الموقع قيد التحديث!

قصة بائعة الحُصُر – “شعوان العابد”

بقلم الكاتبة شهربان معدّي – يركا
من كتابها الجديد: “لا تترك يدي”
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

“إلهي.. كلّما أسكتتني أحوالي، أنطقني كرمك..

وكلّما أحبطتني أفعالي، أطعمتني رحمتك”

هي سيِّدتنا الستّ شعوانة، بائعة الحصر، الّتي صبرت على محن الزّمان، فخلّدها الزمان والمكان؛ الفتاة البتول، العابدة، الزاهدة الّتي لبست خشن الثياب، ورضيت بالكفاف مع السبعة عبّاد، تركت الدنيا وما فيها وهي ابنة الملك، الذي ترك مملكته ومنصبه، احتسابًا لوجه الله، وقد اختارت ستّنا شعوانة العيش معه، وتظاهرت بأنّها فتى، الفتى شعوان، كي يسمح لها العبّاد السبعة بمرافقتهم، ورحل والدها الملك من دار الدُنيا، وأوصى رفاقه العبّاد السبعة عليها، دون أن يعلموا سرّها الكبير، كانوا يغزلون الحُصر من الخوص، وهي تتجوّل في الأسواق لتبيعه لهم.

وهذا الحوار جرى بين “شعوان” بائع الحُصر وابنة الملك التي حاولت أنْ تراوده على نفسها حين خاطبته:

– أنظرْ في وجهي وكلّمني..

– أخافُ النظر إلى الناس..

– عيناكَ جميلتان.

– إنها أوّل ما ستسقط من وجهي عند موتي.

– لأنفاسِكَ رائحة طيّبة.

– لو شممْتِ رائحتي بعد ثلاثة أيّام من قبري لهربتِ منّي.

– لماذا لا تقتربْ مني؟

– تبعدينني عن قربي لربّي.

– سأعطيكَ الثروة والسعادة.

– ستحرمينني نصيبي في الجنّة.

– ستنال العذاب إذا عصيْتني.

– ربّي سَيقيني من عذابك..

آهٍ يا سيّدتي الطاهرة، كم جرحت الأشواك قدميْك الطاهرتيْن، وكم أدمى الخوص أناملك الحرير، ولم يساندك أحد، عندما حكموا عليك بالفاحشة! ولم تجتهدي حتّى بالدفاع عن نفسك! وكان ذلك أبسط حلّ لبراءتك، وأنتِ البنت البارّة، الصابرة لوجه الله تعالى.. ألهبتِ السياط ظهرك الرقيق، وقدّك الميّاس، ولكنّك صبرتِ وكنت تردّدين في سريرتك: اللّهم لا تفضحني بخفي ما اطلعت عليه سرّي.

أيّتها العابدة الزاهدة، أصبحتِ نحيلة كقصبة فارغة، صفراء كضوء الشمس، حزينة كناي يتيم، عندما أبعدوك عن رفاقك العُبّاد، ونفوك لبرّيّة موحشة، لا أكل فيها ولا ماء، ولا ولد ولا تلد، ولا مأوى ولا كساء، وأرغموكِ على احتضان طفل هذه الزانية الظالمة، فأرسل الله لك غزالة كي ترضعه ثم أخذ الله وديعته، حتّى تتفرّغي لعبادته ونجواه، ومرّت أيامٌ كثيرة، “وشعوان العابد” يهيم في البراري، مقبلٌ على ربّه، لا يشغله شاغل عن عبادته، كان نور وجهه يمشي أمامه، الحكمة في صدره والميثاق في يمينه، لا ينقطع عن ذكر الله ولو لحظة واحدة، سائحًا في البراري الموحشة، بدون تواريخ ولا أسماء للأيّامٍ،  بعيدًا عن ثقل المادّة، وزخرف الدنيا، قاب قوسيْن من باب الجنّة، التي تحرسها روح سيدنا آدم الصفا منذ الأزل، حتّى هذه اللحظات.. كان يشعّ نور الله في أعماقه، وإرادته في رضاه وتسليمه، وعدله في يقينه..

عندما ساءت حالته، وشعر بدنوّ أجله، طلب من كبير العُبّاد الّذي لم ينقطع عن زيارته في منفاه قائلًا:

– وصيّتي لكم أن تدفنوني بثوبي هذا.. “ثوب الصوف الخشن الّذي كان يلبسه العُبّاد في تلك الفترة”

– ولكنّك كعابد لا بدّ من غسل وكفن.

– إذا كان لا بدّ من ذلك، فأرجو أن تعلن عن موتي، وأن تقدّ ثوبي من العنق حتّى الصدر، هذه وصيتي لك.

– سأعمل كما تشاء وبالله المستعان.

مرّت أيامٌ قليلة لم ينقطع فيها شعوان عن عبادة ربّه، ومناجاته، طالبًا رحمته، راضيًا بحكمه، متوكّلًا عليه، حتّى أمر الله باسترداد وديعته، وعندما فاضت الروح إلى باريها، أقبل كبير العبّاد، وخلفه بعض إخوانه، دخل الكهف وأمسك ثوب الفتى وشقّه من أعلى الصدر كما أوصاه، ولكنّه تراجع خائفًا، خاشعًا، مستعيذًا، وهو يصيح:

– أُنثى.. أُنثى.. هذا العابد ما هو إلّا فتاة عاشت بيننا سنوات كثيرة، ولم يعرف سرّها أحد.. وأخذ يبكي بكاءً شديدًا..

وعندما طلب منه العُبّاد أن يعيد النظر مرّة أُخرى، ليتأكّد من صدق ما شاهده وأعلنه، أجابهم:

– إنْ غفر الله لي النظرة الأولى فلن يغفر الثانية، أرسلوا إلى الحاكم لكي يبعث امرأة، تُغسّل وتكفّن هذه الفتاة الطاهرة، التقيّة، النقيّة.

وجاءت بعض النسوة، برفقة رجال الحاكم، وقمن بغسلها وتكفينها، ومنعهم العُبّاد السبعة من حملها لدفنها في مدافن المدينة، وطلبوا منهم دفنها حيث عاشت، في محلّة يطلق عليها “عين العابد” في أواسط البقاع الغربي، وفي عمق الوجه الشرقي لجبل الباروك، بين غابات متشابكة من الزعرور والسنديان…

وصار للناس تمنّيات، يزورون القبر، ينذرون لمريضٍ يأملون شفاءه، أو غائبٍ يرتجون عودته، أو زوجين يريدان أن يرزقا بطفلٍ، ومن أجل التبرُّك وللصلاة، وكم من أمنية كانت بعيدة، فقرُبتْ، ومستحيلة فتحقّقتْ..

عاشت الست شعوانة واقعًا كأسطورة، تكلّلت حياتها بالزهد والعبادة والصبر والجلادة والكتمان، زهدتْ فسمتْ وصفتْ، صبرتْ فنالتْ، زرعتْ فحصدتْ، ابتعدت عن عِشرة الخلق ولم تبحث عن مدح وشكر وثناء الناس، استغنتْ بوجه الله عزّ وجلّ، فغناها الله عن كلّ شيء..

ترنيمة رخيمة أنشدتْها ملائكة السماء، ترحِّب بك يا سيدتي، تقول لك: لا عليك.. لا عليك أبدًا، لا تخافي أو تجزعي، في قلب الله وبين يديه أنت يا شعوانة.

المراجع من كتاب: موحدون في رسالات ومقامات – شفيق بو غانم.

مقالات ذات صلة:

ألف سنة وألف بطولة

إن طائفة صمدت ألف سنة، أمام حروب وأعداء وأعاصير ومحن، كالتي مرّت بها الطائفة الدرزية، لا بدّ أنها جُبلت من