الموقع قيد التحديث!

“من ضيقِ الحياة إلى سِعَةِ حطّين”

بقلم سماحة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرّئيس الرّوحي للطّائفة الدّرزيّة ورئيس المجلس الدّينيّ الدّرزيّ الأعلى
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

بسم الله الرّحمن الرّحيم

بين عتمةِ الأحداث ووعورةِ المستجدّات، تهربُ النّفسُ من ضيقِ الحياةِ إلى سِعَةِ حطّين. حدائقٌ غنّاء تؤدّي لبوابةٍ يدخلُ الزّائرُ منها فينسى الهموم ويطمئنّ، مستقبِلًا مقام خطيب الأنبياء وسيّد الخطباء سيّدنا النّبيّ شعيب عليه السّلام.

في هذه السّاحات الّتي يجتمعُ فيها النّاسُ من كلّ مكان، تتزاحمُ الذّكرياتُ والمرويّات والحكايات. فلانٌ يذكرُ أيّام نذرهِ في سبعينيّات القرن الماضي فيعيشُ وصفَ الأجواء، وفلانٌ يقصّ خبر زياراته العائليّة وسهراته الأنيسة في رحاب المقام الشّريف، وآخرُ يتذكّرُ كيف كان يُغلق صنابير العين مع أصحابِ طفولِتِه، مُخلّفين بركةَ ماءٍ كبيرةً لتهوّن مشقّةَ الحرّ على الصّغار.

من منّا لم يسمع صديقًا يقول بالعاميّة: “ما أسهل زيارتُه صلّى الله عليه”، ومن منّا لم يتساءل بينه وبين نفسِهِ: “لوين بدها تروح الطّائفة غير على المقام؟”. أقوالٌ قد يظنّها البعضُ يوميّةً وعاديّة، ولكنّها دلائل وقرائنُ راسخةٌ على الارتباطِ، والتّمسّك، وعمق التّجذّرِ، والانتماء.

في جَنَبات هذا المقام المبارك الميمون، اجتمعت الطّائفةُ الدّرزيّة مُصلّيةً، محزونةً، مُحتفلةً وثائرة. في هذا المكان المقدّس الشّريف، كتبت الطّائفةُ فصولًا كثيرةً تحوّلت على مرّ العصور إلى تاريخ. هنا، دعا سيّدُ الجزيرة وشيخ العشيرة سيّدنا الشّيخ أبو يوسف أمين طريف (ر) لنُصرة الأهل في الحرب الأهليّة اللّبنانيّة فاستُجيب. هنا هبّ موحّدو بلادنا مع أبطال لبنان، سوريا والأردن في وجهِ المعتدين على مُلكيّة المقام في موقفٍ تتناقلهُ الأجيال على مرّ السّنين. هنا هبّت الطّائفةُ الدّرزيّةُ في وجهِ كلّ التّحديّات والضّغوطات، رافعةً أعلامها المكرّمة ذات الألوان الخمسة، موضّحةً أنّنا أصحابُ حلمٍ مع أهل الحلم، وقارعو طبول الثّورةِ تحصيلًا للعدالةِ والحقوق.

هنا مرّ شعيبٌ (ع) مُختارًا له هذه البقعةَ المقدّسةَ لتكون مُستقرَّهُ الأخير، تاركًا لنا من بعدهِ سيرةً مباركةً بها نقتدي، وآدابًا وضّاءةً بنورها الأخلاقيّ نهتدي، من أجل متابعةِ المسير. تحت ظلّ هذه الدّوحة الحطّينيّة الفائضةِ نورًا، تتقزّمُ كلّ النّقاشات والتّوجّهات والاختلافاتِ، لنعود كلّنا إلى القاسم المشترك القديم: التّوحيد هويّتنا والمقامُ بيتنا وملاذُنا الطّيّب الّذي فيه متّسعٌ للجميع.

هذا هو النّهجُ الّذي لا نزال نعيشُهُ ونُحييهِ طوال مئةٍ وأربعين عامًا منذ الزّيارةِ الأولى إلى حطّين. تكرارٌ فيه كلّ عامٍ من التّأثّر الكبير المصحوب بغصّات الحنين. قد تتغيّرُ الحيثيّاتُ والمراسمُ والوجوهُ، ولكنّ الجوهر واحد: سيبقى المقام في حطّين النّول الأوحد الّذي تُنسَج عليه الهويّة والذّاكرة الدّرزيّةُ الجماعيّة.

تحت وطأة هذه الأيّام الصّعبة الثّقال وما خلّفته في ديارنا المقدّسة من زعزعةٍ في الأمن والأمان، نكرّسُ ابتهالاتنا لإحلال السّلام العادل المنشود فوق هذه الرّبوع الّتي أنهكتها القلاقلُ والحروب، وأرّقتها المشاكلُ والكروب، مستمدّين القوّة من أخلاق ديننا وسيرةِ نبيّنا شعيب (ع)، وما مثّلهُ خلال حياتِهِ من معايير الفضيلة العُليا إنسانيًّا وأخلاقيًّا. رجاؤنا أنْ ننوي الخير ونجتهد في عمل الخير كما أوصانا شُعيبنا (ع)، لنكون من الّذين قالت الآية فيهم: “وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا”. زيارةً مقبولةً للجميع وكلّ عام وأنتم بألف خير.

مقالات ذات صلة:

شعر: حطّين

جروحي يا أرض حطّين طابوا بمقام ال عالمدى مشرِّع بوابو  بربيعك في نحل للشّوق حايم بحمى سيّدي النّبي شعيب وترابو