الموقع قيد التحديث!

قصة قصيرة: ” عدالة ربّانيّة…”

بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي) – دالية الكرمل
من كتابها: “بيادر الفكر” – قصص قصيرة من واقع الحياة
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

أبو سليم رجل مهيب، أحد كبار وجهاء القرية، طوله حوالي مترين، وسيم الطلعة، نافذ النظر، منتصب القامة يملك قوّة جسديّة كبيرة وله طلاقة لسان، عندما يجلس في الديوان ويتحدّث، يصمت كلّ من في الديوان ليستمع إلى حديثه وكلامه النابع من ثقة كبيرة بنفسه، ومن اعتداد بمركزه، ومن فخر وزهو بما حقّقه من نجاح. الأيّام ليست سهلة والقرية والعالم كلّه يرضخ تحت وطأة وأهوال الحرب، وأيّ حرب، إنها أيّام الحرب العالميّة الأولى، وقد داهمت القوّات العثمانيّة بيوت القرية الوادعة، وأرغمت كلَّ الشباب من السابعة عشر إلى الأربعين، أن تتجنّد للمجهود الحربي، والبلاد تعيش في أزمة اقتصاديّة، وفي جوّ من التوتّر والرهبة والخوف من الحرب وأهوالها. إلّا أبو سليم، فقد كان يتمنّى لو كان عنده ابن، حتّى لو جُنّد لافتخر به وزها بوجوده ودعا له بالسلامة، لكنّ الحقيقة المؤلمة، هي أنّ أبا سليم لا ينقصه شيء، فعنده أراضٍ واسعة، وهو فلاّح نشيط، يزرع الأرض بمهارة وبهمّة ونشاط، ويحصد ويستطيع بقدرته الجسديّة الخارقة أن يقوم بعمل خمسة شباب، وقد أنعم الله عليه لنشاطه وإخلاصه وأمانته، بالثروة والمركز والجاه في القرية وفي المحيط الذي يعيش فيه. وأنعم عليه كذلك بتسع بنات، وفي كلّ مرّة كانت تترقّب زوجته مولودًا جديدًا، كان يتضرّع إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يكون ذكرًا، وعندما تنكشف الحقيقة، يرضخ صامتًا متألّمًا بينه وبين نفسه، ويسلّم للأمر الواقع، ويظلّ متأمِّلًا أن يُرزق بالابن في المرّة القادمة، حتّى ولو أتى جمال باشا السفاح بنفسه ليأخذه للخدمة العسكريّة في سفر برلك، لرضي بذلك، المهمّ أن يكون ولدًا يطلق عليه اسم سليم، اسم والده. وعندما ينادونه أبو سليم، يكون ذلك عن جدارة وليس لقبًا، كما هو الحال اليوم. وربّما أحسّ أو شعر أو فكّر أبو سليم، أنه يُنجب البنات لنقص في رجولته، وهو ليس بإنسان شديد التديّن، فهو في صفوف الدين، لكنّه إنسان عصريّ يتمتّع بالحياة، ويزهو بالمركز الذي وهبه الله، إلّا أنّه إنسان مستقيم ولا يضرّ أحدًا، وموضوع التديّن ليس من الأوجه القويّة فيه.

لاحظ في أحد الأيام أبو سليم ظواهر حمل جديد عند زوجته أم سليم، تلك المرأة الوادعة المؤمنة شديدة التديّن، التي تقوم بكلّ واجباتها اتجاه بيتها وزوجها وبناتها وعائلة زوجها، وتساهم أحيانًا في عمل الأرض، وفي الحصاد، وعلى البيادر، وفي تصريف المحاصيل، وفي استقبال ضيوف زوجها، وفي رفع رأسه في المجتمع وفي كلّ مناسبة. وقد شغلها موضوع عدم إنجابها لابن ذكر، وكانت تتمنّى وترجو من كلّ قلبها، أن يتحقّق ذلك، لكنّها هي أكثر إيمانًا من زوجها، وهي تقول إنّ الله إن أراد ذلك، فليس عليه بصعب، وهي مسلّمة بقدرها وبما كُتب لها. وهذه المرّة كان حملها شديدًا بالنسبة للمرّات السابقة، ولاحظ زوجها أنها تعاني أحيانًا، وأنّها تتحمّل بعض الظواهر الصحيّة. وبسبب الظروف النفسيّة التي يتواجد فيها، غضب في أحد الأيام، وصرّح أمام عدد من معارفه وأهل بيته، أن أم سليم تعاني من هذا الحمل، فإن كانت بنتا، فقد نفذ صبره، وسيقوم بطلاقها!!  فوجئ الحاضرون بخطورة هذا الموقف، وعرفوا أنّ كلمة أبي سليم كلمة، وإن قال فلن يتراجع، وقد قال. ولا يمكن أن يتراجع عن كلامه، فهو معروف بوجاهته وباستقامته وبالتزامه بما يتعهّد. وذمّ الكثيرون الشيطان الذي وسوس له ودهاه، فصرّح بما صرّح، وأخذت كلّ القرية تنتظر الولادة العاشرة عند أمّ سليم، وتدعو الله، سبحانه وتعالى أن يكون المولود ذكرًا، لئلا يطلّق أبو سليم زوجته المخلصة المسكينة، لا لسبب يتعلّق بتصرّفاتها، وإنّما لأمر ليس لها فيه أي دخل أو حيلة.

وجاء اليوم الموعود، وشاع في القرية الخبر، أن أمّ سليم على عتبة الولادة، واجتمع الأهل والأقارب في بيت أبي سليم، وتجمّع باقي سكّان القرية في أماكن قريبة. هذا الموضوع يشغلهم جدًّا، فالرجال مستاؤون من تسرّع أبي سليم في الإعلان عن تصريحه الخطير، والنساء، هناك من يقتلها الحسد بالمركز الراقي الذي تحتّله أم سليم وتتمنّى أن تكون مكانها، وهناك نساء طيّبات شعرن بالتضامن مع مأساة أم سليم، فيما لو رُزقت بابنة. ونسي أهل القرية كلّ هموم ومخاطر الحرب العالميّة القاسية، ونسوا أن لهم أبناء شباب مجنّدون في قلب النار، وغابت عن بالهم كلّ المشاكل الأخرى، واهتمّ الجميع بالولادة الجديدة.

 وفي هذه الأجواء، كان من الطبيعيّ، أن تكون أكثر شخصيّة مرغوب فيها في تلك اللحظات، وتُعلق عليها أهميّة بارزة، هي القابلة أم أسعد، التي ولّدت تقريبًا كلّ شباب وبنات القرية، منذ حوالي عشرين سنة، والتي يعتمد عليها جميع السكّان، بأنها ولّادة ماهرة، تساعد الأمّ في آلام الولادة، وتخفِّف عنها وتدعمها في تخطّي هذه المرحلة. وعندما دخلت أم أسعد إلى قدس الأقداس، بدا الناس ينتظرون بلهفة أن تخرج وتبشِّر، ومرّت بضع ساعات، وكأنّها دهر كامل، والجميع يترقّب وينتظر أن تخرج أم أسعد، فإما تزفّ البشرى السارّة، أو المصيبة الكبرى!! وبعد تلهُّف وانتظار، وقفت أم أسعد بالباب وأعلنت بصوتها العميق، الذي لا يحتاج إلى مكبّر صوت:

 “ليس ولدًا،” وزغردت!!!

  ووقف الجميع في حيرة. ماذا؟ إذا كانت بنتًا، فلماذا تزغرد!  وهي تقول، ليس ولدًا. وانتظرت أمّ أسعد، الإنسانة الحكيمة المجرّبة المؤمنة المخلصة ثوانٍ، ووقفت كأنّها خطيب، أو كأنها رسول، وقالت:

– يا أبا سليم، ويا بيت أهل أبي سليم، أم سليم امرأة فاضلة، وهي إنسانة طيّبة ومحترمة، وأنتم أهل الإيمان والدين، والله سبحانه وتعالى، لم يقبل أن تُطلَّق أم سليم، إذ قال زوجها إنّه سيطلقها إذا أنجبت ابنة، فقد منح الله أم سليم توأمًا من ابنتين!!

وصفّق الجميع، وحمدوا ربّهم، واضُطر أبو سليم أن يتقبّل العِبرة التي أشار له إياها، سبحانه وتعالى، الذي لا يريد أن يخرّب بيته موحٍ له: انتظر يا أبا سليم، واعتمد على الله، فلن يخيّب أملك.

أقرّ أبو سليم بالأمر الواقع، وأعلن أمام الجميع، أنّه يقبل حُكم الله ويشكره ويحمده على ما يرزقه، فقد وهبه الصحّة والقوّة بأن يكون قادرًا على العمل، ثريًّا بدون أولاد، وأنّه يقبل ما كتبه له الله. وبعد أربع سنوات كان عند أبي سليم إحدى عشرة ابنة وأربعة أولاد…

مقالات ذات صلة:

العدد 5 – اذار 1984

العدد 5 – اذار 1984 Share on whatsapp Share on skype Share on facebook Share on telegram لتحميل العدد Pdf

الأجاويد

سلوك الأجاويد: يُسمّي الدروز رجل الدين جويدًا” إمعانا في التواضع، واحتراما للحقيقة. إذ أن الجويد هو مصغَّر جيّد، فالجودة هي