الموقع قيد التحديث!

في الذّكرى الثّانية عشرة لوفاة المرحوم فضيلة الشّيخ أبو محمد جواد وليّ الدّين

Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram
المرحوم فضيلة الشّيخ أبو محمد جواد وليّ الدّين 1916-2012

تصادف في هذه الأياّم الذّكرى الثّانية عشرة على رحيل الشّيخ الجليل الطّاهر الفاضل العارف أبو محمد جواد ولي الدّين، الّذي يُعتبر من أرفع المرجعيّات الدّينيّة لدى طائفة الموحّدين الدّروز. وُلد فضيلة الشّيخ أبو محمد جواد في بعقلين عام 1916 وتوفي عن عمرٍ يُناهز السّتّة وتسعين عامًا في التّاريخ الموافق 28.04.2012. وكان قد أٌلبس العمامة المكولسة في 5 آذار 1988 حيث عممّه بها فضيلة الشّيخ ابو حسن عارف حلاوي.

    لقد نشأ المرحوم الشّيخ التّقي الورع أبو محمد جواد منذ مطلع شبابه ناهضًا بالدّين، صحيح الإيمان واليقين، حليف الثّقة قائمًا بالفروض والواجبات، زاهدًا في الدّنيا، متواضعًا وراغبًا فيما عند ربّه فقط. وعُرف بشجاعته وإقدامه حيث كان عنوانًا للبطولة والعزم والإصرار وقد شدّد دومًا على وحدة الصّفّ والعيش المشترك.

   وفي هذه الأيّام المباركة الّتي يلتقي فيها مشايخنا الأجلّاء في مقام نبي الله سيّدنا شعيب عليه السّلام، لأداء الصّلوات والشّعائر الدّينيّة في الزّيارة السّنويّة لهذا المقام الشّريف، الّتي تتزامن مع الذّكرى الثّانية عشرة لرحيل الشّيخ أبي محمد جواد الّذي كان للحقّ والخير والتّقوى منارةً، يطيب لنا استذكار ما ورد عن الشّيخ أبي محمد جواد في كتاب العمامة المكورة – تاريخها وسير معتمريها الصّادر في العام 2007 أي قبل رحيله بخمسة أعوام:

     الشّيخ أبو محمد جواد: “كبير الشّيوخ الموحّدين الّذين يعيشون اليوم في العالم وهو الوحيد الّذي يضع على هامته العمامة المكوّرة بعد أن انتقل باقي المشايخ الى رحمته تعالى. يعيش في مدينة بعقلين في لبنان ويتحمّل أعباء الراية التّوحيديّة الدّينيّة العليا فهو مرجع وسند وموئل في المسالك التّوحيديّة الدّقيقة. وُلد في بعقلين ونشأ فيها، وكان طوال حياته متديّنًا تقيًّا ورعًا وظهرت مواقفه وخصاله وشجاعته أثناء حرب الشّوف حيث كان القدوة الحسنة والرّائد والفارس والبطل الّذي دعا بسلوكه ومنهجه وإقدامه وعزمه جميع المشايخ والشّباب إلى الصّمود والوقوف والتّحدي للمعتدين من أجل بقاء البيت والخلوة والقرية والكيان المعروفي في لبنان مستمرًّا إلى الأبد إن شاء الله. وقد قام بزيارة للبلاد عام 1983 في نطاق احتفالات سيّدنا شعيب عليه السّلام، حيث لم يشهد التّاريخ يومًا أعظم من هذا اليوم في تاريخ الطّائفة الدّرزيّة في إسرائيل. كان ذلك اليوم الخامس والعشرين من شهر نيسان عام 1983 وكان ذلك في الزّيارة التّقليديّة لمقام سيّدنا شعيب عليه السّلام في حطّين. ما حدث في تلك الزّيارة المشهودة عام 1983 لم يكن له مثيل قبل أو بعد ذلك التّاريخ. فقد فُتحت الحدود بين إسرائيل ولبنان في شهر حزيران عام 1982 أي بعد شهريْن من الزيارة السّنويّة لتلك السّنة واضطرت الجماهير اللّبنانية أن تنتظر عشرة أشهر لتشترك بالزّيارة الرّسميّة، وكانت هذه الزّيارة أكبر حدث في تاريخ الدّروز في البلاد لشمولها وأهمّيتها ومجيئها بعد انقطاع طويل. وقد تتوجّت الزّيارة بقدوم الوفد الكريم برئاسة فضيلة الشّيخ أبو محمد جواد.

أمّا من كتاب “رسالة من آل تراب إلى فضيلة سيدنا الشّيخ أبو محمد جواد” الّذي صدر في العام 2008، نورد هنا مقتطفات من كلمة لفضيلة الشيخ موفق طريف الرّئيس الرّوحي للطّائفة الدّرزيّة ورئيس المجلس الدّينيّ الدّرزيّ الأعلى في البلاد:

بسم الله الرحمن الرحيم

“فضيلة شيخنا الجليل الطّاهر الدّيان، شيخ الجزيرة والبلدان، التّقي الورع، رفيع القدر ونبيه الذِّكر وعظيم النبل الشّيخ ” أبو محمد جواد ” شيخ البلاد رجل الحزم والسّداد، العَلَم الأغرّ والقطب المبين الراسخ، الثّابت، الصّامد، السّائد، الرّائد.  واسع جنانه، جليل حنانه، فصيح بيانه، عالي مقامه – نبراس منير، ينبوع غزير.

أثناء جنازة فضيلة المرحوم الشيخ أبو حسن عارف حلاوة

الشيوخ والجماهير اثناء زيارة فضيلة الشّيخ إلى مقام سيدنا شعيب عليه السلام عام 1983

من ربوع البلاد المقدّسة  العبقة بشذى العقيدة والإيمان، ومن رحاب مقام سيّدنا النبي شعيب عليه الصّلاة والسّلام، ومن بين مقامتنا المقدّسة، الّتي تحوي أطيب من وطئ على الثّرى،  ومن جوار مغارة سيّدنا الشّيخ علي الفارس التّقي الملهَم المعطاء نفّعنا الله ببركاته وأفاض عليه وابل رحماته ،ومن جوار حجرة سيّدنا وجدّنا، المرحوم فضيلة الشيخ أبو يوسف أمين طريف راعي العشيرة وسيّد الجزيرة، نرسل لفضيلتكم مرسال حبّنا وتبجيلنا واحترامنا وتقديرنا لشخصكم الكريم ومقامكم المبجّل من أبناء التّوحيد في بلادنا أصحاب العقيدة والبرهان والعزيمة والإيمان إلى شيخ المجاهدين العَلم المبين رافع راية التقوى والدين

لقد ترعرعت منذ نعومة أظفاري على طيب سيرته، ومسيرته، وتبجيله، ومحبّته.  فقد كانت تربط شيخنا مع المرحوم جدّي الشّيخ أبو يوسف أمين طريف طيّب الله ثراه ورحمنا وإيّاه، علاقات الأخوّة الدّينيّة والمحبّة الأخويّة، منذ وجودهما في معقل البيّاضة الزّاهرة، في مستهلّ القرن الماضي، أواصر المحبّة والتّقدير المتبادل ازدادت طالما زاد الزمان الفرقة بين الأجساد والتّواصل بين القلوب.

متى سمحت الظّروف وسنحت الفرص كان يتمّ التّلاقي بين مشايخ العشيرة طيّبي الذّكر حميدي السّيرة – وتتمّ زيارات الأهل المشتركة لمعقل البطولة والكرامة، جبل الدّروز الأشمّ في سوريا، حيث التأم الشّمل هناك، والتقى أقطاب التّوحيد من كافّة أرجاء الجزيرة التّوحيديّة، معلنين للملأ، وللرأي العامّ وللجميع، أنّ الطّائفة التّوحيديّة الدّرزيّة واحدة موحّدة، متكاتفة، تشقّ طريقها في أصعب الظّروف وأقسى الأوضاع وتجتاز البلايا والمحن بهمّة مشايخها النبهاء الأتقياء، وشبابها الأبطال الميامين، وكنوزها العرفانيّة الدّسمة. شاءت الأقدار وجاءت فترة الانقطاع الاضطراريّ بين أبناء التّوحيد، بسبب الظّروف الإقليميّة الّتي نشأت، لكنّ الرّوابط التّوحيديّة الّتي تأصّلت ورسخت بعزم وثبات صمدت رغم البعد والمسافات، وظلّت متأصّلة بشدّة وحِدّة، وكنّا نتلقّى أخبار الإخوة بلهفة وحنين، نفرح لفرحهم ونبكي لجزعهم، إلى أن منّ علينا الله سبحانه وتعالى بفتح الحدود عام 1982 وعادت دروب التّلاقي سالكة مع كلّ إطلالة فجر جديد، ونعمنا بسناء وضياء محيّاكم السّمح ووجهكم البشوش من جديد. كان اللّقاء البهيج في مقام سيّدنا شعيب عليه السّلام في زيارة كبيرة، سُطّرت في صفحات التّاريخ”.

وجاء في كلمة بقلم محرر ومؤسّس مجلّة “العمامة” المرحوم الشّيخ أبو وسام سميح ناطور:

“الشّيخ أبو محمد جواد هو جواد الأجاويد.

الشّيخ أبو محمد جواد يجسّد في شخصيّته أنبل وأروع وأجمل الخصال الّتي يتحلّى بها المتديّن الدّرزيّ.

الشّيخ أبو محمد جواد يغمر الطّائفة الدّرزيّة اليوم في كلّ مكان بهالة من القدسيّة والطّهارة والورع.

الشّيخ أبو محمد جواد، هو شيخ المشايخ اليوم، وهو إلى جانب عدد من المشايخ الأتقياء الّذين تنعم بهم الطّائفة الدّرزيّة في كلّ مكان، يشكّلون الغلاف الواقي، والدّرع الأمين، لأفراد هذه الطّائفة العريقة.

الشّيخ أبو محمد جواد، يمثّل جيلًا من العمالقة، أنعشوا أجواء أراضينا بعطر إيمانهم، وطيَّبوا ثرى هذه البلاد بقدسيّتهم وتقواهم بعد رحيلهم.

الشّيخ أبو محمد جواد هو أسد الشّوف، حينما كانت هذه البلاد بحاجة إلى أسد يحميها. وهو غاية في الرّقّة والنّعومة والّلطف عندما تغيّرت الأحوال.

أخذ من جبل السّماق قدسيّته وروحانيّاته، وأخذ من جبل الشّيخ شموخه وفخامته وصلابته، وأخذ من جبل الكرمل، عراقته وجذوره الممتدّة، وأخذ من جبل المقطّم، سحره وهالته وغموضه.

وفي نفس الوقت، أخذ من مياه الحاصباني، رقّتها وعذوبتها، ومن أرز لبنان، نقاءه واخضراره وحنوّه، وأخذ من زيتون الجليل، دسمه وثراءه وطيبه، وأخذ من نسيم وادي التّيم، نعومته وهدوءه وانسيابه.  

الشّيخ أبو محمد جواد تقيّ الأتقياء ونقيب الشُّرفاء.

الشّيخ أبو محمد هو جواد في السّبق والإقدام، هو جوّاد في السّخاء والكرم، وهو جوّاد في القوّة والبأس.

وعندما توقّفت أنفاس الجميع، إثر خطر أحدق بالدّروز، كان السّبّاق إلى أن يتنفّس الدّروز الصّعداء، بزوال الخطر، كان سبّاقًا لإعلان البطولة، وإشهار الشّجاعة، وإظهار القوّة والبأس والصّمود والتّحدّي، وكان سباّقًا في غرس الإيمان، وفي صقل نفسيّة الموحّدين، على تقبّل كلّ ما كتبه الله، سبحانه وتعالى، على الإنسان الموحّد، بحلم وصبر وتسليم.

الشّيخ أبو محمد جواد، رسول محبّة وتفاهم وودّ وانسجام، مع جميع أبناء كافّة الطّوائف. هو أكثر ما يمثّل الإنسان التّوحيديّ المسالم الفعّال، الّذي يغرس الأرض بيمينه، ويمسك الكتاب بيساره، ويرفع رأسه دائمًا، متطلّعًا إلى التّقدّم والتّطوّر، ومجاراة روح العصر. فالشّيخ أبو محمد جواد واقعيّ بآرائه ونظراته، حقيقيّ بأفكاره ومبادئه، لا يطلب من أحد المستحيل، ولا يفرض على أحد أكثر ممّا هو يتحمّل، ولا يستبدّ برأيه، ولا يتمسّك بما غمره غبار النّسيان، إنّما يخطو في مقدّمة التّقدّميين، ويتكيّف مع التّطوّرات التّاريخيّة.

“أسد الشوف” اثناء الحرب الاهلية
مع فضيلة الشيخ أبو يوسف امين الصايغ بعد تلبيسه العمامة المكورة عام 2008

الّشيخ أبو محمد جواد، أعطى لكلمة الجود معنى آخر، وعمقًا أكبر، وغطاء أوسع، فجوده لا حدّ له، ويبدأ من استقباله لكلّ إنسان، كبيرًا صغيرًا، هامًّا غير هامّ، معروفيًّا غير معروفيّ. فهذه الوقفة المتواضعة في باب البيت، وهذه البسمة المليئة بالتّرحاب، وهذه الملامح المؤهلّة السّمحة، وهذه النّظرات الحاضنة الثّاقبة، وهذه الكلمات المعسولة الرّقيقة، كلّ هذه تبشّر الضّيف، أو الزّائر، أو القادم إلى بيته المتواضع، أنّه في نظره، في تلك الزّيارة، هو أهمّ إنسان، وأنّ زيارته مصيريّة بالنّسبة للشّيخ، وهو لا يهدأ، إلّا إذا أخذ ضيفه حقّه من اهتمام، وواجبات، وحسن استقبال، وضيافة. 

الشّيخ أبو محمد جواد، حجّة في علومه، وحكمته، وكنوزه المعروفيّة الكامنة، في هذا العقل الكبير الكبير، الّذي أنعم الله علينا بوجوده فوقنا وبيننا ومعنا. فإذا جلس في مجلس، فما أجمل تلك الأوقات التي يتحدّث بها، ويعظ فيها، ويشرح ويسرد القصص، ويفسّر التّفسيرات. وما أجمل تلك اللّحظات، الّتي جلس فيها فضيلة الشّيخ، وأسمع الحضور من قصصه ومواعظه وشرحه، فهو عميق كالمحيط، وزاخر كالبحار، وغزير كوابل المطر، ولذيذ كالنّسيم العليل، وحكيم حكمة الأسفار العتيقة.

وفي نفس المصدر، كتاب “رسالة من آل تراب إلى فضيلة سيدنا الشيخ أبو محمد جواد” ورد في كلمة للشّيخ أبو علي حسين سليم حلبي:

    بسم الله الرحمن الرحيم

“سيّدي سيِّد الأمّة والعشيرة ورعيل الفريق وسلطان الجزيرة، تاج العقل والحكمة وسراج الورع والعصمة، فضيلة سيّدنا وشيخنا الشّيخ أبو محمد جواد وليّ الدين، المُحقّ الفاضل الديّان السّادق الأمين، هو جَناب السّامي المقام الجليل المفضال، والقائد الحكيم الصّائب المسدَّد في الآراء والأقوال والأفعال، العَلَم الباهر، والمنار الزّاهر، العُنصر الأصيل والجوهر الفاخر، قُطب العصر وعين الأعيان، العماد العميد وعضد الإخوان، العالِم العلّامة، الفهيم الفهّامة، الرّاشد الحاذق اللّبيب، والعابد الزاهد الأريب، المِسداق الوليّ، والتّقيّ النّقيّ، السرّ العامر والطُّهر والكرامات، المُرتقي بإخلاصه معراج النّجاة وسُلّم الحياة، المتمسِّك بالعُروة الوُثقى ومسلك التّوحيد، المتوَّج بعمامة الوَقار والعزّ والتأييد، القِمّة والرأس والنبراس، الطّيِّب الذِّكر الطّاهر الأنفاس، المُميَّز العارف، والفيّاض الغارف، نُجعة الطّالبين، ومحجّة القاصدين، صاحب المرجعيَّة، وراعي المسؤوليّة، النَّدب المُكرَّم، والقَرْم المُقدَّم، الرُّكن الكبير، والرَّمز الشّهير، الوّرع الشّريف، الزّكيّ العفيف، الشُّجاع الحازم المعتصِم بتوحيده ودينه، المؤدِّب لنَفسه بعقله الصّافي وصحّة يقينه، الّذي تجسِّدت بروحه الطّاهرة معاقد المكرّمات والشّرف والفخر، وتحقّقت علوّ منزلتهِ بحُسن الحظّ والسّعد والتّوفيق والنَّصر، حتى غدا بدورهِ نُخبة شيوخ آل عبد الله والطّائفة أجمع، والمدار الأعلى وآية العَصر والقُطب الأرفع، ولا غروَ بذلك نسبةً لانعقاد الكلمة واتّفاق الآراء عامّة على توكيد ثقتهِ، واصطلاح القلوب والخواطر كافّة على تأييده ومحبّتهِ، إذ كانت قد حقَّت له من المولى سبحانه تلك المؤهّلات، وكان أهلًا لها وفيه الكفاءة والجدارة لتمثيلها القويم، لا سيّما وقد توفّرت بشخصيّتهِ الكريمة الطّائلة الغنيّة بما احتوى عليه من جواهر الْحِكّم والهيولى الليِّنة والأخلاق الرّضيّة، وحِلمانيّة الطّبع وسُلطان العقل والرّوح الرّوحانيّة، ونقاء السّريرة وصفاء البصيرة وإدراك الأمور السّياسيّة الخُلقيّة”. يشار الى أن موقفًا تأبينيًّا فريدًا حاشدًا وعظيمًا كان قد أقيم في مقام النّبيّ شعيب (ع)، في اليوم الّذي تمّ فيه تشييع جنازة فضيلة المرحوم الشّيخ أبو محمد جواد في لبنان، في نفس السّاعة الّتي تمّت فيها مراسيم تشييع الجثمان الطّاهر.

الموقف التأبيني

مقالات ذات صلة:

أصول عائلة فرج

عائلة فرج، هي عائلة تنوخية عريقة لها حضور وكيان في التجمعات الدرزية منذ عدة قرون وأنجبت شخصيات دينية لامعة كان

الشيخ أبو وسيم أمين كنعان

ذُهلت الطائفة الدرزية، والمجتمع الجليلي، في أواخر عام 2009، عند سماع خبر مقتل سيدة شريفة من قرية يركا، من قِبل