الموقع قيد التحديث!

مع الأولياء الصالحين.. المرحوم الشيخ أبو أسعد حسيب الصّايغ

بقلم الاستاذ الشيخ غسان يوسف أبوذياب
لبنان
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

6\7\1923 – 13\11\2020

إنّ الأولياء الصالحين هم أهل التقوى والإيمان، وأهل الزّهد والعفاف والرجحان، اقتفوا نهج الأنبياء وسلكوا نهج الوفاء، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس؛ لأن قلوبهم تعلّقت بالله عزّ وجلّ، وأجسادهم طرحت بالعبودية للواحد الأزل، وانقطعوا إليه بكليّة جهدهم، ونالوا بولائهم له عزًّا دائما لم يزل. أخلاقهم رضيّة، وقلوبهم نقيّة، ونفوسهم جوهريّة. متحابّون في الله، قائمون بأمر الله، ناصرون لدينه. لا تأخذهم في الحق لومة لائم. أهل المحبّة والفضل والجود والسّداد والإحسان والإخلاص والرشاد.

نخصّ منهم الشيخ الورع الهمام، المسدّد الفاضل المقدام، العالي المقام بإعزازه التمييز بين الحلال والحرام، الأصيل الأثيل، المخلص النبيل شيخنا الجليل المرحوم الشيخ أبو أسعد حسيب الصّايغ.

ولادته، نشأته، وفاته:

ولد الشيخ أبو حسيب أسعد الصايغ في بلدة معصريتي قضاء عاليه سنة 1900 م في بيت توحيدي كريم النّسب. نشأ منذ مطلع شبابه على الطاعة والعبادة، وتتلمذ على يد المرحوم العالم العامل الورع الديّان الفاضل الشيخ أبي فارس محمود عبد الخالق، فأخذ عنه العلوم التوحيديّة اليقينيّة، والمسالك الدقيقة المنجيّة، وإشهار كلمة الحق والدين، وكان الشيخ أبو فارس لا تأخذه لومة لائم في إيضاح الحق المبين، ولا يخشى سطوة المستكبرين والمعاندين، بل كان كالليث الهصور بجانب الحق والصدق، حتى أضحى عرين المجتمع الديني بوجوده مهابًا، معزّزًا باتباع الحلال واجتناب الحرام، مُشادًا بإعزاز أمر الدين ونهيه. وقد اقتفى المرحوم الشيخ أبو حسيب آثاره، واتبع منهجه.

المرحوم الشيخ أبو حسيب اسعد الصايغ (1889 – 1977)

وقد ظهرت على الشيخ الجليل أبي أسعد حسيب الصايغ، وهو في ريعان الشباب، علامات النجابة والدّيانة ومحبة الإخوان ومناصرتهم في السر والإعلان، والمحافظة على حقوقهم، والاجتهاد في دراسة كتاب الله وحفظه عن ظهر قلب، حيث كانت مجاهدته في تلاوة كتاب الله العزيز مجاهدة قلّ نظيرها. ولمّا رآه بعين البصيرة شيخ الجزيرة وركن العشيرة، سيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج وتحقّق سدق مسلكه وتقواه كرّمه وألبسه العمامة المدورة في سنة 1938م تقديرًا لفضله وإخلاصه، وجوده وحسن يقينه. وأضحى نافذ الكلمة في البلاد، مُوقّرا عند جميع الطوائف وعند المتديّنين وغير المتديّنين، حاملا في جوهره النفيس المآثر الحميدة، مُسدَّدًا من الله عزّ وجلّ بالكرامات الفريدة.

المرحوم الشيخ أبو حسن عارف حلاوي (1928-2003)

وكان الشيخ أبو حسيب أسعد الصايغ قد زوّج كريمته الطاهرة ” الست زهر” من المرحوم سيدنا الشيخ أبي حسن عارف حلاوي، وشجّعه على الإقامة في بلدة معصريتي، وغدا الشيخ أبو حسن عارف حلاوي بعد وفاة عمّه الشيخ الجليل مرجعًا في البلاد، وعليه الاعتماد، رفع منارة الدين، وحرص على جمع شمل الطائفة ووحدتها، ظهرت له الكرامات، ونال من الله العزيز المكرمات، أمضى عمره عفيفاً شريفًا سيّدًا علمًا فاضلًا تقيًّا عليه من الله جزيل الرحمات.

المشايخ الافاضل في مأتم المرحومة الست زهر كريمة المرحوم الجليل الشيخ أبو حسيب أسعد الصايغ وحرم المرحوم الفضيل الشيخ أبو حسن عارف حلاوي

وقد ترك الشيخ أبو حسيب رحمه الله من بعده نجله الشيخ الجليل أبـا سليمان حسيب، فنهج نهج أبيه في التقوى والكرم وخدمة الإخوان، وتُوّج بالعمامة المدوّرة عام 2006 م وأضحى بعد وفاة شيخنا الجليل أبي محمد جواد ولي الدين مرجعًا روحيًّا لطائفة الموحدين الدروز. توفّاه الله بتاريخ 13 تشرين الثاني 2020 م. وقد أقيمت له جنازة مهيبة حضرها الجمّ الغفير من رجال الدين والفعالياّت والمرجعيّات كما أُقيمت له مواقف عزاء في سوريا وفلسطين المحتلة، وبُني له ضريح بجانب ضريح والده المرحوم الشيخ أبو حسيب.

انتقل المرحوم الشيخ أبو حسيب الى رحمته تعالى في الأوّل من شهر تموز عام 1979م، وجرت له جنازة مهيبة، حضرها الآلاف من رجال الدين من سوريا ولبنان. ودُفن في خلوته في بلدة معصريتي، حيث بُنيت له حجرة يؤمّها الزوّار للتبرُّك. وكذلك قد ترك بعد وفاته رحمه الله شيوخا أفاضل أعيانًا تتلمذوا على يده وعلى يد الشيخ الجليل أبو حسن عارف حلاوة من بعده منهم: الشيخ الجليل أبو يوسف أمين الصايغ والشيخ أبو سعيد أنور الصايغ أهل العفّة والتقوى والعلم والعمل أطال الله عمرهما جميعًا.

فضيلة الشيخ ابو يوسف امين الصايغ مع المرحوم فضيلة الشيخ أبو حسيب اسعد الصايغ

من مآثره:

كان في محلة نبع الصفا مدرسة يتعلم فيها أبناء المنطقة، ويشرف على إدارتها أحد الآباء المحترمين، ونظرًا لتخلّف العديد من أولياء التلاميذ عن دفع المستحقّات، أشار إليه أحد أبناء المنطقة بزيارة الشيخ أبي حسيب أسعد الصايغ لعلّه يحصِّل له حقّه من الأهل. فذهب الأب المحترم إلى عند المرحوم الشيخ أبي حسيب وأخبره بما يعانيه من تخلُّف أولياء الأمور عن تسديد الأقساط المدرسيّة المتوجِّبة عليهم عن أولادهم. فقال له الشيخ الجليل: “بالنسبة إلى الأهل الملتزمين دينيّا أعدك بأن يصلك حقّك عنهم بالكامل. وأمّا الأهل غير الملتزمين دينيًّا فإن شاء الله سوف أحاول معهم”. ولمّا عرف أولياء أمور التلاميذ بتبليغ مدير المدرسة للشيخ بموضوع الأقساط المدرسيّة ذهبوا جميعًا لتسديد المتوجِّب عليهم قبل أن يرسل إليهم الشيخ الطلب بذلك.

-أن كان لابن عمّه أرض زرع بالقرب من النهر، وله جار من بلدة “شوريت”، ومن المعلوم أن طريقة الرّي كانت تتمّ بأسلوب المداورة كي يستفاد من ماء النهر لري المزروعات في الأراضي القريبة منه، وقد حصل خلاف بين ابن عم الشيخ وجاره المذكور، فقام الجار بتحويل المياه إلى أرضه، فلما رأى ابن عمّ الشيخ تصرُّف الجار وتحويله المياه إلى أرضه، غضب غضبًا شديدًا، وكسّر قناة المياه في أرض جاره، وألحق بها ضررًا بالغا، فتقدّم الجار بدعوى لدى المخفر مطالِبًا بالتعويض عليه وتحصيل حقّه. فلمّا علم رئيس المخفر بعلاقة القُربى بين المدّعى عليه والشيخ أبي حسيب ذهبوا جميعهم إلى عنده، وقصّوا القصّة كاملة على الشيخ. فما كان من الشيخ الجليل إلّا أن حكم بالحقّ وأعطى حكمه بضرورة التعويض على صاحب الدعوى، ولم يقف بجانب ابن عمه لداعي القربى الدمويّة، وقال لرئيس المخفر: ” نفِّذ حكم القانون به”. فلمّا رأى المدّعي نزاهة الشيخ وعدله وإنصافه في إحقاق الحقّ، وقف وقال للشيخ: ” أنا سامحته ولا أريد أي شيء منه، فقد أنصفتني حضرتكم”.

فأضحى الشيخ الجليل لحكمه بالحق محجّة للناس، والذي ذكرناه هو غيض من فيض من مآثره الحميدة، فكان كما تقول هذه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (سورة المائدة آ:8) قوّاما بالعدل، نصير المستضعفين والمظلومين.

صورة تاريخية لعطوفة سلطان باشا الاطرش مع المشايخ الافاضل أبو حسيب اسعد الصايغ وأبو حسن عارف حلاوي

–  كان يشتري موسم التفاح بالكامل لخلوة معصريتي، ويودع الصناديق بصوفر بغرف طبيعتها باردة، ويرفض أن يضعها بالبرادات الاصطناعيّة ورعًا منه وحرصًا على إدخال الحلال على الخلوة، وخوفًا منه أن يطعم إخوانه المتديّنين الحرام والشبهات.

– كان يقول: “ما خاطر على بالي أني دافع من محفظتي ليرة واحدة على غير مرضاة الله، بل كنت ما كنت ادفعه طمعا مني بالأجر عند الله”.

–  كان يتردّد إلى المقام الشريف ويقف أمام الضريح الشريف ويقول: “يا مولاي أقف بين يديك في هذا المقام المبارك إذا كانت سريرتي ومواقفي مع الحقّ انصرني، وإذا كانت بالعكس نكّسني واركسني”. فوفّقه الله وسدّده لصادق سريرته وإخلاصه وتقواه.

–   إنّه اتّجه الى مقرّ أحد رجالات الدولة السياسيين الكبار البارزين في عصره، ومعه بعض الشيوخ ورجالات السياسة من أبناء الطائفة الدرزية، من أجل أمر يخصّ الطائفة وقد حصل اجحاف من قبل الدولة بحقّها، فلمّا وصل الى مقرّ الرئيس المقصود ومعه الوفد المذكور، وأخبر الرئيس بقصد الزيارة، واستمع بعدها إلى كلامه، لم يرُق كلام الرئيس للشيخ الجليل حيث رأى فيه ظلمًا لطائفته وخروجًا عن الحقّ والعدل، فوقف غاضبًا وقال للرئيس: “من يعزّ الدين الله يعزّه، ومن يذلّ الــدين الله يذّله” وهــمّ بالانصراف. وكان وقع كلام الشيخ وقع الصاعقة حيث ذكر شاهد عيان من المشايخ المرافقين للشيخ الجليل في زيارته تلك أن الرئيس وبعد سماعه كلام الشيخ أبي حسيب الصادح بالحقّ المهدر كالليث الهصور سارع فورًا الى إرضائه قائلا له: “أيها الشيخ الجليل كن على ثقة كل أمر يهين كرامتك وكرامة طائفتك المعروفيّة الأصيلة لا يمرّ طالما أنا موجود في السلطة”. وخرج الشيخ أبو حسيب من عنده ظافرًا مُعيدًا الحق لطائفته. فسبحان من نصر أولياءه الصالحين، وجعلهم منارة بين العالمين.

صورة تاريخية لعطوفة سلطان باشا الاطرش مع المشايخ الافاضل أبو حسيب اسعد الصايغ وأبو حسن عارف حلاوي

بعض من كراماته:

– كان للشيخ أبي حسيب أرض رمليّة، أمر بحفرها لاستخراج رملها والاستفادة منه في بناء “خلوة معصريتي”. وفي يوم من الأيّام وبينما كان العمّال يعملون في المرملة، والشيخ أبـو حسيب جـالس فــي منزله، وقد غطّت عينه جراء نوم خفيف، وبعدها ركض نحو المرملة ونادى العمّال بلهجة قويّة قائلا لهم: “خرجوا خارج المرملة أنتم والعدّة التي معكم”. وعندما خرج جميعهم من المرملة هبط صخر كبير في المرملة وحطّ حيث كان العمال متواجدين.

– كان للشيخ الجليل أعمام مسافرين، وقد تركوا له عائلة كبيرة، وكانت تلك الأيّام أيّام فقر وعوز. وكان أعمامه يحوّلون له أموالا من بلاد الاغتراب، وكان يعرف الوقت الذي تأتي الحوّالة الماليّة فيه كلّ مرّة من خلال حلم في المنام يعرّفه التاريخ الذي يذهب فيه لأخذ الحوّالة.

– جاء رجل من قرية “شوريت” وهي قرية مجاورة لقرية “معصريتي” مسكن الشيخ أبي حسيب، يريد شراء بقرة من رجل قريب النسب من الشيخ الجليل، وقد اعتمد هذا الرجل على الغشّ في البيع، حيث انّ البقرة كانت تلبط عند الحليب، وأراد أن يخفي هذا العيب على الشاري، ولمّا جاء الشاري وأخذ البقرة رآهما الشيخ أبو حسيب وخاطب البائع قرابته على مسمع الشاري قائلا له: “هل عرّفته عيوب البقرة قبل البيع؟”. فأجابه: “لا”. فحينئذ أخبر الشيخ أبو حسيب الشاري عيوب البقرة بالتفصيل حتى يحلّ البيع. فقال الشاري: ” يا شيخ من أجل صدقك سأشتري البقرة على العيوب التي فيها”. وعندما اشترى هذا الرجل البقرة وردّت خيرا عليه وانتفع من حليبها ولبنها واختفى العيب الذي فيها كأنّه لم يكن بصدق وإخلاص هذا الشيخ الجليل. عاد هذا الرجل النصراني الذي اشترى البقرة يثني على الشيخ الجليل ويذكر إخلاصه وصدقه بين الناس، حتى أضحى المرحوم الشيخ أبو حسيب محجّة يقصده الناس من جميع الطوائف لحلّ مشاكلهم لأنّه لا تأخذه في الحق لومة لائم.

وختامًا نقول بأنّ المرحوم الشيخ أبا حسيب أسعد الصايغ كان في عصره قلعة متينة محصّنة بحصن التقوى والورع، عامرة بإعزاز أمر الله ونهيه، مشادة بشجاعة شيخ وقور همّام صادق مقدام.

ولا يسعني بعد كتابة هذه السيرة العطرة إلّا أن أشكر كلّ من ساعدني من شيوخنا وإخواننا الأفاضل لإنجاحها وتفضل عليّ بالمعلومات القيّمة عن شيخنا الجليل.  فجزاهم المولى عنّا كل خير. ونسأل الله العلي القدير أن يتقبّل سعينا وعملنا هذا في إحياء تراث مشايخنا الأفاضل ليكون نبراس خير للقلوب والنفوس. وما وفقنا فبعون الله ونصرته. إنّه رؤوف منّان متطاول بالمانّة والإحسان.

مأتم المرحوم الشيخ أبو أسعد حسيب الصّايغ 2020

مقالات ذات صلة: