الموقع قيد التحديث!

كلمة العدد 144: أُثبتَ خلال ألف سنة أن.. الذين ولدوا في العواصف لا يخافون هبوب الرياح

بقلم المرحوم الشيخ سميح ناطور
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

دُعي السير لويد جورج رئيس وزراء إنجلترا، بعد الحرب العالميّة الأولى إلى حفل تخريج فوج من الأطبّاء الجدد في جامعة لندن. فوقف عميد الكليّة وبارك تخرّج الطلّاب وذكر حادثة وقعت له قبل عشرين سنة، حيث كان الليل حالكا وماطرا، وقد سمع طرقات على الباب، وإذا بسيدة تطلب أن يرافقها لمعالجة ابنها المريض. وبعد جهد وصلوا إلى زقاق في مدينة لندن، وإلى غرفة فقيرة صغيرة، كان مضطجعا فيها طفل يعاني من الحمّى يرتجف ويئنّ من الألم، فأسعفته وشعرت أنّه ارتاح، ولمّا هممت بالخروج، قامت السيدة وناولتني صرّة من النقود أجرا لي، فرفضت أن آخذها، وعدت بعد أيّام لأفحص هل تحسنّت حالته، فوجدته قد تعافى، ومرّة أخرى عرضت عليّ نقودا، ولم آخذ، لأنّ من واجب الطبيب دائما، الشعور بحساسيّة المرضى وأوضاعهم الاقتصاديّة. وهنا هبّ رئيس الوزراء، لويد جورج، وتقدّم من العميد، وطلب أن يقبّل يديه قائلا، إنّي منذ عشرين سنة، وأنا أبحث عنك لأشكرك، فأنا هو ذلك الطفل، الذي أنقذته في ذلك اليوم، وقد كنت أتمنّى أن أخبر والدتي التي رحلت، أن تكون قريرة العين، فقد نفّذت وصيتها، وعثرت عليك، وأبلّغك شكري وشكرها لك…وكان لويد جورج قبل انتخابه رئيسا لوزراء بريطانيا العظمى، مندوبا ساميا في مصر، وقد وقف مشدوها، عدّة مرّات، أمام الأهرامات، وسبّح عظمة الخالق.

وقبل ذلك بحوالي مائة سنة، وقف القائد نابليون بونابارت، عندما غزا مصر عام 1799، يُحمّس جنوده قائلا: “أيّها الجنود، أربعون قرنا من التاريخ، تنظر إليكم من أعالي الاهرامات…” وقد حقّق الجيش الفرنسي نصرا ساحقا في مصر، كما أنّ نابليون استلهم من خلود الاهرامات وعظمتها دروسا. وقد خلبت الأهرامات، قبل ذلك بقرون، عقل القائد الإسلامي الكبير، عمرو بن العاص، حينما فتح أرض مصر، وأُدهشت قبله قيصر الروم الكبير، القائد يوليوس قيصر، وقبله الفاتح الأعظم في تاريخ البشرية، الاسكندر المقدوني الكبير، وقبله قمبيز، القائد الفارسي، وغيرهم عشرات الشخصيّات التاريخيّة اللامعة التي مرّت بمصر، وذُهلت، ودُهشت، من مرأى إحدى عجائب الدنيا، التي ما زالت حتّى اليوم، تدفن في طيّاتها، أسرار خلق الكون.

وفي هذه الأجواء، وفي حين كانت شمس الصباح، تشقّ طريقها في أعالي الفضاء، في صبيحة كلّ يوم، قبل ألف سنة، انبثقت من أرض الكنانة، في أقدس بقعة على الكرة الأرضيّة، وإلى جانب النيل العظيم، وليس ببعيد من ملتقى القارّات الثلاث، التي احتضنت الحضارات الأولى في التاريخ، انبثقت دعوة دينيّة جديدة، تضم مذهبا عرفانيًّا رائدا، وبشرى كبيرة للإنسانيّة جمعاء، هي دعوة التوحيد الدرزيّة. ومن القاهرة المعزيّة، التي أسّسها القائد الفذّ جعفر الصقلّي، بإيعاز من الخليفة العظيم، المعز لدين الله الفاطميّ، انتشر النور في جميع أنحاء العالم، حيث قام مولانا الحاكم بأمر الله، مؤسّس دعوة التوحيد، بحركات إصلاحيّة وعمرانيّة، لم يشهد مثلها التاريخ، فأمر فورا بتحرير العبيد في كافّة أرجاء الخلافة الفاطميّة، وبعتق كافّة السبايا والجواري، وجعلهنّ مواطنات، تتمتّعن بنفس الحقوق مثل باقي النساء، ومنع إطلاقا تعدّد الزوجات، وساوى بين المرأة والرجل، وقام بتأسيس دار الحكمة، كأكبر مكتبة في عصرها، وكمقرّ للمناقشات والبحوث، في جوّ ديمقراطيّ علميّ، بعيدا عن كلّ توجيه، وقام بدعوة أكبر علماء الرياضيّات في التاريخ، ابن الهيثم الكبير، ووكّله ببناء سد كبير في أعالي النيل، لينظّم حركة الريّ وتصريف المياه، من أجل إحياء أراضٍ أخرى في مصر والمنطقة، لمصلحة السكّان، وتبلور دين جديد، توحيدي، يؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى، هو واحد أحد، ليس له صفة، ولا يمكن تحديده، وهو الذي خلق الكون، والبشر، والإنسان، وهو الذي توسّم في بعضهم القدرة، على إدارة الكون، فوكّلهم بذلك، وهو الذي كسر قوانين الخلافة والسلطة، وبدل أن يستعبد الشعب، ويستغلّ ثرواته وإمكانياّته، اهتم بالإنسان وبالمواطن، لكنّه كان قاسيًا على المسئولين، فطالب جميع الوزراء والقضاة والإدارييّن في خلافته، أن يضعوا نصب أعينهم، خدمة المواطن، والعمل على رفاهيّته، وليس استعباده واستغلاله، وعاقب بصرامة كلّ من شذّ من هؤلاء، كما أنّه تنزّر من النساء، وانتهج حياة التقشّف والبساطة والتواضع، بعكس جميع الملوك والخلفاء والحُكّام، ولم يكن هذا مألوفا ، فثار ضدّه كلّ من تضرّر منه، وشوّهوا اسمه وذِكره في التاريخ. ورغم كلّ ذلك غاب مولانا الحاكم، وظلت الطائفة الدرزيّة في طريقها، تتحدّى التاريخ، وتسجّل البطولات، وتثبّت وجودها يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة، ملتزمة بالقيود والإصلاحات التي انتهجها مولانا الحاكم بأمر الله، في الفترة القصيرة التي تسلّم فيها الحكم، وأدار دفّة الدولة، وترك ميراثا شامخا قويًّا.

والإعلان عنها رسميًّا، والدعوة لها، نجد أن الوزن النوعي لهذه الديانة، التي بلورت مجموعة قليلة من المؤمنين، موزّعين في جميع أنحاء العالم، وقد مرّوا برحلة شاقّة عبر التاريخ، وواجهوا كل أنواع التعذيب، والتنكيل، والمطاردة، وتحمّل كلّ أعباء الحياة، والصعوبات الاقتصاديّة والعنف والمطاردة الدينيّة وغير ذلك..

وممّا يثلج الصدور، أنّه بالرغم من كلّ ما عانت منه الطائفة الدرزيّة خلال عشرة قرون إلاّ أنّها استطاعت أن تتغلّب وأن تتجاوز المحن والكوارث، التي كانت كثيرة وشنيعة وقاسية، أزهقت الأرواح، ونكّلت بالسكّان، لكنّ أبناء الطائفة التوحيديّة الدرزّية، استطاعوا البقاء، والصمود، والاستمرار، والنهوض، والتقدّم، والتألّق، أوّلا باعتمادهم على الله، سبحانه وتعالى وبإيمانهم العميق، وبشجاعة، وبسالة وبطولة شيوخهم، وشبابهم، ونسائهم، وفتيانهم، وبحكمة ورزانة شيوخهم، ففي كلّ مرّة ضاق الخناق حول أبناء الطائفة الدرزيّة في مكان ما، تمكّنوا من استنفاذ القوى الخارقة المكتنزة في نفوسهم، واستطاعوا أن يتحرّروا، وأن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يحافظوا على كيانهم، ووجودهم، وعلى دينهم وتراثهم.

وإذا نظرنا إلى أوضاع الأقلّيّات التي تعيش في العالم اليوم، وخاصّة في منطقة الشرق الأوسط، نجد أنّ الطائفة الدرزيّة، المكوّنة من حوالي مليوني نفس تقريبا. استطاعت بالطاقة الهائلة المتوفّرة فيها، أن تسبق أقلّيّات أكبر منها بكثير، وأن تحافظ على مكانة مرموقة، وعلى تواجد وحضور، في كلّ مكان يعيش فيه موحدون دروز. ولا غرابة في ذلك، فكلّ مواطن درزي، وكلّ طفل درزي، وكلّ إنسان يؤمن بالتوحيد الدرزيّ، يعلم أنّ أولئك الذين وُلدوا في العواصف لا يخافون هبوب الرياح مهما اشتدّت.

زيارة مقبولة
وكل عام وأنتم بخير
سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثاني – 2019

مقالات ذات صلة:

مقام النبي شعيب عليه السلام

عندما أشرف بناء المقام على الإنتهاء، في نهاية عام 1884، اجتمع أعيان بلادنا للتشاور حول موعد الإفتتاح، وبعد التشاور، استمرّ

المرحوم الكاتب معين حاطوم

انتقل إلى رحمته تعالى في قرية دالية الكرمل الكاتب معين حاطوم عن عمر يناهز الخامسة والستين عاما وجرت له جنازة