الموقع قيد التحديث!

“سلامٌ إلى أرضِ حطّين”

بقلم سماحة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرّئيس الرّوحي للطّائفة الدّرزيّة ورئيس المجلس الدّينيّ الدّرزيّ الأعلى
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مع تجدّدِ الرّبيع فوق سفوح حطّين، نعودُ إلى الاجتماع المبارك حول بهجةِ نيسان، مستقبلين أُمّ الزّيارات الدّينيّة وأجلّ المراقي التّوحيديّة، مُقبلين إلى مقام سيّدنا ونبيّنا شعيب عليه السّلام بقلوبٍ معجونةٍ بالشّوق، وعيونٍ مرتقبةٍ كما في كلّ عام منظرَ الجمعِ التّوحيديّ البهيج، يفيضُ ببياض عمائمه البهيّة النّاصعة في السّاحات والخلوات، صادحًا بأنغامِ التّلاوةِ والتّهجّدِ والابتهالات.

في نفسِ هذه السّاحات قبل مئةِ وتسعةٍ وثلاثين عامًا، التأمَ جمعُ الخير من الرّعيل القديم لإحياء أوّل زيارةٍ لمقام سيّدنا شعيب عليه السّلام، بعد ترميمٍ قاده المرحوم المشهور بلقبِ “السّيّد” الشّيخ مهنا طريف مع جمعٍ من المشايخ الكرام. بقناطره الحجريّة المجبولةِ بعرقِ البنّائين، بُحجرته الّتي اتّسعت رغمَ ضيقها كُلّ المحبّين الزّائرين، يتهادون فيها محبّةَ الإخوان الّتي ندُرت في هذا الزّمان، ووضَعَها تقلّبُ الأحداث والنّفوس تحت مجهرِ الامتحان.

هنا كانوا – يمشونَ بخُطاهم الّتي أتعبها السّفرُ نحو أقراصِ الدّرَج القديم، ويتسابقونَ شوقًا للثمِ أطرافِ الضّريحِ الشّريف. مع كلّ واحدٍ منهم سلالٌ من دعاءاتٍ وسلاماتٍ وأمانات، حملوها من بيوتهم البعيدة الّتي ضمّت عائلاتٍ كانت لا تعرفُ من الدّنيا إلّا البساطةَ وتحصيل رزق الحلال.

يكفيكَ أن تُصغي بسمعِ قلبكِ إلى وشوشة الذّكرياتِ من حيطانِ المقام، لتسمعَ العبارةَ الخالدة “زيارة مقبولة” وهي تتناقلُ وسط تقبيلِ الأيدي وطلب صفاء الخاطر والدّعاء. قد يجهلُ أغلبُهم معظمَ الوجوهِ والأسماء والأشخاص، ويستعصي عليهم تحديدُ النُّسَبِ والرُّتَب والبلدات، ولكنّهم على عهدِ الإخلاصِ مجتمعون، وبحُسن النّوايا والسّرائر مهتمّون متمسّكون، لا تحول بينهمُ الاختلافاتُ والخلافاتُ والسّياسات، ولا تفرّقهم القراراتُ والبياناتُ والمرجعيّات. همّهم همّ واحد وهو سترةُ الحال، ومطلبهم مطلبٌ واحدٌ وهو رضى الكريم المتعال.

هيهات لتلكَ الأزمنة الّتي غبرَتْ واندثرتْ، وهيهات لتلك القلوبِ الّتي بحبلِ البساطةِ انعقدتْ. هيهات لتلكَ الوجوه الّتي كان تبسّمها صدقةً حقّةً جارية، وأنظارُها عن الزّيف والحرامِ غضيضةً كفيفةً متوارية. هيهات لألسنةٍ لم تتعوّد الغيبةَ أو الخنا والنّميمة، ناطقةً بالحقّ ولو شقّ، بنيّةٍ لله سليمة. هيهات لكلمةِ “أنا مقصّر” وهي تُعاش وجدانيًّا قبلَ أنْ تُنطَق، وللألقابِ العصريّةِ المتكلّفةِ وهي بكلمة “يا خيّي” أو “خيّا أو “أخي” تُسبَق.

هذه أخلاقُ شعيبٍ ودين شُعيبٍ وأهل شعيبٍ. هذه تعاليمُ الرّحمةِ والرأفةِ والتّواضعِ والأناةِ. هذه آدابُ الدّين الّتي لولاها ما ثبتَ دينٌ ولا انتفعَ مؤمن ولا قُبل عملٌ. هذه الأخلاقيّات الّتي أهملناها في زمنٍ مهولٍ كثُر فيه العلم وندُر فيه العملُ، وزادَ فيه الوعظُ وقلّ فيه الاتّعاظُ، واشتدّ فيه الاجتهادُ وصعُب فيه الإخلاصُ، وكثُرت فيه المعارفُ وقلّ فيه الوفاءُ، وكبُرت فيه البيوتُ وصغُرت قيمةُ العائلة، وانتفخت فيه الجيوبُ وقلّتْ أموالُ الصّدقة، وكثُرت فيه الأرزاقُ وقلّت فيها البركة.

مئةٌ وتسعةٌ وثلاثون عامًا والتّاريخُ لا ينتظرُ أحدًا. لا يزالُ المقام قائمًا والزّيارةُ معقودةً والجموع متزايدةً، واللّقاءاتُ متعدّدةً، وشيئًا لم يتغيّر سوانا نحنُ. نحنُ الّذين اقتبسنا عن زخارفِ الحضارة قشورَ التّعلّق بالذّات، ونفضنا عنّا آثارَ الصبغة التّوحيديّة الأصيلة، تاركينَ أبوابنا مفتوحةً أمامَ أيادي العبث السّوداء الغريبة، فهلّا تيقّظنا واستفقنا قبل وقوع المصيبة؟!

سلامٌ إلى عموم الموحّدين في كلّ مكان. سلامٌ إلى حاملي شعلةِ الإيمان الّتي لا تخبو، ولأصحاب الأرواح المستنيرة الّتي تعودُ إلى النّهوض بعد أن تكبو. سلامٌ على السّالكين مسلكَ التّقوى والهُدى على الحقيقة، الرّاسمين بأخلاقهم للخيرِ معالمَ الطّريقِ والطّريقة، الثّابتين على نهجِ الأمانةِ والاعتدال في الرّخاء والضّيقة. نسأله تعالى ببركة سيّدنا ونبيّنا شعيب عليه السّلام، وبما خطبَ وعلّمَ به الأنبياء من كلام، أنْ يعطينا القوّةَ لنكون المدقّقين المضيّقين على أنفسنا والرّاحمين الموسّعين على النّاس، تأدّبًا وامتثالًا وتشبّهًا بما علمناه وقرأناهُ وسمعناه من سيرة نبيّنا شعيبنا، مرجعنا وحبيبنا (ع).

ببركتهِ ندعو وبسرّه نرجو أنْ تُسعفنا في القريب بوادر الحظّ والرّحمة لنلتقي جموعَ المشايخ من لبنان وسوريا والأردن والجاليات، وقد حلّوا بيننا أهلًا، وأزهرت بهم أراضي حطّين جبلًا وسهلًا. زيارةً مقبولةً للجميع وكلّ عام وأنتم بألف خير.

مقالات ذات صلة: