الموقع قيد التحديث!

مقام سيدنا بهاء الدين (ع) في بيت جن

بقلم الكاتب والشاعر مالك حسين صلالحة – بيت جن
عن كتابه: بيت جن عبر التاريخ – بحث تاريخي، جغرافي واجتماعي، 1993
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

الرحّالة عن هذا المقام المقدّس ما يلي:

“يوجد بالقرب من بيت جن التي سكّانها من الدروز، مكان مقدّس يُعرف باسم “بهاء الدين”، ويقع على رأس جبل حيدر في الجهة الجنوبية للقرية المذكور، والمكان عبارة عن مغارة صغيرة عليها قبّة بيضاء، يؤمّها الدروز للتبرّك منها، وينزل الزائر إليها بضع درجات من جهة الشمال، حيث يدخل إليها من باب صغير، ويوجد من حوله مساحة منبسطة من الأرض، محاطة بجدار من الحجارة، وبداخلها مجموعة من الأشجار، ويمكن للزائر أن يتبيّن من هذا المكان مناظر خلاّبة من جبال وسهول وأدوية.. كما يشاهد البحر المتوسط في الغرب، وبحيرة طبريا في الشرق وجبال الجليل الأسفل في الجنوب.

وتظهر أمامه عدّة قرى سكّانها من مختلف الطوائف، وأقربها قرية الرامة الرابضة عند قاعدته، كما وتكسو الجبل أشجار باسقة من الملّ والسنديان.

 إن هذا المقام الشريف لم تقتصر حسناته مع الإنسان فحسب، بل تعدّتها إلى الحيوانات ايضًا، والشواهد العينيّة كثيرة، فكم من إنسان أصيب بداء عضال، أو ضُرب بالفالج (إلتمس) وقد شفي عندما زار المقام وبات في رحابه، كذلك الحيوانات المريضة قد شُفيت عندما كان أصحابها يصعدون للمبيت في أرض الوقف التي تحيط بالمقام، كل ذلك بعونه تعالى وبفضل شفاعة صاحب هذا المزار الكريم، ممّا يدلّ على منزلة صاحبه عند الله سبحانه وتعالى. وخير دليل على ذلك القصة التي ما زالت محفورة في ذاكرة المعمِّرين من الأهالي، يتناقلونها أبا عن جد ، وذلك عندما كانت هنالك زيارة للوفاء بنذر لإحدى العائلات في القرية، وقد كان الوقت صيفًا وكان الأهالي يحصدون الغلّة من القمح والشعير في الأراضي وفي المرج المترامي عند أقدام الجبل من الجهة الشمالية، فما كان من الله سبحانه وتعالى، إلا وقد أرسل سحابة سوداء، حجبت أصحاب الشمس عن المقام والجبل، وأخذت السماء تبرق وترعد، وانهمرت السماء بزخات شديدة من البرد، ممّا أجبر أصحاب الزيارة على مغادرة المكان فارّين نحو القرية، تاركين من خلفهم طعامهم على النار، حيث كانت الشمس في ذات الوقت تسطع فوق القرية بحرّها اللاهب، والناس منهمكة بالحصاد وفي مزاولة أعمالها في الحقول.

وهل هناك من إثبات ودليل أكبر من هذا على قدسية المكان ومنزلة صاحبه الرفيعة عند الله.

أمّا من أين جاءت التسمية، وكيف رُجِّح على أنه مقام سيدنا بهاء الدين، فإنني أعرض أمام القرّاء دليلا منطقيًا وتاريخيًّا يثبت صحّة هذا الترجيح، عسى أن يتراجع الناكرون لقدسيّته عن غيّهم. إذ أن الناس ما زالوا يتناقلون الحديث عن اسلافهم، خلصّة المشايخ المعمِّرين، عن قصّة العتبة التي وُجدت على باب المغارة، حيث كان عليها كتابات محفورة بقي منها هاتان الكلمتان (علي المكنّى…) من هنا ربط الأهالي الأتقياء من مشايخ الدين قديمًا في بيت جن، هذه التسمية بسيّدنا بهاء الدين عليه السلام، وأنني على اقتناع تامّ بأن هذه الحجرة لها ارتباط بسيّدنا بهاء الدين (ع) على ضوء ما ذُكر، إذ أن سيّدنا بهاء الدين (ع) كان منذ بداية دعوة التوحيد من أركان هذه الدعوة التي بدأت في نهاية القرن العاشر الميلادي (996م)، حيث أُسِّس المذهب التوحيدي الملقَّب خطأ بالمذهب الدرزي، أسوة بالمذاهب الإسلاميّة الأخرى كالمذهب الشافعي والحنبلي والمالكي ألخ.

  إذًا فمن هو بهاء الدين (ع) وما علاقته بالمذهب التوحيدي؟

“هو الأمير سديد الدولة أبو حسن علي ابن أحمد الضيف كان حاكمًا على أفاميا سنة 406ه، ثمّ عُيّن بعدها واليًا على حلب، ولكنّه تركها عندما استولى عليها المرداسيّون، في شهر رمضان من سنة 407ه، وفي يوم 15 ذي القعدة سنة 408ه دخل الأمير سديد الدولة دمشق بوصفه حاكما عليها من قِبل الحاكم بأمر الله، ولكنه لم يطل أمره فيها، وفي ربيع الثاني سنة 413ه دخل الأمير سديد الدولة حلب وأُعلنت فيها الخطبة للخليفة الفاطمي، وفي العام 415ه عُيّن واليًا على الشام كلّها.      

أما اسمه الكامل فهو أبو الحسن علي ابن أحمد الطائي السموقي نسبة إلى (سموقة) وهي قرية تقع بالقرب من حلب، المكنّى بالمقتنى بهاء الدين، وقد لقّبه الإمام حمزة بن عليه السلام ب(المقتنى)، كناية على أنه في قنية الإمام أي من أتباعه، وقد اختاره كي يُكمل ويتمِّم دعوة التوحيد. وكان هذا أحد ألقابه. وقد اشتهر سيّدنا بهاء الدين (ع)في كتب التاريخ باسم علي ابن أحمد الضيف، أو بعلي بن الضيف، وحسبما جاء في كتاب (عمدة العارفين) للشيخ الأشرفاني فيكون المقتنى قد تولّى على أفاميا في شمال سوريا من قِبل الخليفة الفاطمي مولانا الحاكم بأمر الله، حيث استطاع أن يأخذ حلب عنوة من الحمدانيين سنة 409ه وضمّها إلى ولايته، وقد كان المقتنى أحد السبعة الذين قاتلوا مع الإمام حمزة عليهما السلام في مسجد ريدان، عندما هاجمهم ـأكثر من عشرين ألفًا من أعداء المذهب، في آخر يوم من أيام سنة 409ه (الموافق 8 أيّار  1019م)، وقد تسلّم مقاليد الدعوة ونشرها من الإمام حمزة بن علي عليه السلام، بعد غياب واحتجاب الحاكم بأمر الله، وبقي يعمل على نشر الدعوة حتى سنة 1047م حيث أُقفل باب الدعوة. ومن الجدير بالذكر أن الموحّدين تعرّضوا لأكبر محنة لهم زمن الخليفة الظاهر عندما اعتلى الأخير عرش الخلافة الفاطميّة، وذلك لأن الموحدين لم يعترفوا بإمامته بعد الإمام الحاكم، واعتبر الموحدون أن الإمامة الفاطمية انتهت باحتجاب الحاكم وغيبته استنادًا للرسالة التي تركها الإمام الحاكم للموحّدين بعد غيابه والتي تُعرف برسالة الغيبة، الأمر الذي دعا الظاهر لشنّ أكبر حملة إجراميّة انتقاميّة في التاريخ، ليوم الموحدين أبشع أنواع الاضطهاد والتعذيب والتنكيل، من قتل وحرق وسبي وجر وصلب، هذه المحنة التي وُصفت لقسوتها (بأنه يشيب لهولها الأطفال) و(وتسقط الحامل حملها دون أن تدري). إلا أن الموحدين استطاعوا الصمود والصبر والثبات أمام هذه المحنة بفضل حنكة وسياسة سيّدنا بهاء الدين (ع) والقيّمين على أمور الدعوة وحمايتها، حيث تقبّلوا المحنة بصبر وثبات إيمانا بدنو الفرج.

ومن المدافعين عن الدعوة كان الأمير رافع أبي الليل (ر)، أحد القادة العسكريين لدى الظاهر، ومن المقرّبين إليه، حيث كان يحظى بمقام رفيع في نفسه، كذلك سيّدنا بهاء الدين (ع) الذي كان ذا حنكة سياسيّة وخِبرة بتقلّبات الساحة السوريّة الشاميّة، وأكثر من يعرف نفسيّة أهاليها وتفكيرهم، ممّا جعل الظاهر يكنّ له الاحترام والتقدير، ويمنعه من الاستغناء عن خدماته ومشورته، فاستغلّ الاثنان (الأمير رافع (ر) وسيّدنا بهاء الدين (ع)) مركزهما لحفظ الدعوة والموحدين من شرّ الظاهر ومكّتهما من نشر الدعوة سرًّا، حيث استمرّت المحنة حتّى سنة 1026م، وفي هذه الفترة لم يُعرف عن نشاط الدعوة ودُعاتها إلاّ القليل. فقد تابع مولانا بهاء الدين (ع) المهمّة الموكلة إليه بنشر الدعوة سرًّا، وذلك بمساعدة أعوانه بعيد عن أعين الظاهر، مستندًا إلى مساعدة قادتها السياسيّة والعسكريّة، وذلك بوحي من مصلحة هذه الجماعة (الموحدين) والدفاع عن كيانها. فقد كانوا يساندون الظاهر للتخلّص من أعدائه السياسيين، الذين كانوا بنفس الوقت أعداءً لدعوة التوحيد ممّن كانوا يلاحقون الموحدين ويضطهدونهم.

وقد عاد سيّدنا بهاء الدين (ع) إلى متابعة الدعوة علانيّة في تشرين سنة 1037م، حيث أعادها إلى سابق نشاطها بعد أن كان قد اضطرّ إلى إيقافها نتيجة للوشايات عليه لدى الظاهر، إلاّ أنه بعد موت الظاهر سنة 1036م جاء المستنصر بالله، الذي كان يكنّ ايضًا الاحترام والتقدير الكبيريْن للمقتنى بهاء الدين، وكان للمقتنى المقام الرفيع لديه ممّا ساعده على إصدار فتوى قُضي بموجبها على ألدّ أعدائه، مصعب التميمي الذي كان يناصبه العداء، ويسوم الموحّدين شتّى أنواع العذاب أيّام الظاهر، وكان لتغيير سياسة الفاطميين في هذا العهد الجديد، أن عادت الدعوة في وادي التيم وجبل لبنان وبلاد الشام وفلسطين إلى سابق عهدها، واستطاعت أن تُسفر عن وجهها، فأرسل الدعاة إلى مختلف الأقاليم في العالم.

وفي هذه الأثناء طلب المقتنى بهاء الدين من  الأمير معضاد ، أحد أقطاب الدعوة في جبل لبنان، بتجريد حملة عسكريّة سنة 1038م على أعداء المذهب، حيث استطاع أن يلحق الهزيمة النكراء بهذه الشرذمة التي كان يرأسها سُكين وأبي جمعة، حيث تمّ القضاء عليهم ، وأراح الموحدين من شرّهم، وفي هذه الأثناء كان سيّدنا بهاء الدين (ع) بفضل مركزه يتنقّل بين مركز الخلافة في مصر وبلاد الشام (فلسطين، سوريا ولبنان) كيف لا وهو الذي كان واليًا على أفاميا في سوريا، زمن الحاكم، ووزيرًا لدى الظاهر والمستنصر، وممّا لا شكّ فيه أنه كان يقوم بتفقُّد رعاياه من أتباع المذهب، ويشدّ من أزرهم خاصّة زمن المحن التي جابهتهم زمن الظاهر، وسُكين وغيرهم ليُثبِّت من إيمانهم بمعتقدهم ومذهبهم، ومن هنا فإن من الطبيعي أن قسما من تنقّلاته كانت سرًّا بعيدًا عن أعين الظاهر وأعوانه، وهذا مما يجعلنا نعتقد ونميل للتأكيد من أن هذا المكان المقدّس على جبل حيدر هو أحد الأماكن التي مرّ بها أثناء تنقّلاته بين مصر ولبنان وسوريا، حيث أن الطريق إلى لبنان وسوريا يجب أن تمرّ بفلسطين.

ونحن نعلم أن بلاد صفد والجليل خاصّة، كانت من مراكز الدعوة وكان للدعوة أتباع كثيرون فيها ومنهم الشيخ أبو السرايا في يركا، وقد أطلق على مشايخ هذه المنطقة اسم مشايخ آل تراب، وقد جاءت التسمية من سيّدنا بهاء الدين (ع)، وكان له مراسلات معهم، وممّا لا شكّ فيه أنه كان له علاقات واجتماعات مع هذه الفئة المؤمنة ومشايخها في هذه البلاد، أمثال محمد الجرمقاني من قرية الجرمق.

ومن الطبيعي أن هذه الاجتماعات كانت تتمّ سرًّا بعيدًا عن أعين الحليفة الظاهر، الذي ناصب الموحّدين العداء وأعمل فيهم السيف منكِّلا بهم شرّ تنكيل (لأنهم لم يعترفوا به إمامًا بعد مولانا الحاكم) وكلّنا نعلم أن الاستيطان التوحيدي (الدرزي) في بلاد فلسطين قد امتدّ من الجليل شمالا، حتى الرملة وعسقلان جنوبا، وكانت بلاد صفد عامرة بقرى الموحدين أمثال الجرمق والزابود ويركا والكويكات ووداي سلاّمة وشجرة ولوبية وإكليل وغيرها.

كل هذه الأمور الآنفة الذكر تؤكّد على أن هذه الجرة قد تكون إحدى الأمكنة التي كان يلجأ إليها أو يمرّ بها ليستريح فيها سيّدنا بهاء الدين (ع)، ومن هذا المنطلق ومن الإيمان التوحيدي الداعي إلى حفظ الأماكم المقدّسة لأي ملّة وديانة كانت خاصّة الديانات المساوية. قام أهالي القرية القدماء بالحفاظ على المكان وبنوا فوق الحجرة قبّة حجرية، ثم أُضيفت عدّة حجرات بفضل المرحومة أنيسة دبّور التي قامت على خدمة المزار، إلا أنه مع مرور الزمن أصبح هنالك حاجة لترميم هذه الحجرات أو هدمها وبناء مقام ملائم أكثر. وقد جاءت المبادرة في حينه من الأخ جمال صلالحة مركّز منظمة الكشاف الدرزي في البلاد، حيث دعا ورتّب مسيرة كشفية من القرية حتى باحة المقام، وذلك في نيسان سنة 1984، باشتراك جميع الفرق الكشفية في القرى الدرزية، ودعا في تلك المناسبة لإعمار المقام وترميمه، فانهالت التبرّعات وأبدى الجميع استعدادهم للتطوّع، وقام المجلس المحلي في حينه بتبنّي الفكرة، إلا أن المشروع جمِّد، إلى أن جاء المجلس الملي بإدارته الجديدة سنة 1989 فقام ببناء سور وجدران حول المقام خلال أسبوع العمل التطوعي ثم بوشر بالبناء، وقد تمّ فعلا إقامة البناية الحديثة في شهر تشرين أول سنة 1992، وذلك بفضل جهود الخيِّرين وعلى رأسهم الأخ حرب حرب الذي كان له الجهد الأكبر  في إنجاح المسيرة الكشفية في حينه، والأيادي البيضاء في جمع التبرّعات والسهر على إتمام المشروع والسير به قدمًا، كل ذلك تبرّعًا لوجه الله عزّ وجلّ بالإضافة إلى مساعدة لجنة من المشايخ يرأسها الشيخ كامل دبور فجازى الله المحسنين خيرًا وأكثر من أمثالهم في ديارنا.


المصادر:

  1. البيطار أمينة، موقف أمراء العرب، ص 125-126.
  2. الشيخ الأشرفاني محمد، مؤلّف عمدة العارفين، الجزء الثالث.
  3. عمّار يحيى حسين، تاريخ وادي التيم والأقاليم المجاورة.
  4. د. أبو عزّ الدين نجلاء، الدروز في التاريخ.
  5. ملحق جريدة الكلمة، تدشين مقام سيدنا بهاء الدين (ع) بتبني المحامي يوسف قبلان رئيس مجلس بيت جن المحلي.

مقالات ذات صلة:

شعر: نواطير الثّلج…

كانوا هنا يتجولون بين رؤى الشّمس، وغمار البيادر يتمرّغون كحجال الجبال، في سماء الشرق.. ومع رفوف الدَرَجِ، يتنقلون… بين وطن