الموقع قيد التحديث!

كلمة العدد 146: نعتز ونفتخر أننا عيون التاريخ الساهرة…

بقلم المرحوم الشيخ سميح ناطور
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

ذُكر عن رئيس الحكومة المرحوم إسحاق رابين قوله، إنّه عشيّة عيد رأس السنة عام 1993 قام بجولة تفقديّة على حدود البلاد. فبدأ في حدود لبنان وهناك قام باستقباله العقيد أمل أسعد، نائب قائد جيش جنوب لبنان، ومن هناك انتقل بمروحيّة إلى حدود الأردن، وقام باستقباله المرحوم العقيد نبيه مرعي، قائد لواء 406، ومن هناك انتقل إلى الحدود المصريّة في منطقة نتسانا، واستقبله المقدم أمنون باشا قائد الموقع، ومن هناك انتقل إلى شمالي غزّة، وقام باستقباله العقيد معذى حاصباني، قائد اللواء الجنوبي والمقدّم نصر نصر الدين، قائد مدينة رفح. وأضاف رئيس الحكومة قائلا: عندما كان كلّ شعب إسرائيل يحتفل بعيد رأس السنة، كان الأبطال الدروز يحافظون على العلم وعلى الحدود. وكان الأمر رائعا. وهو يشكر جميع القادة العسكريين الدروز، فخر دولة إسرائيل والطائفة الدرزيّة..

شهادة المرحوم السيد إسحاق رابين، رئيس حكومة إسرائيل هي واحدة من إحدى مئات الشهادات، والأقوال، والتصريحات التي تفوّه بها زعماء، وقادة، ووجهاء، وأعيان، وشيوخ، وأئمّة وأحبار، وباباوات، وشخصيّات عظيمة، وأناس عاديّون، ومواطنون بسطاء، وسيّدات، وفتيات، وأمّهات، حُفظ عرضهنّ، وسلمت طهارتهنّ، وغيرهنّ وغيرهم، الكثير الكثير، ممن تعاملوا مع الطائفة الدرزيّة، أو كانت لهم تجربة معها، أو صدف والتقوا بالدروز، ولمسوا ما فيهم من الخصال. ونحن طبعا نعرف كلّ هذا، ولا داعي لدينا لأن نذكره أو نكرّره أو نستعيده بشكل عامّ لكن هناك سببان يجبرانا على أن نوضّح الصفحات الناصعة في تاريخنا، وأن نستذكر المواقع الشامخة في مسيرة حياتنا، وأن نستشهد بالإنجازات الكبيرة التي تكدّست وتراكمت في ملفّات سجلاّتنا. وهذان السببان هما: الواحد داخلي والآخر خارجي. ونبدأ بالخارجي لأنّه مهما كان قاسيا، ومهما كان قارصا، ومهما كان مؤلما، إلّا أنّه بإمكاننا أن نتصدّى له، وأن نتغلّب عليه، وأن نعيش معه وأن نسلّم بوجوده كحق من حقوق غيرنا. لكنّ الأشدّ ألما والأصعب أذى والأبشع وقعا هو السبب الداخلي.

تواجه الطائفة الدرزيّة انتقادات، وكلمات قذف وتشهير، وبثّ أكاذيب، ودسّ حقائق محرّفة ومشوّهة، وعمليّات كثيرة من تربيع الدائرة، أو من تدوير المربع، من قِبل مصادر غير درزيّة، لها مصلحة، ولها هدف، ولها قصد أن تقلّل من مكانة الطائفة الدرزيّة بين الأمم، وأن تحرّض ضدها، وأن تسعى لكسر شوكتها وحتى إبادتها. وكلّ من يفتح الكتب، وكلّ من يتمعّن في صفحات الانترنت، وكلّ من يقرأ الصحف في المنطقة، وكلّ من يسمع الإذاعات أو يشاهد ويتعقّب شبكات التواصل، يصطدم بهجمات مسعورة على أبناء الطائفة الدرزيّة حيث لا يترك هؤلاء عملا إجراميًّا في التاريخ إلّا وينسبونه للدروز، ولا يهدأ بال رضيع منهم، ولا يستقرّ إمام أو كاهن أو مسئول، إلّا ويحمّل كلّ هموم ومشاكل المجتمعات في الشرق على عاتق الدروز، ولا يلتئم اجتماع أو صلاة أو لقاء في أيّ مكان، إلّا إذا نودي بالتحريض والمساس بالدروز، أجل من يطّلع على المواقع ومصادر المعلومات يبدو له أنّ العالم حولنا حلّ كلّ قضايا الاستعمار ،والجهل، والفقر، والتخلّف، وظلّ الدروز شغله الشاغل. ولو تمعّنا بما فعله الدروز وبإنجازاتهم وبتضحياتهم من أجل سكاّن المنطقة من غير الدروز، لوجدنا أنّ أكثر أقليّة قامت بأدوار تفوق عددها بأضعاف أضعاف هي الطائفة الدرزيّة، وأنّ عدد الأشخاص العريقة التي أنجبتها الطائفة الدرزيّة هو أكبر بكثير من أي فئة أخرى، وأن الشموخ والزهو والافتخار يجب أن يتوِّج هامات الطائفة الدرزيّة، بدون أي اكتراث أو اهتمام ممّا يقال، بل علينا أن نستمرّ في طريقنا وفي نهجنا وفي سلوكنا منذ مئات وآلاف السنين. وقد علّمنا أسيادنا أن نفعل الخير والصحيح واللائق مع كلّ من نجده في طريقنا، وأن يكون رائدنا ومعيننا وموجِّهنا هو الله سبحانه وتعالى.

 أمّا العامل الأصعب والمؤلم والأخطر بالنسبة لنا، فهو العامل الآخر النابع من داخلنا، والمتواجد في أوساطنا، والذي لا يهدّد كياننا ولكنّه يلوّث قليلا من سمعتنا وينغّص علينا عيشنا، ويمكن أن يفتّ من أعضاد بعضنا-وهو الشعور بالنقص وعدم الثقة بالنفس لدى فئات قليلة متواجدة فينا. هذه الفئات يمكن أن ننظر إليها بشفقة وبعطف، وأن نتعامل معها بالرحمة والتعالي والتجاوز، متفهّمين ما تعاني منه من قلّة إيمانها بخالقها ودينها وتعاليمها، لولا أنّها عادة ما تكون صرخاتها أكبر بكثير من حجمها الطبيعي، وضجيجها أعلى من موقعها الحقيقيّ، وأخطارها قد تؤثّر على بعض القوى الأخرى المريضة المزَعزعة الثقة الموجودة في أوساطنا.

 هناك ما يسمّى في التاريخ، وبين الشعوب، ولدى كلّ الأمم والمجموعات البشريّة التي مرّت على مدى الأجيال، وعاشت وتعيش في هذا العالم، وتعلم أنّه يوجد لها مميّزات عن الآخرين، وفروق عن باقي الفئات، يوجد ما يسمّى، صبغة وحداوية مميّزة، وكأنّها تحرّك هذه الفئة وتسدّد خطاها وتوجّهها إلى مسار تنتهجه أينما كانت وفي أيّ عصر وُجدتْ، فمثلا نقول إنّ لدى الطائفة الدرزيّة يوجد “هاجس تاريخي” هو هو يوجّه خطى الزعماء التنوخيين الذين حكموا لبنان بين القرن الحادي عشر والسادس عشر، وبعدهم المعنيّين، وبعدهم آل حمدان في جبل الدروز، وآل الأطرش في سوريا، ومن هناك ينتقل هذا الهاجس إلى الشيخ بشير جنبلاط، والشيخ حسين ماضي، والشيخ مهنا طريف، والقائد سلطان الأطرش، والزعيم كمال جنبلاط، والشيخ نجيب العسراوي في البرازيل، والبطل حمزة درويش، والزعيم رشيد طليع، والوزير شبلي العيسمي، والبطل الشهيد عصام زهر الدين، والقائد الشهيد نبيه مرعي، وعدد كبير من الشخصيّات البارزة التي ظهرت بهالتها الدرزيّة التوحيديّة، وقامت بتوجيه وتسديد وتحديد معالم طريق الطائفة الدرزيّة في أيّ ظرف عاشت فيه، والاسماء التي ذكرناها هي على سبيل المثال فقط. هذا ما يعزّينا ويواسينا ويثلج صدورنا ويطمئننا أنّ الله، سبحانه وتعالى أوحى لهذه الطائفة أن تسير في نهج صحيح، نابع من ذاتها ومن إمكانياّتها ومن قدراتها، ومن كلّ ما يناسب مصلحتها وسلامتها واستمراريّتها. واستطاعت هذه القوى الرائدة في الطائفة أن تقود مسيرة الطائفة على مرّ السنين، بالرغم من وجود حثالة وأعشاب بريّة ضارّة في البستان التوحيديّ الباسق، المزدهر، الشامخ، بأشجاره النضرة المثمرة الزاهرة المعطاءة التي تتكرر مع التاريخ في كل زمان ومكان وتقود هذه الطائفة الكريمة.  ونحن طبعا لا نكترث ببعض هذه العشيبات الباخسة، ونستمر في طريقنا الواضح الناصع الذي رسمه لنا العليّ القدير، والذي أثبت وجوده حتى الآن.

واليوم إذ نحتفل بالزيارة السنويّة التقليديّة لمقام سيّدنا شعيب(ع) نذكّر كلّ أولئك من ضعفاء النفوس، أنّنا   طائفة مثقّفة قوّية، رائدة في هذا العالم المتقلّب، وأنّ جذورنا راسخة تعود إلى آلاف السنين.  فنحن نؤمن أنّ الله، سبحانه وتعالى، خلق الطائفة التوحيديّة المعروفيّة، وألقى عليها مهمّة التحمّل والصبر والتجاوز، واهبا إيّاها القدرات العظيمة، والامكانّيات الضخمة، أن تظلّ رائدة، شامخة لأبد الدهور، 

لذلك ليعلم كلّ إنسان في هذا العالم أنّنا قوم اصطفانا الله، سبحانه وتعالى منذ عصور ما قبل التاريخ، حتّى ظهور اخناتون العظيم، مرورا بالنبي شعيب (ع)، إلى أيّام هاني بن مسعود، وحتّى توجّه الخليفة أبي جعفر المنصور إلينا أن نحمي الثغور، ووقوفنا إلى جانب السلطان صلاح الدين، وبعده دَعْمِنا للمماليك أمام المغول، ومؤازرتنا للسلطان سليم الفاتح في مرج دابق، وحتّى أيّام المرحوم اسحق رابين، حيث خصّص لنا العلي القدير، دورا تاريخيًّا ذا أهمّية كبيرة، وهو أن ينام كلّ من يرغب بذلك، وأنّ تظلّ مهمّة حراسة الشعوب في أيدينا وعلى عاتقنا،   لأنّنا كنّا ونظلّ عيون التاريخ الساهرة… 

وكل عام وأنتم بخير
زيارة مقبولة

سميح ناطور
دالية الكرمل
نيسان 2019

مقالات ذات صلة:

الحِداد في المجتمع الدرزي

لقد علّمتنا التربية التوحيدية أن نلتزم بالقضاء والقدر، ومنذ نعومة أظفارنا، ونحن نؤمن أن الموت والحياة هي بيد الله سبحانه