الموقع قيد التحديث!

لماذا بنى لورنس أوليفانت منزله في دالية الكرمل؟

بقلم السيد إيهاب أسعد –
طالب دكتوراه في جامعة حيفا في قسم الآثار – دالية الكرمل
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

في هذه المقالة سأتطرق الى موضوع لجوء لورانس اوليفانت إلى السكن على جبل الكرمل وأسباب قيامه ببناء منزله في دالية الكرمل، مستندًا بشكل خاصّ على مقال لورانس أوليفانت “الحياة في القرية الدرزية” (Life in Druze Village) الذي نُشر في شهر ديسمبر من عام 1884 في مجلة “Blackwoods’s Edinburgh Magazine”، أهداها له السيد فاروق باشا مشكورًا من قرية دالية الكرمل وقام هو بترجمتها

صورة تاريخية من عام 1885 لبيت أوليفانت في دالية الكرمل. من أرشيف السيد توفيق حلبي مع الشكر

     لدى قيام لورانس أوليفانت بالبحث عن مخبأ له بعيدًا عن قيظ فصل الصيف في حيفا، لجأ الى مرتفعات قرية عسفيا التي يسكنها الدروز وعدد قليل من المسيحيين الموارنة أو اليونانيين الأرثوذكس، وهناك عُرض عليه خيار استئجار منزل أو بناء مخيم. فاعترض على فكرة استئجار المنزل خشية من الرائحة وحشرات القراد، وكتب أن المكان مليء برائحة السماد المحترق (براز المواشي). وقام في البداية باستئجار بناية وشراء قبو من الحجر مساحته 10 أمتار، إلّا أنّه قرّر سريعًا، بسبب الحرارة والروائح والحشرات المزعجة، أن يستأجر خيمة كبيرة من مخيم للبدو كان قريبًا وأقتنى المواد اللازمة والأغطية لصنع السقف من مدينة حيفا.

       وبلغ طول الخيمة التي بناها أوليفانت في حينه 11 مترًا وارتفاعها 2.3 مترًا وعرضها 4 أمتار قسّمها إلى غرف، وعلى سطح الخيمة، التي ارتفعت 1750 قدماً (583 متراً) عن سطح البحر، أضاف كمية كبيرة من الأغصان كحماية إضافية من أشعة الشمس. ونتيجةً لارتفاع موقع خيمته، تمتّع السيد أوليفانت ومرافقيه بمناخ أكثر راحة وبمناظر خلابة حيث كان من الممكن بالقرب من باب الخيمة رؤية منطقة حيفا وخليجها وعكا والشاطئ البعيد حتّى منطقة سلّم صور وهي معلم جغرافي يتميّز بسلسلة جبليّة ساحليّة مرتفعة.

في مرحلة ما، كشف أوليفانت لأهالي عسفيا أنّه ينوي بناء منزل في قريتهم، وقوبل اقتراحه هذا بحماس شديد، حيث رأى سكان القرية آنذاك بأنّ وجوده بينهم سيوفِّر لهم الحماية من السرقات التي كانوا يتعرّضون لها من قِبل سكّان الطيرة المجاورة. وفي هذا السياق كتب لورانس أوليفانت أنّ سكّان هذه القرية ذات السمعة السيّئة للغاية، كانوا يأتون إلى مزارع الكروم في منتصف النهار وتحت أشعة الشمس ويسرقون العنب أمام أعين السكّان المحلّيين دون اعتراضهم، بينما لم تتعرّض قرية عسفيا في ذلك العام الذي قَدِم فيه السيّد أوليفانت إليها للغارات المتكرّرة من قِبل هؤلاء اللصوص، حيث كان من الواضح أن سكّان الطيرة اعتقدوا أنه كان مرتبطًا بطريقة ما بالحكم في ذلك الوقت.

لقد عرض سكّان قرية عسفيا على السيّد أوليفانت في البداية موقع بناء، وكما يبدو كان منزلًا مبنيًّا، لكنّه رفض ذلك وفضّل دفع مبلغ صغير مقابل قطعة أرض مدعيًّا أنّهم طلبوا مبلغًا كبيرًا مقابل قطعة الأرض هذه، وطالبوه بـ 150 قطعة نابليون النقديّة وهي عبارة عن قطعة نقديّة بمقدار 5.8 غرام من الذهب ذات قيمة عادلت 20 فرنكا، مقابل قطعة أرض لا تزيد قيمتها عن 20 قطعة نابليون. ورغم أنّهم خفّضوا السعر إلى 100 نابليونية كثمن نهائي، إلّا أنّه رفض شراءها واعتبرها شكلًا من أشكال السرقة، بل وشبّههم باللصوص الذين أتوا من قرية الطيرة. من المهمّ الإشارة إلى أنّه ألقى باللوم على رئيس الطائفة المسيحيّة في القرية آنذاك وليس على الدروز لأن هذا الجزء من قطعة الأرض لم يكن تابعًا للدروز.

لاحقًا، وكما ورد في مقال السيّد لورانس أوليفانت زاره رجل متقدّم في السّنّ، محترم ذو لحية رماديّة عرّف عن نفسه بأنّه خطيب أو شيخ روحيّ لقرية دالية الكرمل الدرزيّة، وقد أثارت قصّة هذا الشيخ الشفقة لدى السيد أوليفانت، والتي جاء فيها أن أوامر التجنيد السنويّة للجيش التركي لا تزال تُرسل إلى ابنه الوحيد المتبقّي، ومن المفترض أن يتمّ أخذه إلى الجيش التركي. يشار إلى أن زوجة الشيخ وزوجة الابن الشابة وطفلها الذين كانوا في صحبة الشيخ، قد بدت عليهم علامات اليأس، خصوصًا وأن أحد الأبناء قد تمّ أخذه بالفعل للجيش بموجب أمر تجنيد قبل 10 سنوات، حيث فرّ من الجيش التركي وانضمّ إلى الدروز في حوران لتختفي آثاره كليًّا بعد ذلك. لكن، وفي حال دفعوا 50 ليرة تركيّة، فسيكون بإمكانهم شراء بديل لابنهم وبالتالي لن يكون مُجبرًا على الالتحاق بالجيش التركي. لقد كان الغرض من زيارة الشيخ هو اقتراض هذا المبلغ من المال من السيّد أوليفانت. وسرعان ما راودت لورانس أوليفانت فكرة اصطياد عصفوريْن اثنين في حجر واحد، الأوّل العثور على ملجأ مناسب في الصيف وإيجاد قطعة أرض للمنزل الذي ينوي بناءه، أمّا الثاني فيتمثّل بمساعدة الشيخ وتخليص ابنه من الجيش التركي.

لم يضيّع السيد أوليفانت الوقت، وعلى التوّ انتقل لتفقُّد المكان، وكانت النتائج مرضية من جميع النواحي، حيث امتلك الشيخ أفضل كرم في دالية الكرمل وقد توصّلا سريعًا إلى اتّفاق حال دون التحاق ابن الشيخ بالجيش التركي وأصبح أوليفانت مطوِّرًا للأراضي في دالية الكرمل، وقام أخيرًا ببناء منزل له في دالية الكرمل الموجودة حتّى يومنا هذا، والذي يضمّ بين جدرانه مؤسّسة بيت الشهيد الدرزي..

مقالات ذات صلة:

الحِداد في المجتمع الدرزي

لقد علّمتنا التربية التوحيدية أن نلتزم بالقضاء والقدر، ومنذ نعومة أظفارنا، ونحن نؤمن أن الموت والحياة هي بيد الله سبحانه