الموقع قيد التحديث!

سيرة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في لبنان سماحة الشيخ سامي أبي المنى في سطور من المحبة والوفاء

بقلم الاستاذ الشيخ غسان يوسف أبوذياب
ليتان
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

بمشيئة الله تعالى وبعونه وكرمه، وبعد أن أُقفل باب الترشيح في العاشر من شهر أيلول الماضي، أعلن المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في لبنان استناداً الى القوانين المرعية، فوز سماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى بمنصب شيخ عقل الطائفة بالتزكية خلفا لفضيلة الشيخ نعيم حسن، ليواصل مسيرة زاخرة بالعطاء والانجازات في مجالات عديدة كالتربية والتعليم والفقه والمعرفة الجامعة بين الأصالة التقليديّة والعصرنة والحداثة الفكريّة العقلانيّة. وفور فوزه بهذا المنصب المرموق الهامّ قال سماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى: “إلى هذا المقام نأتي لنلبّي نداء الواجب، بنيّة صافية وإرادة واثقة ورؤية واقعيّة، داعين إلى العمل الجادّ المثمر لا إلى الكلام فحسب، لقول الإمام الصادق عليه السلام كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم”. وقد تكرّم الأستاذ الشيخ غسان يوسف أبو ذياب مشكورًا على مجلة “العمامة” بهذا المقال حول سيرة سماحة الشيخ سامي أبي المنى.


بسم الله الرحمن الرحيم

سطور عابقة بالقيم الإنسانية والاجتماعيّة والوطنيّة، ونبذة موجزة عن سيرة شخصيّة توحيديّة ثقافيّة، تشرّبت الآداب والأخلاق التوحيديّة، والعادات المعروفيّة الأصيلة منذ الصغر، واشرأبّت قامتها قيمًا وعلمًا ونخوة ومروءة وشعرًا وجدانياً سادقاً، وأشرقت بوجه وضّاء بسّام في سماء الوطن؛ فغدا فكره لامعًا في سماء الإنسانية، وخطراته وكتاباته تتلاطم أمواجها التربويّة والاجتماعيّة والوطنيّة في بحر المحبّة والسّلام.

إن اعتلى منبرًا أضحى المنبر منارة، وإن سال شعرهُ بكت الطروس لبكائه، ورُفعت رايات المجد لمدحه ووفائه، وإن جال حصانه في ميدان السلام والألفة والإصلاح والتطوّر الفكري والاجتماعي كان الفائز في مضمار السباق؛ عقل رجيح، ولسان فصيح، وقلب نقي تقيّ، سماحة الشيخ سامي أبي المنى، أطال الله بقاه وسدّد في طريق الحقّ خطاه.

نَشْأتُهُ

وُلد سماحة الشيخ سامي أبي المنى في شانيه في بيت كريم النّسب والحسب، من والدَيْن متدينيْن فاضليْن، نهل من معينهما الطيّب القيَم المعروفيّة الأصيلة، ودرس المرحلة الابتدائية في شانيه، وبعدها اختار والده المرحوم الشيخ أبو كمال نايف أبي المنى (شهيد الواجب 1984) الانتقال بالعائلة إلى بعقلين فتتلمذ في مدرسة الإرشاد على يد الشيخ العلّامة الفاضل أبو علي سليمان أبو ذياب آخذًا عنه العلوم الدينيّة واللغويّة، وانتقل بعدها إلى ثانويّة بعقلين الرسميّة فأكمل فيها دراسته المتوسّطة فالثانويةّ، واحتضنته رعاية الشيخ الفاضل العالم التّقي العامل أبو محمد جواد وليّ الدين رحمة الله عليه. فعاش في كنف خلوته المباركة، وكأنّ أيدي القدرة الربانيّة نقلته من يد الأُبوّة الدمويّة إلى يد الأبوّة الروحيّة فطاب المنشأ في الأوّل والثاني، فكلاهما من معين واحد عذب. وقد تحقّقت في سماحة الشيخ الأماني، إذ تأدّب بآداب شيخنا الجليل أبي محمد جواد وتفيّأ بظلال خلوته المباركة، فتزوّد منها خير زاد لخير معاد.

وبعد أن أكمل الشيخ الفتى الدراسة الثانوية، بدأت رحلته الطويلة في مدرسة العرفان التوحيديّة، حيث كانت أولى انطلاقاتها، فعمل مدرّسًا فيها، واستلم مراكز إداريّة عديدة، وقد أشرقت شمس عطاءاته في سماء ذلك الصرح التربويّ الكبير، وأرخت جدائلها في قلوب الناس وفي المجتمع شعرًا توحيديًّا وجدانيًّا عذبًا، أو نهضة تربوية رائدة، أو وقفة عزّ ووفاء لمن شيّد بنيان تلك الصروح التربويّة الكبيرة، أعني مدارس العرفان، شيوخًا أجلَّاءَ كانوا، أم زعامة كبيرة وبارزة تمثّلت أولًا بالقائد الشهيد كمال بك جنبلاط ثمّ بنجله الزعيم وليد بك جنبلاط.

وفي تلك الحقبة الزمنيّة، أي من عام 1975م حتّى يومنا هذا، كان سماحته قد أكمل دراسته الجامعيّة في الجامعة اللبنانيّة وحصل على شهادة الإجازة في اللغة العربيّة والدراسات العليا، ثم نال شهادتيْ الماستر والدكتوراة في الجامعة اليسوعية في بيروت، وكان قد تسلّم الأمانة العامّة لمؤسسة العرفان التوحيديّة، ومنذ العام 2006 انتُخب رئيسًا للّجنة الثقافيّة في المجلس المذهبيّ لطائفة الموحِّدين الدروز، ومن بعدها تبوّأ منصب مشيخة العقل بمباركة وموافقة الجمّ الغفير من شيوخنا الأفاضل الثقات الأتقياء، سائلين الله عزّ وجلّ أن يكمل مسيرته الرائدة بالتوفيق والسّداد.

محطّات مشرقة

 كان سماحة الشيخ سامي، وما زال، قلبًا نابضًا بالعطاء والمروءة. ففي فترة عمله في مؤسّسة العرفان التوحيديّة، معلِّمًا، ومديرًا، وأمينًا عامًّا، انفتح على شرائح الوطن المتعدّدة المذاهب والمشارب والأديان إيمانًا من المؤسّسة العرفانيّة ومن سماحته أنّ التنوّع الثقافيّ غنى، والعيش المشترك القائم على المحبّة والحوار والتضحيّة والقيَم الإنسانيّة لازم وضروريّ، وقد شارك في منتديات الحوار الوطنيّ، وكان له دور فعّال في أكثر من ملتقى لحوار الأديان والثقافات، وكانت له جولات ومشاركات لافتة في لبنان والخارج من أجل المحافظة على الوحدة الوطنيّة وبناء المصالحة والسلام، وقد منحته مؤسّسة “أديان” عضويّة الشرف لنشاطه وطبعت له ديوانًا شعريًّا بعنوان “قصائد التضامن الروحيّ”.

في كتابه “الحوار الإسلاميّ المسيحيّ في لبنان ورؤية الموحِّدين الدروز” أكّد سماحته على خيار الاعتدال واللاطائفية، أي احترام التنوّع والحرّيّات العامّة والخاصّة الذي هو القاعدة الأساس لبناء المجتمع والوطن. ودعا فيه إلى الحوار البنّاء بين أبناء شرائح الوطن إيمانًا منه بأنّ لبنان مكان دفء للجميع، ومكان تلاقي الأفكار وتفاعلها، ومنبرٌ أرفع للإبداع والتطوّر.

وكذلك دعا سماحته في كتابه المذكور إلى الانفتاح على المستقبل والتحرّك بثوابت العيش المشترك، ونبذ التعصّب والتطرّف، والانخراط في مسيرة بناء الدولة، كما شدّد على دور المؤسّسات التربويّة والدينيّة والاجتماعيّة والمدنيّة وتعزيزها للمساهمة في بناء الوطن، من خلال خدمة الناس ورعايتهم ومساعدتهم، والتربية على احترام الدين والدولة وتكاملهما، لا على مواجهة الدّين ومحاولة إقصائه وتهديم أسسه، بل على التمسُّك بالقيَم المشتركة بين الأديان لبناء الدولة وتربية المواطن الصالح.

  انفتح سماحة الشيخ على المغتربين من أبناء الطائفة، وأقام لهم ندوات ومحاضرات، وأجرى معهم مراسلات واضطرّ إلى السفر للاطّلاع على حاجاتهم الثقافيّة، وما كتابه “المظاهر الثقافيّة عند الموحِّدين الدروز.. الخصوصيّة والاندماج”، الصادر سنة 2014 أثناء ترأُّسه للّجنة الثقافيّة في المجلس المذهبي لطائفة الموحِّدين الدروز إلّا دليل على همّته ومروءته العالية من أجل نشر الثقافة في طائفته والتعريف بها، من خلال التعريف بأعيادها ومقاماتها ومزاراتها وتقاليدها وتاريخها ومبادئ التوحيد التي ترتكز عليها، كما تحدّث عن مفهوم الزواج والأحوال الشخصيّة، وقدَّم نبذة من سِيَر بعض أعلام الطائفة، كالأمير السيد عبد الله التنوخي، والشيخ الفاضل محمد أبو هلال والشيخ زين الدين عبد الغفار تقي الدين، مسلِّطًا الضوء على مناقبهم وحِكَمهم النفيسة، ومسالكهم الراقية لتكون منارة رشدٍ لأبناء الطائفة، ونبراس علم وثقافة وأدب.

مسيرته الشعريّة

            وجدانٌ تتوِّجه مناقب الوفاء والمحبّة والولاء، فتتلقّاه قلوب الأحبّة بالتقدير والثناء، يزيّن السّطور، ويثلج الصدور، يبلّ الصدى لطيب الندى، فيُحال قريضًا أخّاذًا؛ رثاء ومدحا ووفاء… هو شعر أصيل لشاعرٍ أصيل سما وسنا فنال الهنا والمنى.

نقطف من خمائل شعره أزاهير مزركشة الألوان، مفعمة بأريج الإحسان منها:

رثاء سماحته لمعلمه وشيخه العالم الزاهد العامل المجاهد الشيخ ابو محمد جواد وليّ الدين، حيث قال فيه:

شيخي، السلام عليك يا شيخ التّقى

يا من بك القلب الرقيق تعلّقا

شيخي الحبيب أزور وجهك عاشقًا

من زار وجهك حقّه أن يعشقا

يا سيّدي جذبت حياتك أمّة

جاءت إليك تقرّبا وتشوّقا

من نور خلوتك البسيطة يُرتجى

نور الخلاص ويُستطاب الملتقى

من لطف حبّك والحنان رسائلٌ

تحكي الأبوّةَ والأمومة والنقا

فالنداء “شيخي يا سيّدي” يحكي قصة قلب جريح يحكي فؤاده من داخل فؤاده، ويضفي على ذلك النداء عبارات الوجد “عاشقًا، تعشّقًا، تشوّقًا” حتّى إذا أردت أن تجد سماحته تفتّش عنه في صفات شيخنا الجليل المفعمة بالمحبّة والحنان مضمّخًا بنقائها، مشدوهًا بالخلوة الزاهرة التي تتلمذ فيها، فغدا الشيخ الجليل في شعره نهجًا تربويًا ينهل من معينه الآباء ليسقوا الأبناء والأحفاد ماءً ثجاجًا ريقًا زلالاً.

ومنها المدح والوفاء لشيوخه وأسياده الذين ترعرع في كنف رعايتهم وإرشادهم، ونهل من علمهم وأخلاقهم وآدابهم.

فقال سماحته في مناسبة تتويج المشايخ الأفاضل العمامة المكولسة على يد الشيخ الجليل أبي حسن عارف حلاوي رحمه الله:

يا ليلة باسم الإله تباركت

ببدور سعد بالضيا تتلالا

مذ ألهم الرحمن شيخاً طاهراً

علماً كريمًا سيّدًا مفضالا

العارف المعطى بأمر إمامه

والقدوة الفضلى تقى ومثالا

فتباركت من كفّه وفؤاده

هذي العمائم وارتقت إجلالا

لتزِين من زانوا الحياة بطُهرهم

وتزيدهم نحو الإله وصالا

ما زادهم لبسُ العمائمِ رفعة

بل فيهمُ ازدانت عُلا وكمالا

تاج البهاء مرصَّعٌ بعقيدة

طهرت وفاقت نيةً وفعالا

فتتويج المشايخ الأفاضل هو نتاج إخلاصهم وصفاء قلوبهم، والتاج الذي لبسوه ازدان بهم وعلا وكمل، وازداد التتويج مباركة بإخلاص الشيخ أبي حسن عارف حلاوي إذ هو قدوة فضلى ونعمة كبرى.

أمَّا الصور الشعريّة التي رسمها سماحته في وصفهم فيسمو مبناها بمعناها، ويزدان معناها بمبناها؛ دررًا تناضدت، وصورًا تلألأت، وحِكمًا تآلفت، فسبحان من أعطى وسدّد، وأهدى وأرشد.

ومنها قبساتُ وفاء لشيخ الجزيرة وركن العشيرة وأمينها الفاضل العالم الآثل سيّدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف رحمة الله عليه عند زيارته المباركة لخلوات البيّاضة الزاهرة فقال:

بسم الإله أتيتُ العطف أستلفُ

من سادة في حمى البياضة ائتلفوا

قصدت شيخًا جليلًا سيّدًا علمًا

أبثّه الشعر لكن أين من أصف!!

فالمدح يقصر عن إدراك موطنه

والشعر يعجز والأبيات ترتجف

هو الجليل تبارى الخير في يده

والسرّ في قلبه الوضّاء معتكف

هو الكبير وقار الشيب زيّنه

وتاجه الطهر والإيمان والشرف

وهو الأمين على التوحيد حارسه

وركنه في زمان بات يعتصف

ما أجمل الاستفهام التعجّبي “أين من أصف” وكيف يصف الشعر شيخًا مشرقًا قلبه بالإيمان والنّقاء، وداعيًا مخلصًا مستجاب الدعاء، وشمسًا منيرة بالفضائل والذكاء. شيخ الجزيرة وركن العشيرة الذي ترادفت الخيرات على يده الطاهرة، وعمرت البلاد بأخلاقه وطبائعه النفيسة الزاهرة.

            ولمّا كان سماحة الشيخ سامي أبي المنى مؤمنًا بالوحدة الوطنية والعيش المشترك، داعيًا إلى الحوار البنّاء ليبقى الوطن ربوع سلام، ومرقد الإيمان والوئام. أطلق العنان لشعره لينطلق في ميدان النّصح والحوار والمحبّة والسّلام فقال:

أيا أخي كلّنا في الله يجمعنا

سرّ الحياة وما يغنيك يغنيني

أيا أخي واحة التوحيد واسعة

وللتنوُّع سحرٌ في البساتين

معًا نعيش، معًا نبني لنا وطنًا

يحميك حبّي وحبّ منك يحميني

كٌلٌّ بإيمانه يسعى لغايته

وبالتضامن تسمو غاية الدينِ وختامًا نطوي اليراع فوق قراطيس الإكبار والفخار المرصّعة بدرر الكلام، والمزدانة بسيرة سماحة الشيخ سامي أبي المنى حفظه الله سبحانه، سائلين الله العلي القدير أن يسدّد خطاه، ويحفظ مزاياه وسجاياه في كنف التوحيد والتوفيق إنّه العزيز الحكيم الهادي إلى الطريق الحقيق والمنجّي من كلّ ضيق.

مع سماحة الشيخ نعيم حسن، شيخ العقل السابق

مقالات ذات صلة: