الموقع قيد التحديث!

رابِعَة العَدَويّة (ر)

amama
بقلم الأستاذة كرميلا فؤاد حلبي – دالية الكرمل
دارسة للماجستير في الأدب العربيّ في جامعة حيفا، معلّمة ومرشدة للغّة العربيّة في المدارس الابتدائيّة دالية الكرمل
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

رابِعَة العَدَويّة، هي أمّ الخير رابعة بنت إسماعيل العدويّة البصريّة القيسيّة، وُلدت (95ه/713م) لأسرة فقيرة بعد ثلاث أخوات فكانت هي الرّابعة. بعد وفاة والدها وكان القحط قد حلّ بأرضها، خرجت هي وأخواتها، وهنّ في عمر الزّهور للبحث عن الرّزق، وكان أن تاهت رابعة في الطّريق ولم تستطع أن تستهدي إلى أخواتها، فوقعت في أسر رجل ظالم أذاقها أنواع الذّلّ والهوان، ومن ثمّ باعها بثمن بخس إلى رجل آخر كانت في بيته أسوأ حالًا ممّا كانت عليه، ولكنّه أعتقها بعد مدّة، فعملت برهة في الغناء والعزف على النّاي وما اتّصل بهما. بيد أنّها تابت بعد ذلك وحملها النّدم على ماضيها أن تمعن في الزّهد والتّصوّف لتصبح صوفيّة كبيرة وعابدة مشهورة.

المنهج الرّوحيّ لرابِعَة العَدَويّة

لقد جاءت رابِعَة العَدَويّة بقدر يتحوّل الزّهد فيه إلى محبّة، والرّهبة إلى رغبة والتّعقيد إلى البساطة، والفلسفة إلى إيمان، والفقه إلى تعبّد وأخلاق، والحياة إلى خفقة قلب ووثبة روح، واستطاعت تشييد مدرسة التّصوّف الحقّة بكلّ ما فيها من إلهام وفيض وكشف ومعارف ومعانٍ ورموز لتجعل من الحياة أنشودة سماويّة تهتف بحبّ الله جلّ وعلا، ومن الطّاعة عمل ذو روح وحسن وعاطفة ووجدان، ومن الرّضا سورة مشرقة باليقين، فيّاضة بالرّجاء والابتهاج بذكره سبحانه وتعالى. فمن هذا الحبّ انبثق حبّها للكون بكلّ ما فيه ومن إحساسها بالمآل الإلهيّ والكمال الرّبانيّ المطلق؛ على ضوء ذلك جعلت التّقوى وحبّ الله طريقًا للتّفاهم بين الإنسان ومحيطه. فمن اتّقى الله سخّر له كلّ شيء ومن أحبّه سُخّرت له الحياة بكلّ ما فيها، لأنّ كلّ ما في الوجود يسبّح بحمد الله. وعليه، تُعتبر رابِعَة العَدَويّة من أعظم من رسم صور الإيمان الصّحيح في عالم الرّوح، فكانت تقول: “إلهي كلّ ما قدّرته لي من خير في هذه الدّنيا أعطه لأعدائك، وكلّ ما قدّرته لي في الجنّة امنحه لأصدقائك، لأنّي لا أسعى إلّا إليك أنت وحدك”.  ومن هنا يُستشفّ أن معنى الجنّة عند رابِعَة العَدَويّة يكاد أن يزول لكونه لا يتّفق مع العبادة الصّحيحة، يدلّ ذلك على إمعانها في تجريد المعنى الحسيّ للأخريات بالنّسبة إلى نفسها وكان هدفها من كلّ ذلك هو السّموّ بالحياة الدّينيّة والتّخلّي عن المعاني الحسيّة لصالح المعاني الروحانيّة الخالصة.

رابِعَة العَدَويّة الزّاهدة

ورد في كتاب “وفيّات الأعيان” لابن خلكان: كان أبو سليمان الهاشميّ له بالبصرة كل يوم غلّة ثمانين ألف درهم، فبعث إلى علماء البصرة، يستشيرهم في امرأة يتزوّجها فأجمعوا على رابِعَة العَدَويّة فكتب إليها:

أمّا بعد، فإن مُلكي من غلّة الدنيا في كلّ يوم ثمانون ألف درهم، وليس يمضي إلّا قليل حتّى أتمّها مائة ألف إن شاء الله، وأنا أخطبك، وقد بذلت لك من الصّداق مائة ألف، وأنا مُصيِّر إليك من بعد أمثالها، فأجيبيني. فكتبت إليه: أمّا بعد، فإنّ الزّهد في الدّنيا راحة القلب والبدن، والرّغبة فيها تورث الهمّ والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيّء زادك وقدّم لمعادك، وكنْ وصيّ نفسك ولا تجعل وصيّتك إلى غيرك، وصُمْ دهرك واجعل الموت قطرك، فما يسرّني أنّ الله خوّلني أضعاف ما خوّلك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسّلام.

وورد في “صفة الصّفوة” لابن الجوزيّ عن ورعها وخشيتها: قال عبد الله بن عيسى: دخلتُ على رابعة العدويّة بيتها، فرأيت على وجهها النّور، وكانت كثيرة البكاء، فقرأ رجل عندها آية من القرآن فيها ذكر النّار، فصاحت ثم سقطت.

وقال أحدهم: “دخلت عليها وهي جالسة على قطعة بوري خَلِقٍ، فتكلّم رجل عندها بشيء، فجعلت أسمع وقع دموعها على البوريّ، ثم اضطربتْ وصاحت فقمنا وخرجنا. (البَارِيَاءُ والبُورِياءُ بالمدّ الحصير من القصب، وقال الأصمعيّ البورياء بالفارسية وهو بالعربية بَارِيٌّ وبُورِيٌّ وبَارِيَّةٌ بتشديد الياء في الكلّ).

قال سجف بن منظور: دخلت على رابِعَة العَدَويّة وهي ساجدة، فلما أحسّت بمكاني، رفعت رأسها فإذا موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها، فسلّمت، فأقبلت علي، فقالت يا بني: ألك حاجة؟ فقلت: جئت لأسلّم عليك، قال: فبكت، وقالت: سِترك اللّهمّ سِترك، ودعت بدعوات ثم قامت إلى الصّلاة وانصرفت.

رابِعَة العَدَويّة وشعر التّصوّف

تعدّ رابِعَة العَدويّة من أوائل المتصوّفة المسلمين، وينسب مؤرّخو الصّوفيّة البدء بالكلام عن الحبّ الإلهيّ والتّوسع فيه إليها. ولها أقوال مأثورة وأشعار منظومة في مناجاة الحقّ الّذي استولى حبّه على نفسها وسكن مهجتها، طالبة بذلك وصاله ورضاه، فجاءت معانيها في أشعارها مشيرة إلى حبّها لله وفنائها فيه، وزهدها في الدّنيا لانشغالها به، فهو راحتها في خلوتها وهو قبلتها، ومن ذلك قولها:

يا سروري ومنيتي وعمادي وأنيسي وعُـدّتي ومُرادي
أنت روح الفؤاد أنت رجائي أنت لي مؤنس وشوقك زادي
أنت لولاك يا حـياتي وأُنسي ما تشتّت في فسيـح البـلادِ
حبـّك الآن بغيتي ونعيـمي وجلاء لعيـن قلبي الصّادي
ليس لي عنك يا حبيب براح أنـت منّي مكمن في الفؤاد
إن تكـن راضيًا علّي فإنّي يا منى القلـب قد بدا إسعـادي

توبتها

 إنّ التّوبة في منطق رابِعَة العَدَويّة تُعدّ مقام وحال، لأنّها صفة دائمة للمؤمنين وشرطها الصّدق والأمانة، لأنّ الاستغفار من غير إقلاع توبة الكاذبين وسبيل المنافقين. وكما للتّوبة درجات وألوان منها: توبة القوم من الذّنوب، وتوبة المحبّين من العجز على القيام بحقّ المحبوب، فقال رجل لرَابِعَة: “إنّي وإن أكثرت من الذّنوب والمعاصي، فلو تبتُ هل يتوب عليّ؟ فقالت: بل لو تاب عليك لتبت”. ويتّضح من ذلك أنّ توبة رابِعَة العَدَويّة لا تتمّ بالمجهود بقدر ما تتمّ بالفضل من الله جلّ وعزّ، وهي بذلك تقرّر نظريّة الإجتباء والاصطفاء، فكانت لا تعتمد على قدراتها بالظّفر بالتّوبة لمجرّد استغفارها وإقلاعها عن ذنوبها، بل لا بدّ لها من رضاء الله وغفرانها وهو الّذي يتوب على المخطئين. v

مقالات ذات صلة:

نشاطات طائفيّة – العدد 159

فضيلة الشّيخ يهنّئ سماحة الشّيخ سامي أبي المنى بعد تنصيبه شيخَ عقلٍ للطّائفة الدّرزيّة في لبنان جرى صباح السّبت الموافق