الموقع قيد التحديث!

مفهوم المعروف عند طائفة الموحدين الدروز

بقلم د. حسن البعيني – مؤرّخ لبناني
نقلا باختصار عن مجلة “الضحى” العدد الثامن – تشرين الأول 1992 – مع الشكر
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

ليس للإحسان حدود عند الموحدين، فهو يُصنع حيثما أمكن وما أمكن..

الموحدون الدروز ولقب: بنو معروف

ورد ذكر المعروف في قوله تعالى في آيات كثيرة منها: “لتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون” (سورة آل عمران، 104)، ومنها “كُنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” ((آل عمران، 110)، ومنها “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيز حكيم” (التوبة،71). وتكرّر ذلك في الحديث النبويّ الشريف.

والمعروف لغويًّا هو العمل المشهور والخير والإحسان والجود والإنصاف، وهو عكس المنكر، إنّه ما يُستحسن من الأعمال، وقد عرّفه “لسان العرب” بما يلي: “هو اسم جامع لكلّ ما عُرف من طاعة الله والتقرُّب إليه والإحسان إلى الناس، وكلّ ما ندب عنه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه” (لسان العرب، ج 9 ص 240) وعبادته والصفات الحسنة، والأعمال الحميدة، وكل ما تعرفه العقول الراجحة، والفِطر السليمة.

وقد لُقّب الموحِّدون الدروز ب”بني معروف”، وهو لقب يرتاحون جدًّا إليه لأنهم أهل المعروف وصانعوه، ولم يأخذوه نسبة إلى إحدى قبائلهم “بني معروف” بحسب ما جاء عند المؤلِّف سليم أبو إسماعيل (الدروز، سليم أبو إسماعيل، 64)، من قبل إطلاق اسم الجزء على الكلّ، بل أخذوه من مخاطبة إمامهم لهم ب “الأعراف” ووصفه إيّاهم ب “الأشراف”. ويقول محمد كرد علي في معرض الحديث عن إنكار الموحِّدين لاسم “الدروز” الذي غلب عليهم، وحبّهم لتسمية “الموحدين” واللقب “بني معروف” ما يلي: “كان يسمّيهم أصحابهم بالأعراف، وغلب عليهم في حوران في العهد الأخير لقب آل معروف دُعوا به تحبُّبًا” _كرد علي، خطط الشام/ ج 6، ص 264(. وكان الموحِّدون الدروز عبر تاريخهم اسمًا على مسمّى تمشّيًا ما جاء في القرآن، وعلى هدى مسلكهم التوحيدي الذي يُلخَّص أنّه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

الإحسان:

يعتبر الموحِّدون الدروز المحبّة أساس الخير والإحسان، فإذا أحبّ المرء الله أحبّ الوجود وأحب أخاه الإنسان وأحسن إليه. وينطلقون من مبدأ ضرورة الإحسان لتحقيق التضامن الاجتماعي، يؤمنون بأن الله لا يضيع أجر المحسنين، فالجميل لا يضيع، وإذا ضاع مع الناس لا يضيع عند الله، وبأن الحسنات يذهبن بالسيّئات، فربّ حسنة صغيرة ردّت بلاوي كثيرة، وربّما كافأ الله المرء على حسنة صغيرة أدّاها لرجل صالح، في جيل سابق (مسلك التوحيد، مكارم، ص 117). وهم يكثرون من المواعظ التي تحضّ على الإحسان ويروون القصص والأمثال الكثيرة عن مآثر صانعيه، حتّى أنهم يذكّرون الإنسان به في الصلاة على الميّت التي يرد فيها ما يلي: “وانفقوا ممّا رزقكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخّرتني إلى أجل قريب فاصدق وكن من الصالحين ولن يؤخّر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون”.

وليس للإحسان حدود عند الموحّدين الدروز، فهو يُصنع حيثما أمكن وما أمكن، ومع أي مستحقّ له بغضّ النظر عن جنسه ودينه ومذهبه. وإذا كانت إحساناتهم الجماعيّة مع سواهم أكثر من أن تحصى فكيف بالإحسانات الفرديّة ومن الأمثلة على إحساناتهم الجماعيّة هذه إيواء دروز جبل العرب أكثر من عشرين ألف لاجئ إليهم من مختلف المناطق والأديان والمذاهب في الحرب الكبرى وإطعامهم مجّانًا يوم كان الناس يموتون جوعًا وكانت الحنطة تُباع بأسعار فاحشة. وبهذا ساهموا في تخفيف أضرار المجاعة التي عمّت مناطق عديدة من بلاد الشام.

ومن الأمثلة كذلك استقبال دروز الشوف لإخوانهم مسيحيي الساحل في الحرب العالمية الثانية حين نزحوا من مناطق القتال في خلال حملة الحلفاء على سوريا ولبنان لطرد الفيشيين منهما عام 1941، فأثنت عليهم جريدة البشير قائلة: “حمل النسيم من الشوف الأشمّ إلى أقصاء الأنحاء اللبنانيّة رعشة الأفئدة الصادقة لدى ما أبداه الدروز من مروءة وسخاء إزاء جحافل اللاجئين من نساء وشيوخ وأطفال غادروا منازلهم في مهبّ العاصفة ولاذوا إلى حمى بني كل مكرمة وطنيّة… أنّ البلاد تسجّل لهم هذه المأثرة الغالية على صفحات القلوب بأحرف ذهبيّة لا زوال لها، وترسل صوتًا واحدًا إلى كلّ زاوية من زوايا الشوف هاتفة بمجامع القلوب: عاش بنو معروف” (البشير، عدد 27 حزيران، 1941). وأذاعت الحكومة اللبنانيَة صباح 27 حزيران بلاغًا رسميًّا ذكرت فيه أنها ” تعرف أن الدروز ركن من أركان لبنان وأنها تتقدّم بالشكر الجزيل من أبناء جميع القرى التي رحّبت باللاجئين وتخصّ بالشكر القرى الدرزيّة الكريمة” (الصفاء، عدد 28 حزيران، 1941).

ومن حيث المبدأ يجب أن يوضع الإحسان مع مستحقّه ويُمنع من غير مستحقّه، لأن الإنسان الصالح يعمل بأصله ولا يسيء حتى في فترة العداوة، والشرير كالأفعى التي يتوجّب على المرء مداراتها تجنُّبًا للسعها. والإحسان يكون تسليفًا ووفاء، فعلاً وردّة فعل والموحِّدون الدروز يحرصون على وفاء الفضل كحرصهم على أدائه، وجريدة البشير تصفهم بما يلي: من صفاتهم الطيّبة إكرام الضيف والكرم الحاتميّ في مضافاتهم، والبسالة والشجاعة والإخلاص لمن يخلص النيّة لهم، حتّى أنهم يضحّون ببيوتهم وأرزاقهم حتى دمائهم في سبيل من يعمل على الإخلاص لهم” (البشير، عدد 14 آب 1925).

ورجل الدين يَعتبر الإحسان دَيْنًا عليه وفاؤه، لذا يعمل جاهدًا ويدعو لله تعالى أن يعينه على الوفاء بقوله للمحسن إليه: “الله يقدِّرنا على مكافأتك”. وإذا أحسّ بالعجز عن ردّ الجميل يقول له: “الله يوفيك عنّا”، وهو يثني دائمًا عليه ويبدي له الشكر في كلّ مرّة يلتقي به قائلاً: “كيف حالك على الفضل”. وهذا يعني اعترافًا بفضل حاصل في هذا الجيل، كما يعني أحيانًا اعترافًا بفضلٍ يُحتمَل حصوله في أحد الأجيال السابقة لأن الموحدين الدروز يعتقدون بالتقمُّص وبأنهم يربّون بعضهم بعضًا، ويحسن بعضهم إلى بعض، ولربّما كان لأحدهم فضل على الآخر كأبٍ كابن أو أخ أو صديق.

والإحسان أنواع عديدة منها النصيحة والهداية إلى الصالح والأفضل، وتسهيل الأعمال، والوساطة لبلوغ منصب أو لتحصيل حقّ، وتسليف مبلغ من المال لقضاء حاجة بدون ربا لأن الربا محرَّم.

الزكاة (الصدقة):

وقد سُمِّيت بالزكاة لأنها تثمر المال وتنّميه، فمعناها اللغويّ الطهارة والنموّ، ولها معنى زكاة النفس وزكاة القلوب، وزكاة المال هي صدقة من الغنيّ تُنفق على الفقير والمصالح العامّة. وأفضل أنواع الصدقات هو الذي يُعطى عن محبّة وطيبة خاطر وبصمت وبدون إبطاء وبدون سؤال، والذي لا يبغي فاعله منه الشكر ولا الجاه ولا المنفعة ولا الشُّهرة، فالإحسان إذا كان مفروضًا لا أجر له، والإسراع فيه يعني الإحسان مرّتيْن، والتردُّد بفقده نصف قيمته، وذكره يُذهب ببعض فضله، والمِنّة تشوّه جماله، وعدم إعطائه إلّا بشرط السؤال فيه إذلال للسائل، لذا يحرص الكثيرون من المحسنين على عدم ذكر أسمائهم عند التبرُّع لمشروع خيريّ فيُذكر المبلغ الذي دفعوه باسم “محسن” أو “فاعل خير”، كما يضعون أكياس الطحين أو القمح أو المساعدات الغذائيّة أمام بيوت المحتاجين اتّقاء لجرح شعورهم من ناحية، وحرصًا على عدم تشويه جوهر إحسانهم وصفائه من ناحية أخرى، أو يضعون الصدقات بتصرُّف رجال ثقات ليوزّعوها بمعرفتهم على المحتاجين. وبعضهم لا تُعرف حسناتهم كلّها أو جلّها إلا عند موتهم وفي خلال الشهادة بهم عند الدفن، والأحاديث عنهم بعد ذلك. وكلّ منهم يُعدَّد في مأتمه ب”صاحب الحسنات الخفيّة” وب “عمّال الخير والحسنات”. تُعطى الصدقات على حياة المرء وتُعطى على روحه بحسب وصيّته أو بناءً على رغبة أهله وأنواعها الآتية:

-مساعدات مالية وعينيّة للفقراء والمساكين بحسب قوله تعالى: “والذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم (المعارج، 24 – 25)

-وقف بعض العقارات للحسنة مثل وقف الأمير السيد (ق) وفي كل بلدة تقريبًا عقار هو وقف للحسنة.

-الإيصاء بالمال للمؤسّسات الخيريّة للخلوات والمقامات والمزارات.

-إنشاء مشروع خيري تكريمًا للميّت وحسنة عن روحه.

-مساعدة المشاريع الخيريّة والجمعيّات وإنشاء المؤسسات ذات المنفعة العامّة.

-التبرُّع لكلّ جهة منكوبة سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد العالميّ.

وفي كلّ هذه النواحي، وعَبْر التاريخ، كانت نسبة المحسنين الموحّدين الدروز عالية ونسبة عطائهم كبيرة، والأكثريّة الساحقة من ميسوريهم ذلّت مالها فعزّت، وإحسانهم أفضى مع صفة الشمم والإباء التي تمنع المحتاجين عن التسوّل، عن انتفاء ظاهرة التسوّل بين الدروز.

النجدة:

وهي تعني المعونة والمساعدة ويتلفّظ طالبها أحيانًا بصيغة الكلام: “اعمل المعروف وساعدنا”، ومنها نجدة المستغيث والمتضايق والمتعرِّض لخطر أو لحادث، ومساعدة إنسان في أمر أو مهمّة يصعب القيام بهاما وحده. ومن دوافعها المروءة والنخوة، فيقال للقائم بها إنسان ذو مروءة وصاحب نخوة أو سريع الندهة، ويعني سريع تلبية نداء الواجب ويسمّى أصحابها أيضًا “النشاما” أي أصحاب الأريحيّة.

كانت المساعدة في الأعمال تتمثّل في المعونات والكدّات والفزعات إذ يعاون الناس بعضهم بعضًا في مواسم الزرع والحصاد واستصلاح الأراضي والبناء وفي كل موضوع يتطلّب جهودًا جماعيّة. وعلى سبيل المثال إن جسور الخشب التي سُقِّفت بها البيوت كانت تُحمل من مسافات بعيدة بالتعاون وبدون أجرة وسقف البيوت بالتراب وفيما بعد بالأسمنت، كان يُنجز بتبرُّع شباب البلدة بعملهم، والأعمال التي تتطلّب تضافر الجهود ما كانت تتمّ باستدعاء العمال بالأُجرة، بل بطرح الصوت وإعلان الحاجة. والفزعة هي تقديم العون للمحتاج وظلّت متّبعة في جبل العرب إلى عهد قريب.

الكرم:

تميّز الدروز عبر تاريخهم بالكرم وما زال متأصِّلاً في نفوسهم حتّى اليوم يمارسونه في العموم بنسبة كبيرة، بالرغم من تنامي قوّة النزعة الاجتماعيّة وظروف المعيشة، وتعزّزه نظريّات ومفاهيم عديدة، فهو “ستّار العيوب” والقائد به محمود من المجتمع، و “مرزوق من الله” لأنّ ما من كريم إلّا والله أكرم منه، وبالمقابل فإنّ البُخل مذموم، وكثيرًا ما يُحتقر البخيل، ويوصف بالخسّة “مال الخسيس لإبليس”، ويقال فيه عبارات التندُّر  والأمثال مثل “لا يأكل حتى يشبع – يحلب النملة – يقوّص البرغوث بعينه – أمين صادق على أمواله”.

ومن دوافع الكريم إلى السخاء يتناقل الناس المثل الآتي: “لا من جود، ولا من موجود، ولا من إرث الجدود، بل حساسة في الجلود”. ويعنون بذلك أن الدوافع إليه ليس العطاء ولا الغنى، بل حثّ الجلود أي الحوافز الذاتيّة التي تدفع الإنسان دفعًا إليه.

لقد نمّ كرم الموحّدين الدروز على شمم عربي، وتعاطف اجتماعيّ، وأكسبهم المجد والشهرة، ولا سيما دروز جبل العرب، وزاد من أواصر المحبّة فيما بينهم وبين الآخرين، لأن من يأكل من زاد إنسان يصبح صديقًا له، ويقول: “أصبح بيننا خبز وملح”، إلّا أنه كان عليهم مجلبة للفقر وحائلا دون تنمية الموارد وزيادة المشاريع وتحسين الأوضاع الاقتصاديّة عند مَن لم يقرونه بمداخل توازي المبالغ المنفقة في سبيله. وكان الإسراف في الكرم عاملا من عوامل تبذير ثروة الموحّدين الدروز بشكل عام، فما أنفقوه بدافع الجاه والمباهاة وبأسلوب المبالغة، هو عمل غير مأجور، وبدون مردود معنوي حقيقي، وهدر للطاقات، وإنفاق في غير محلّه كان من الأفضل توجيهه للإحسان الخالص وتثميره في الاقتصاد. فحبّذا لو أنفقوا في إحسان واجب باقٍ ما ينفقونه في كرم غير واجب وزائل ليكسبوا الأجر عند الله، ولتحطّ البركة في مالهم ورزقهم كلّ بحسب إمكانياته.  حبّذا لو يتحوّل قسم ممّا يُنفق في الضيافة والولائم والأعراس والأعياد إلى مساهمة في عمل الخير بشتّى طرقه، وإعمار نوادي القرى وبيوتها العامّة وبناء المؤسّسات الخيريّة التي هي مؤهّلة أكثر من العطاء الفرديّ لمعالجة الحاجات وتقديم المساعدات.

لقد كان الكرم في تاريخ الموحِّدين الدروز صفة عربيّة اتّصفت بها أكثريّتهم، وفضيلة دينيّة الإنفاق بموجبها نوع من الزكاة يبرك به المال والرزق، وضرورة اجتماعيّة في أماكن وأزمنة ليس فيها فنادق ومطاعم، ومواصلاتها بدائيّة، وأهلها مضطرّون إلى تبادل الزيارات والضيافات، وإلى أن يستقبلوا الضيوف ويأووهم ويطعموهم لأنّهم هم أيضًا سيتحوّلون يومًا ما إلى ضيوف بحاجة إلى مَن يعاملهم بالمثل. ولا تزال له نفس المواصفات مع تراجع في قوّتها، وتعديل في شكلها لا في جوهرها، وتضييق في دائرة استعمالها بفعل التطوّر، ومع نظرة موضوعيّة ومنطقيّة منسجمة مع روح هذا العصر المادّيّ، وكثرة متطلّباته، تقضي ببقاء الفضائل العربيّة التوحيديّة، وبممارسة الكرم باعتدال بعيدًا عن الجاه والمباهاة والإسراف، وبالتركيز على الإحسان إلى المشاريع الاجتماعيّة الخيريّة.v

مقالات ذات صلة: