّر لأسرته لقمة العيش الحلال. وبدعمٍ من أشقائه وأفراد عائلته ومجموعة من رجال الدين والتشجيعٍ والعطاء السخي من المرحوم والده قاموا بتشييد بيت لعبادة الله ليس من أجل الجاه بل لرؤيةٍ حكيمة وبُعد نظَر مردهما أن البلدة في ازدياد سكاني، والإقبال على طريق الدين مستمر، وبعد مشقات عديدة تمّ بناء الخلوة فكان الشيخ أبو نزيه السايس والإمام وأدّى وظيفته بكل أمانة وصدق ومنظّما حريصا دقيقا أمينا لمال الوقف. وفي السنوات الأخيرة تمّ ترميم الخلوة فأعطى نصف بيته للخلوة دعما لأهل الدين. وكان يجمع أحفاده في كل وقت يراه مناسبا، يحثهم ويهديهم للتقرّب الى طريق الدين لكن دون تعصّب أو تزمّت بل بالكلام الحسن وتلاوة المواعظ والحِكم، كما كان المرحوم يحاول دائما تقريب القلوب خاصة بين الزمنيين والمتدينين، فأحبه هؤلاء واحترمه هؤلاء.

وُصِف بالكريم بأخلاقه والسخي بعطائه فكان يعطي دون أن يأخذ وكانت تبدو عليه السعادة حين يهِب ويؤازر، وما قصدَه محتاج إلا وفرّج عنه قدر المستطاع. وعندما كان يخرج إلى جولة في الشارع كان يملأ جيوبه بالحلوى ليكرم طفلا التقى به في طريقه فقد كانت سعادته تكتمل مع ابتسامة كل طفل. أحب اخوانه وتعامل بطريق التسامح والكلمة الطيبة والوجه البشوش وإذا حضر أي اجتماع تكلم بطلاقة وبكلمات دافئة تحمل الرأي السديد. وكان يخلد إلى النوم في غرفته ويستيقظ قبل الفجر مقبلا على خلوة الإيمان يناجي ربّه ويستغفره. فهل نتكلم عن حلمه وسعة صدره وتواضعه وقدرته على اختراق القلوب، أم عن حكمته وعدم تعجّله بالبتّ بالأمور صعبة الحلول، أم عن بيوت عمّرها بعد أن كانت على وشك الانهيار، وهل نتحدث عن مناقبه ومواقفه البطولية وشجاعته الأدبية ووقوفه إلى جانب الحق ضد الباطل وإبداء رأيه دون خوف أو تملّق، فبسبب تواضعه ومواقفه الشُجاعة جمَعَ الكثير من الأصدقاء في جميع القرى، الذين أخذوا برأيه وبادلوه الاحترام والمحبة والتقدير. رحمك الله أيها الشيخ الجليل شيخ المحامد والمكارم وأسكنك فسيح الجنان لقد فارقتنا جسدا ولكن ذكراك وذكرك ومآثرك ونهجك باقون معنا أمدا طويلا.

من كلمة رثاء فضيلة الشيخ ابو حسن موفق طريف للمرحوم الشيخ أبو نزيه:

“بمزيدٍ من الرّضى والتّسليم لإرادة الله وقضاه، وقلوب مطمئنّة بما حكم به وأمضاه، نجتمع اليوم لنشيّع جثمان الشّيخ الأديب الأمين، والمخلص الصّادق الرّزين، الشّيخ أبو نزيه أمين جاير كيّوف رحمه الله، مستذكرين أنّ الموت حقّ لا مفرّ منه، ومصيرٌ محتوم لا غنى لأحدٍ من البشر عنه.

انحدر فقيدنا الراحل الكريم من بيتٍ توحيديّ صادقٍ كريم، شبّ فيه منذ مطلع شبابه إلى يوم وفاته على التّقوى والدّين، متمسّكًا خيرَ تمسّك بالفرائض الدّينيّة، متعلّقًا خير تعلّق بالأخلاق والخصال التّوحيديّة، ليشبّ معروفًا بين النّاس برزانة عقله وكلامه، وشجاعة مواقفه في إحقاق الحقّ والانتصار لأهله، طيّب المعاملة، كريم اليد، صافي النيّة، مستقيم السيّرة، أبيض السّريرة، حسن السّلك والمزايا، محمود الخصال والسّجايا، حمل طوال مسيرة عمره مسؤوليّة خدمة المجتمع الدّينيّ في الخلوة الوسطى في قريته عسفيا، باذلًا كمأذون وسائس خلوة كلّ ما يستطيع من أجل حفظ الإخوان ورضى الرّحمن.

وقد جمعتنا مع المرحوم وانجاله الكرام علاقاتُ أخوّة قديمة، حيث التقينا فيه مرارًا في دارة المرحوم سيّدنا الشّيخ أبي يوسف أمين طريف، الّذي كان يحترمه ويقدره، ويُثني على رزانة كلامه وحُسن فِعاله، لنستمرّ بعدها في الحفاظ على هذه العلاقة الطّيّبة، ونختتمها باللّقاء الأخير في زيارتنا الأخيرة إلى عسفيا قبل أسابيع، حيث كان المرحوم الشّيخ أبو نزيه في استقبال الوفود والضّيوف، مؤهّلًا بهم بوجهه البشوش، ليرحل اليوم عنّا بعد مسيرة عمر طويلة وجليلة، مزوّدًا بالرّحمة والشّهادة الدّينيّة، الّتي هي حقًّا خيرُ زاد ليوم المعاد.”

*****

والقى نجله الشيخ ابو صافي نزيه كلمة العائلة شكر فيها المشيعين الكرام جاء فيها:

مشايخنا الأفاضل، أيها المشيّعون الكرام، بمزيد من الرضى والتسليم نودّع وإيّاكم في هذا اليوم، المرحوم والدي الشيخ أبا نزيه أمين جابر كيوف عن عمر يناهز الرابعة والتسعين عاما، قضاها على طريق الخير والدين والإصلاح، ورزق الحلال. نشأ والدي في بيت ملؤه الدين والتواضع والبساطة، متميّزا بديانته وتواضعه، وكان مكدًّا مجتهدا يتعامل مع الناس بالعطاء والنخوة والاحترام المتبادل، وكان المرحوم والدي نبراسا في الإصلاح والحكمة والتدبير. بنى والدي المرحوم بيتا لعبادة الله الله سبحانه وتعالى برفقة إخوانه رحمهم الله. وأوصى وأعطى الوقف أكثر من نصف بيته الخاص.

المرحوم الشيخ أبو نزيه مع ابنائه: الشيخ ابو صافي نزيه والسيد ابو عميد وجيه كيوف

والدي العزيز، يا من توسّمت بالصدق وتزيّنت بالتقوى والإيمان والإحسان والطهارة والعفّة والعفاف، يا من نويت بالخير والفضيلة، وعملت بالنيّة والضمير، محاسبة النفس، قلبك مليء حبا وسماحة ووفاء، وقصدتَ ربّك لتدعوه مناجيا ملتجأ، وتوكّلت عليه عاجزا راحة وسعادة ورضاء، وصبرت على حالك وأحوالك رضى وتقبّلا وتسليما، لقد أنساك المرض كل الدنيا لكنه لم يستطع أن ينسيك ذكر الله تبارك وتعالى حتى أنفاسك الأخيرة. فطوبى لك يا والدي يا من سموت بخاتمتك الحسنى، وسيرتك المحمودة.

المرحوم الشيخ أبو نزيه في زيارة لمقام عين الزمان في السويداء

رسالة تعزية من الرئاسة الروحية في سورية:

مقالات ذات صلة:

زيارتكم مقبولة

لقد تعوّدنا، نحن مواليد الأربعينات والخمسينات والستينات، على زيارة مقام سيدنا أبي إبراهيم عليه السلام، وذلك قبل أن تكون زيارته