الموقع قيد التحديث!

قصة قصيرة: “حصيرة، لكن ثلاثة أطبّاء خريجو ألمانيا..”

بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي) – دالية الكرمل
من كتابها: “بيادر الفكر” – قصص قصيرة من واقع الحياة
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

دخل بعض النساء بيتها، بغرض شراء بعض الأقمشة منها، حيث أوصت صديقة لهن، أن هناك امرأة محترمة، تبيع أقمشة جيدة، ولديها أنواع مختلفة وممتازة من الأقمشة يمكن أن تعجبهنّ. كان البيت من الخارج جديدًا عاديًّا، زُرعت حوله بعض الأشجار المثمرة، وخضروات ونباتات بيتيّة، ويبدو أن البيت أقيم حديثًا، وهو متواضع من ناحية تكوينه، ولا يحتوي على قرميد، أو شبابك فاخرة، أو قناطر حجرية، أو أعمدة رخامية، ولا أي شيء من مظاهر الفخفخة التي يتباهى بها الجيل الجديد من الأزواج الشابّة.  وعرفت النساء أن صاحب البيت هو معلم مدرسة، وزوجته ربّة بيت لا تعمل، وقد رُزقا بثمانية أولاد وبنات، وهي تسهر الليل والنهار لتربية أولادها وسدّ حاجياتهم. وقد عُرف عنها وعن زوجها، أنّها تحبّ التعليم، وترغب أن تزوّد أولادها بالعلم والثقافة، وأن ترسلهم إلى الجامعات.

دخلت النسوة إلى البيت، وقامت صاحبة البيت ترحّب بهن بحرارة ودفء، كأنّهنّ صديقات عزيزات قديمات، تصلن بعد انقطاع سنوات. وشعرت النساء بالاستقبال الجميل، وارتحن للمرأة التي دعتهنّ للتفضل والجلوس، نظرن حولهن وفتّشن عن مقاعد للجلوس، فوجدن أن غرفة الاستقبال التي دعين إليها، تحتوي على عدد من الكراسي البسيطة من البلاستيك، وبعض الفراش على الأرض، مرتّبة الواحدة فوق الأخرى، حيث فهمن أن هذه الفراش تُستعمل في الليل بدل أسِرّة للنوم، وهي مرتبة فوق حصيرة كبيرة تغطي وجه أرض البيت. لكن الموقع كان نظيفاً مرتّبًا، إلّا أنّه امتاز بالبساطة، حيث قبعت في إحدى زوايا الغرفة أيضًا طاولة بيضاء من البلاستيك، وعُلِّقت الملابس على علّاقات مثبّتة في الجدران.

جلس قسم منهنّ على الكراسي، وبعضهنّ تناولت إحدى الفراش ووضعتها على الحصيرة على الأرض وجلسن عليها. وتمددت إحداهنّ على الفرشة قائلة، منذ سنوات لم أحظَ بلذّة الجلوس على الأرض.  وقامت صاحبة البيت بالترحيب بهنّ واستقبالهنّ بحرارة، وذهبت إلى المطبخ لتعدّ القهوة، فنظرت الزائرات الواحدة في وجه الأخرى، مستغربات وجود أشد مظاهر الفقر والبساطة في هذه الغرفة، وتعجّبن واندهشن، هل بلغ الوضع المادي إلى هذا الحدّ من السوء، حتّى أوصل هذه الامرأة أن تستقبل ضيوفها بهذا الشكل، وليتها اشترت كنبة، وليتها اقتنت طقما من الكراسي الخشبيّة على الأقلّ، يشعر الضيوف براحة أكثر. وفهمن من صديقتهنّ ابنة البلد، أن الامرأة مجتهدة، تهتمّ بشؤون الأرض حولها، وتنتج غالبية حاجياتها من الأرض، وفي نفس الوقت تبيع ما تيسّر لها من حاجيات لنساء القرية، ومن بين هذه الحاجيات بقايا أقمشة تشتريها من مصنع نسيج تعمل به أختها. وهي أحيانًا تحصل على أقمشة فاخرة ونادرة، قلّما تجدها النساء في حوانيت الثياب. وهي إنسانة صادقة محترمة، لا يبدو عليها الطمع أو الجشع أو الغشّ، فكلّ النساء اللاتي قصدنها، خرجن من عندها راضيات، وعُدن إليها لأنهنّ رأين فيها امرأة مجرّبة تعرف ما تريد، تنتقي البضائع الجيدة، وترضي ضميرها بأن تبيعها إلى من يقصدها بثمن معقول، من أجل أن تستمرّ عملية البيع، وتستطيع أن تفي بأغراض بيتها.

نظرت النساء إلى جدران البيت، فرأين صور شباب وبنات، وفهمن بحدسهن الأنثوي أنه ما زال عند هذه الامرأة أولاد صغار، بحكم وجود عربة أطفال بجانب المدخل، ومن الثياب المغسولة المنشورة على حبل الغسيل. ونظرت الواحدة للأخرى وتذكّرت كل واحدة منهن جاراتها وصديقاتها، كيف تبني كل واحدة العمارة الفاخرة، وتؤثثها بأجود وأفخم الأثاث. وتبني مطبخا مزوّدا بأفخر الأخشاب، وأحدث الأدوات الكهربائيّة والمنزليّة، لكنّه يظلّ معرضًا ومتحفًا، ولا أحد يستعمله. فهي تطبخ لأولادها في زاوية صغيرة بجانب البيت. وتحدّثن عن هذا الوضع، كيف أن النساء اليوم تصرّ على اقتناء السيّارات، وعلى ارتداء الملابس الثمينة، وعلى صرف المبالغ الكبيرة في التجميل، وتقليم الأظافر، وتكثيف رموش العين، وأصباغ الوجه المختلفة. وفهمت النساء أن صاحبة البيت التي تكدّ ليل نهار، وزوجها المعلم المنظّم في عمله، ليسا من الفقراء، وأن وراء هذا الوضع لا بدّ أن يكون سرّ خفيّ لا نعرفه. وكانت ترافق النساء صديقة لهن من القرية، لم تتدخّل، فهي متعوّدة على هذه الحالات، توصي كلّ صديقاتها أن يشترين القماش والحاجيات الأخرى من عند هذه الامرأة، ليس فقط لأنها صديقتها، وما تشاهده من تساؤلات وحيرة واهتمام عند النساء، اللاتي تجئن هنا، تكرّر معهن الموضوع عدّة مرّات، لذلك تعلّمت كيف تصمت ولا تقول شيئًا، حتّى تأتي صاحبة البيت، وعادة هي تعرف أن الفضول وحبّ الاستطلاع، والتدقيق والنبش في الأمور، واستظهار الحقيقة، هي خصائص متأصّلة عند النساء، وأنهنّ لا يسكتن، وإنّما لا بدّ، قبل أن يخرجن، أن تسأل واحدة منهنّ، بشكل أو بآخر ،مباشرة أو غير مباشرة، لماذا تعيش هذه الامرأة في هذا الوضع. وجاءت الامرأة تحمل القهوة مع بعض الحلوى، وأكثرت من الترحيب والتأهيل والتسهيل، وشعرن عندها بالدفء، وكأنّهنّ يعرفنها منذ زمن بعيد. وفهمت النساء أن هذه الحرارة التي تمنحها لضيفاتها، لا بدّ أنها تمنحها كذلك لأولادها، بدليل أنها تعمل وتجتهد وتكدّ من أجلهم. وعرضت المرأة بعد شرب القهوة البضائع المتوفّرة لديها، ووجدت النساء كل ما تحتجن من أقمشة متوفّر لديها، بأحسن جودة وبأرخص الأثمان، ودفعن الثمن، وأحسّت النساء أن هذه المرأة يمكن أن تكون صديقة لهنّ، فسألنها عن أهلها، وعن بيتها وأولادها وأوضاعها. ولأنّ الامرأة فهمت ما يقصدن، وهي الذكيّة المجرّبة، نعم هي غير متعلّمة، لأنها نشأت في بيت كثير الأولاد والبنات، وكان وضع والدها صعبًا، فلم يستطع ان يرسل أولاده وبناته إلى الجامعات، وهم يعملون بأعمال عاديّة، ويكسبون رزق الحلال بجهودهم، ومع أنّها لم تتعلّم، إلا أنها متوقّدة الذكاء، أكسبتها الحياة تجربة كبيرة، وفهمت من نظرات النساء، ماذا يشغلهنّ ويحيّرهنّ، فقالت: الحمد لله، أنا اقترب من أول الشهر، وبعونه تعالى، استطعت أن أجمع المبلغ المطلوب، لأرسله إلى أولادي الثلاثة الذين يدرسون الطبّ في ألمانيا…

مقالات ذات صلة:

نساء رائدات: الدكتورة ختام حسين

أوّل امرأة درزيّة تتبوّأ منصب نائبة مدير مستشفى إختيرت لإيقاد شعلة استقلال في مراسم عيد الاستقلال الخامس والسبعين لدولة إسرائيل