الموقع قيد التحديث!

من عبق التاريخ – أيام تاريخية في لبنان

بقلم عضو الكنيست السابق امل نصر الدين
رئيس مؤسسة الشهيد الدرزي والكلية قبل العسكرية
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

في صبيحة يوم ال 17 من حزيران عام 1981 توجّهتُ إلى رأس الناقورة وهناك انضمّت إليّ سيارة جيب بقيادة ضابط برتبة رائد، وسيارة جيب من حرس الحدود أُنيطت بركّابها من قوّات الأمن مهمّة الحفاظ على سلامتي أمنيًّا. وقد تولى قيادة السيّارة التي سافرنا فيها السيد سليم حمادة وهو أحد أقربائي، ورافقني أيضًا السيّد مزيد أبو صالح المصوِّر المشهور في المنطقة واثنان من جنود حرس الحدود، تقرّر لدواعي أمنيّة أن يكونا داخل سيّارتي بالإضافة لجيبيْ جيش الدفاع وحرس الحدود. وأثناء سفرنا سمعت الراديو الإسرائيلي باللغة العربية يبثّ خبر سفري إلى الشوف ضيفًا على أقاربي في مدينة بعقلين. وقبل أن نبدأ بسلوك طريق جبل الباروك ضلّ الرائد الذي تقدّمني في جيبه الطريق، وبدلًا من أن يتسلّق جبل الباروك اتّجه نحو قرية غزة في منطقة البقاع التي تواجدت فيها آنذاك قوات الجيش السوري، في حين تواجد بالمقابل على سفح الجبل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذين شرعوا بإطلاق النداءات والصراخ للفت انتباه الرائد وإعادته إلى المسار الصحيح وعدم السفر باتجاه الجيش السوري، وقد أوقفتنا سيّارة على بُعد 200 متر من القوّات السوريّة فقط، لنتنفّس الصعداء ونعود أدراجنا إلى الطريق الصحيح باتجاه جبل الباروك، وأثناء السفر بدأنا نشعر بهول الحدث الذي كان من الممكن أن يزجّني في سجون السوريين برفقة كل من تواجد داخل سيارتي من جنود ومدنيين، الأمر الذي كان سيدخل الطائفة والحكومة الإسرائيليّة في مشكلة خطيرة للغاية.

ولدى بلوغنا قمّة جبل الباروك، حيث النصب التذكاريّ للمرحوم المعلّم كمال جنبلاط، ترجّلتُ من سيّارتي نحوه وقد كانت بجانبه مجموعة من جنود الجيش الإسرائيلي، سُرّت لقدوم عضو كنيست لزيارتهم، التقطنا الصور مع الجنود، ثمّ تابعتُ السفر إلى بعقلين مع المرافقين ورجال الأمن الذين ساروا في سيّاراتهم أمامي وخلفي بهدف الحفاظ على سلامتنا إلى أن وصلنا إلى ساحة الأمير فخر الدين الثاني حاكم لبنان في القرن السابع عشر في مدينة بعقلين.  وهناك وجدتُ أهالي المدينة ينتظرون قدومي بعد أن سمعوا عن مجيئي عبر إذاعة صوت إسرائيل باللغة العربية، التي بثّت خبر توجّهي إلى مدينة بعقلين، كما أسلفت، لزيارة أهالي والدتي التي تنتمي إلى عائلة حمادة والتي تتبوّأ زعامة المدينة، ولها مكانتها السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة المرموقة في بعقلين والعشيرة التوحيديّة الدرزية في لبنان، ومن أبرز شيوخها وأبنائها فضيلة الشيخ المرحوم حسين حمادة الذي تولّى مشيخة عقل الطائفة الدرزيّة خلفًا لوالده سماحة الشيخ محمد قاسم حسين حمادة، بين الأعوام 1915-1946 قَبل سماحة الشيخ محمد أبو شقرا، والسيد قحطان بك حمادة أشغل منصب رئيس بلديّة بعقلين وأنتًخب عضوًا في  البرلمان اللبناني عن منطقة الشوف.

ولدى وصولنا إلى بعقلين، تقدّم من سيّارتي أحد الوجهاء عرّفني عن نفسه وقال أنا رفيق حمادة وبناءً على اتفاق في العائلة أنت ضيفي. وبعد هذا الإعلان استمرّ الوجهاء والسادة بالقيام بمصافحتي وتقبيلي وقد تمّ استقبالي بحفاوة بالغة، وذهبت مع المضيف والأقارب إلى ديوان رفيق بيك حمادة حيث استمرّت في داره العامرة التهاني والمصافحة مع الأقارب الذين كانوا فرحين جدًّا بقدومي. وفي ساعات المساء أقام المضيف وجبة عشاء فاخرة، حضر ها حوالي 150 من وجهاء المدينة والمنطقة، وطُلب منّي أن أتحدّث عن العلاقات الدرزيّة الإسرائيليّة وعن شؤون وأحوال الدروز في إسرائيل، فألقيت كلمة دامت أكثر من ساعة، تطرّقتُ فيها إلى العلاقات الحميمة القائمة بين الدروز والدولة منذ تأسيسها. وأبلغتهم بموافقة رئيس الحكومة على طلبي لتعيين حُكّام عسكريين دروز حتّى يقوموا بواجباتهم تجاههم، وبناء على طلبٍ من رئيس الحكومة قام رئيس الأركان آنذاك رفائيل إيتان بتوظيف حُكّام عسكريين دروز، وتمّ تعيين الكولونيل سعيد عبد الحق حاكم عسكري في منطقة الشوف، والعقيد سعيد فارس حاكم عسكري في منطقة خلدة والعقيد إسماعيل قبلان حاكم عسكري في منطقة حاصبيا. بالإضافة الى ذلك فقد اتُّخذ قرار آخر بناءً على طلب تقدّمت به إلى رئيس حكومة إسرائيل في حينه السيد مناحيم بيجين بعدم جمع السلاح من أبناء الطائفة الدرزية، بل على العكس تماما تزويدها بالسلاح عند الضرورة إذا طلبوا، وقوبلت أقوالي هذه بالرضى والترحاب.

مع قحطان بك حمادة الشيخ أبو صالح فرحان العريضي وبعض الشباب

في صباح اليوم التالي وعند بزوغ الفجر، دخل إلى غرفتي المضيف رفيق بيك حمادة وأيقظني قائلا: انهض لقد وصل فضيلة الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين للتعرّف عليك ودعوتك لزيارته في بيته. ورغم الساعة المبكرة ومشقة السفر والإرهاق الشديد نهضت للقاء شيخ مشايخ البلاد، وتقدّمت نحو الديوان وهناك رأيت شيخًا جليلًا يجلس ويتكّئ على عكّازه يرتدي العباءة المقلّمة والعمامة البيضاء، وقمتُ بتقبيل أيادي الشيخ، وجلست بجانبه، وتبادلنا أطراف الحديث، ثم طلب منّي القيام بزيارته في منزله، فأبلغته بأنه يشرّفني أن أقوم بزيارة فضيلته، وبأنني سأفعل ذلك لاحقًا، وقدّمت له الاعتذار كوني قد وضعت الترتيبات مع رجال الأمن للذهاب إلى مدينة خلدة لمقابلة الأمير مجيد أرسلان، وبعدها سأتشرّف في ضيافته.

في الوقت المحدَّد سافرنا باتجاه مدينة خلدة الموجودة على مشارف مدينة بيروت والمحاذية لشاطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد اعترض طريقنا في بلدة المشرف أحد ضبّاط الجيش الإسرائيلي وأبلغني بأنه لا يمكنني الوصول إلى خلدة لأن المدافع الإسرائيلية تقصف المنطقة بدون انقطاع والطائرات تقوم بغارات جويّة فيها، مما قد يعرّض حياتي للخطر، عندها قدّمت للضابط كتاب رئيس الحكومة السيد مناحيم بيجن الذي يطلب فيه من قوّات الجيش الإسرائيلي تسهيل مهمتي ووضع قوّات لحمايتي حتى وصولي إلى هدفي، فأصدر  الضابط أوامره إلى قائد مجنزرة للسفر أمامي لغاية وصولي إلى قصر الأمير مجيد أرسلان في مشارف مدينة خلدة وهكذا حصل.

في بيت الأمير مجيد أرسلان مع فضيلة الشيخ أبو حسن عارف حلاوة والشيخ أبو عفيف والأمير مجيد أرسلان

  دخلت إلى قصر الأمير مجيد أرسلان وانتظرته حتى قدومه إلى قاعة الاستقبال بصحبة عدد من المرافقين الذين كانوا يساعدونه على السير بسبب وعكة صحيّة ألمّت به. تقابلنا وتعانقنا واحتسينا القهوة، وبعدها طلب من الحضور ترك قاعة الضيافة ولما خرج الجميع وبقيت مع قحطان بيك، أبلغني الأمير مجيد بأنه يدرك جيدا بأنني نائب برلماني نشيط له شعبيّة واسعة  وقدرة على التأثير  داخل حكومة إسرائيل كوني صديق لرئيس الحكومة، وبأنّه مسرور لكوني درزي غيور على مصالح الطائفة وقضاياها، طالبًا أن أقوم بمنع مصادرة الأسلحة من الدروز لأن ذلك ينطوي على خطر وجودي جسيم بالنسبة للطائفة وأن أجد حلاًّ للخلاف  بين المشايخ أبو حسن عارف حلاوي والشيخ أبو نبيه محمد أبو شقرا الذي أدى إلى انقسام في صفوف الطائفة، وخصوصًا في هذه الأيام العصيبة التي تستوجب وحدة الصف والرأي.

أبلغتُ الأمير بأن طلبه الأوّل حول عدم جمع السلاح قد لاقى حلاً له حيث طرحت الموضوع على رئيس الحكومة السيد مناحيم بيجن الذي أصدر أوامره بعدم جمع السلاح من أبناء الطائفة الدرزية في لبنان، أمّا بالنسبة للمطلب الثاني عقد الصلح والمصالحة بين المشايخ فطلبت إعفائي منه بحكم كونه مسألة داخلية محضة. إلا أن الأمير مجيد أصرّ على مطلبه معلِّلا ذلك بأن الدروز في محنة وبأنّني الوحيد الذي بإمكانه إنقاذهم من هذا الوضع الصعب نظرًا لكوني الشخصيّة الأقوى في هذه البلاد لأنّني جئت إلى لبنان، وفوق رأسي طائرات الفانتوم وعلى يميني المدرّعات الإسرائيليّة، التي تمكّنت خلال أسبوع من الوصول إلى مشارف بيروت وعلى يساري الجندي الإسرائيلي، مضيفًا ردا على سؤال لي بأنه سيقف إلى جانبي في هذه القضيّة وسيطلب من جميع المشايخ والوجهاء وبضمنهم قحطان بك وآل حمادة مدّ يد العون حتى أتمكّن من إجراء الصلح المطلوب والمنشود.

محطّتنا القادمة كانت بلدة بعذران والتي وصلنا إليها عند الساعة العاشرة ليلاً للقاء سماحة الشيخ أبو نبيه محمد أبو شقرا في مقرّه، وهناك وجدت في باحة دار سماحته، شخصًا منحه الباري قامة ووقارًا وجسمًا لا مثيل له بين الزعماء الذين التقيت بهم، وبعد التحيّة وتقديم واجب الضيافة، طلبتُ الجلوس مع سماحته على انفراد برفقة قحطان بك فقط، وقبل الدخول إلى غرفة المذاكرات أراد الشيخ أبو نبيه الاطمئنان على اثنتين من النساء المتزوّجات في بلدي دالية الكرمل وهنّ سعدة وودادّ. تأثّرت كثيرًا من سؤاله، وأبلغته بأن سعدة هي خالتي ووداد هي أمي، فما كان منه إلّا أن ضمّني إلى صدره وقبّلني وأوعز لابنه بأن يدعو المشايخ والأقارب ليعلمهم بأن عضو البرلمان الإسرائيلي الضيف هو نجل ابنتهم وداد حمادة، وبعد حوالي نصف ساعة تجمّع في دار سماحة الشيخ العشرات من المشايخ والشباب الذين رحّبوا بي بحفاوة بالغة.

لقد أبلغت سماحة الشيخ خلال لقائنا بما دار بيني وبين الأمير مجيد أرسلان ومطالبه بشأن عدم جمع الأسلحة ومصادرتها من الطائفة وكذلك ضرورة إجراء الصلح بين الشخصيّات الدينيّة في الطائفة الدرزية في لبنان وبأن سماحته أحداها. وردًّا على سؤال سماحة الشيخ محمد بو شقرا ما إذا كان الأمير سيساندني في هذا العمل الهامّ؟ أعلمته بحضور قحطان بيك حمادة بأن الأمير أكّد دعمه التامّ لي وبأنّه سيطلب من جميع المشايخ والوجهاء التعاون من أجل تحقيق هذه المصالحة التاريخيّة، خصوصًا وأن الطائفة الدرزية في لبنان بأمسّ الحاجة اليها، عندها قال سماحته: “ما دام الأمير موافق وسيقف إلى جانبك فأنا سأقف إلى جانبك وأطلب من الجميع تأييد مطلبك”.

وبعد أن تركنا بلدة بعذران في ساعة متأخّرة من الليل متّجهين إلى مدينة بعقلين، اقترح قحطان بيك بأن نتوجّه إلى بيروت إلى دار التلفاز والإذاعة لنعلن نجاحي في هذه المهمّة التي لاقت صعوبات وعدم توفيق من زعماء جبل الدروز وزعماء الطوائف الإسلامية والمسيحية، الا أنني لم أتفق الرأي معه، لأنني اعتقدت بأنه من الأفضل ألّا يتمّ إنجاز هذا الحدث التاريخي عن طريق وسائل الإعلام، وتحت رعاية عضو الكنيست وقائد عسكري في المنطقة أيضًا، كي لا يرى البعض أنه تحقّق تحت ضغوطات سياسيّة وعسكريّة من قِبل نائب درزي في البرلمان الإسرائيلي. وأكّدت رغبتي بالعودة إلى إسرائيل لاطلاع رئيس الحكومة والرئيس الروحي للطائفة الدرزية فضيلة الشيخ أمين طريف على هذا الإنجاز غير المسبوق. وقد قبل قحطان بيك اقتراحي على مضض وعدنا إلى بعقلين، وفي صباح اليوم التالي قمت بزيارة فضيلة الشيخ أبو محمد جواد في بيته وأعلمته بقرار عدم جمع الأسلحة فرحّب به وبهذا العمل الهامّ، ثم سافرت إلى خلدة وأعلمت الأمير مجيد بما حصل بيني وبين سماحة الشيخ محمد أبو شقرا وبأنه قد وافق على تأييد وتحقيق المصالحة فلم يخف الأمير مجيد غبطته وتمنى لي التوفيق، قبل أن أغادر خلدة عائدا الى إسرائيل.

 بعد عودتي إلى البلاد التقيتُ في أورشليم القدس برئيس الحكومة مناحيم بيجن وأخبرته بما حصل، وشكرني على هذا الإنجاز الهامّ وتمنّى لي النجاح التام. ثمّ توجّهت إلى دار فضيلة الشيخ أمين طريف في قرية جولس وأعلمته عن توصّلي إلى اتفاق مع الأمير مجيد أرسلان وسماحة الشيخ محمد أبو شقرا والسيد قحطان بيك حمادة على إجراء لقاء صلح بين الأطراف المتنازعة باشتراك وفد من وجهاء دروز إسرائيل وطلبت منه أن يترأّس الوفد. انهمرت دموع الفرح من عيني فضيلته لدى سماعه هذا الخبر وهذا الانجاز التاريخي، واتّفقت معه على 21 اسمًا من الوجهاء قمت بدعوتهم رسميًّا للمشاركة في السفر إلى لبنان لعقد راية الصلح بمشاركة وتدخّل زعماء ومشايخ الطائفة الدرزية في إسرائيل وفي لبنان.

الصلحة الكبرى في لبنان

مقالات ذات صلة: