الموقع قيد التحديث!

“بولادنا ولا ببلادنا”

بقلم الشيخ أبو نعيم نسيب بدر
حرفيش
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

قام إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا بغزوة للمنطقة سنة 1831 فوقف الدروز بجانب السلطة العثمانيّة وحاربوا إبراهيم باشا بضراوة حتّى الموت، ولما انكسر الدروز في هذه المعركة بعد تخاذل العثمانيين شكّلوا وفدًا وذهبوا إلى القاهرة ليعلنوا ولاءهم لمحمد علي برئاسة أحد آل جنبلاط، وعندما أعلَنَ رضاه عنهم سألهُ أحدهم قبل غزوة ابنكم إبراهيم باشا لبلادنا منذ سنوات جاء أبي مع شبّان متعدّدين إلى القاهرة لتلقّي العِلم، لكن أخبارهم قد انقطعت أثناء الحرب، وآمل أن تساعدني في البحث عنهم. استغرب محمد علي باشا وقال للشيخ الدرزي: “كيف أقدمتم على إعلان العصيان على ابني وجيشي ومحاربتنا، وأولادكم يتواجدون عندنا؟ فأجاب الشيخ: “بِوْلادنا ولا ببلادنا يا باشا”. وهذا السؤال حول هوية الشيخ الذي قال هذه العبارة ذات الدلالات الكبيرة كانت الصحفية مي منسي طرحته في الصفحة الثقافيّة في جريدة النهار عام 1972، وقد توالت الردود والتي كان أحدها أن هذا صاحب القول هو ناصيف بيك نكد وهو يزبكي من قرية المختارة، ويذكر أن ناصيف نكد كان يومئذٍ يدرس في جامعة الأزهر في مصر ومن هنا نشأ الاعتقاد بأنّه هو بطل هذه القصّة. ويبدو أن القصّة تكاد تكون معروفة ولها جذور تاريخيّة واضحة، خصوصًا وأنّ الأمير بشير شهابي كان قد عقد معاهدة صداقة مع والي مصر محمد علي باشا، أرسل سنويًّا بموجبها عددًا من الطلّاب اللبنانيين الدروز لتلقّي العِلم في جامعات مصر، ويُشار إلى أنّ الوفد سابق الذكر، الذي ألّفه الدروز وتمّ إرساله إلى مصر قد ضمّ عددًا من أكابر زعمائهم في حينه مثل نعمان جنبلاط وأحمد جنبلاط وخطّار العماد وناصيف نكد وحسين تلحوق ويوسف عبد الملك وحمود عطا الله وفارس العيد وآخرين كما ورد في كتاب “في الزوايا خبايا” لسلام الراسي نقلًا عن كتاب “الحركات” لحسين أبو شقرا. وقد حظي ثلاثة زعماء من هذا الوفد بمقابلة محمد علي باشا وهم نعمان جنبلاط وخطّار العماد وناصيف نكد، بدليل أنّ هؤلاء الثلاثة نالوا لقب “البكويّة” دون سواهم من أعضاء هذا الوفد وقد توارثت عائلات جنبلاط وعماد ونكد ألقاب البكويّة حتّى الآن.
وهذا الشعار كان معروفًا عند الدروز، فقد روى حسين أبو شقرا في كتابه أنّ الجزّار كان قد أرسل جيشًا من الإنكشاريّة إلى قريتيّ شحيم وعانوت، فأغار عليهم الشيخ بشير جنبلاط وفتك بعسكر الجزّار وطردهم من الشوف، رغم أنّ والده الشيخ قاسم جنبلاط كان أسيرًا لدى الجزّار في عكّا ولمّا همّ بالإغارة على عسكر الجزّار لامه البعض وحذّره من هلاك والده فأجابهم” بوالدي ولا ببلادي”.

الشيخ ابو حسين علي شقير – عيحا
الشيخ نصيف نكد
ومن القصص المعروفة أيضًا والتي ترتبط بإبراهيم باشا أنّه عندما علم بجمال السيّدة برقه العريان، وضع جيوشه ومدافعه في مرج عيحا ونصب المتاريس التي ما زالت آثارها حتّى اليوم، وطلب يد السيّدة المذكورة من ذويها، وهذا الأمر قد رفضه الدروز لأن بني معروف كما هو معروف، لم يقبلوا بمثل هذا الامر، فأمر إبراهيم باشا أحد القادة لديه ويُدعى الطبجي بدكّ القرية بالمدافع وبدأ الصريخ والعويل بين الأطفال والنساء بعد أن قام بضربهم بلا هوادة. وعندها ذهب أهل عيحا إلى قرية وعرة المشمش واستغاثوا بالشيخ أبو حسين علي شقير هبّ إلى مساعدتهم، ورافقه شخص مسيحيّ من القرية المذكورة يًدعى إبراهيم الصيفي، ولما وصل إلى المرج سأل الجيوش أين زعيمكم؟ فقالوا له: في الديوان الكبير. ذهب الشيخ إلى الديوان وقال له يا ظالم كيف تفعل هذا العمل بأبناء شعبنا؟ فأجاب إبراهيم باشا بالقول: “خذوه إلى المدفع لكي يقطعه ٤٢ قطعة”، ضحك الشيخ وذهب معهم إلى المدفع وسدّ بوز المدفع بالعمامة مستذكرًا ال ٤٢ نبي بين سرّه وخالقه، وأخذ الطبجي بالقذيفة الأولى فلم تُطلق والثانية والثالثة أمّا في الرابعة فانفجر المدفع إلى الخلف وقتل الطبجي، ووصل الخبر إلى إبراهيم باشا فأدرك أنّ هذا الشيخ وليّ من أولياء الله الصالحين فقال له: “اطلب ما تريد” فأجابه” اِرحل عنّا” فوعده بذلك احترامًا للشيخ وكراماته. بعدها وفي العام 1860رحل إبراهيم باشا إلى جبل الدروز. وأعلن الحرب على الدروز هناك، علم مشايخ الدروز بالأمر واجتمعوا في حاصبيا وادي التيم التحتاني وفي رعشية وادي التيم الفوقاني واتّفقوا أن يجمعوا المال والعتاد لصالح جبل الدروز، وتبرّع الشيخ الجليل أبو حسين علي شقير وقاد القافلة إلى جبل الدروز ، وقطع صحنايا ومعظمية الشام متوجّهًا إلى الجبل وقد كانت جيوش إبراهيم باشا منتشرة في منطقة دير الرجا حيث التقى الشيخ باثنيْن من الجنود هاربين من جيشه فأخبراه بأنّهما جنود دروز من فلسطين تجنّدا لجيش إبراهيم باشا ولمّا أدركا أنّه يحارب أبناء طائفتهم هربا، وطلب الشيخ علي منهما أن يعودا معه، وعندما التقى الشيخ بجيوش إبراهيم باشا اقتادوه مقيّدًا عند زعيمهم، وبعد أن تعرّف إبراهيم باشا على الشيخ سأله من هؤلاء الأشخاص؟ أجابه هؤلاء قد فرّوا من جيشك، فقرّر إبراهيم باشا إعدامهم رميًا بالنبال. قام الشيخ أبو حسين بلفّهما بعباءته فلم يُصابا بأذى رغم كلّ المحاولات لقتلهم فعفى عنهما، واصلت القافلة مشوارها مع كامل حمولتها إلى الشيخ أبو حسين إبراهيم الهجري، الزعيم الروحيّ للدروز هناك، وقد جرى استقبال رئيسها وأعضائها بحفاوة بالغة. ثم طلب الشيخ أبو حسين إبراهيم الهجري لاحقًا من صديقه أن يذهب إلى إبراهيم باشا، ليس قبل أن ينفخ الشيخ إبراهيم قراب الماء ويكتب عليه آيات دينيّة من علمه الواسع، وينفخ الكيس ويرسله إلى إبراهيم باشا مع الشيخ أبو حسين، وعندما وصل الشيخ المذكور إلى إبراهيم باشا بعد ثلاثة أيّام، وجده يعاني من الانتفاخ والألم الشديديْن فاستغاث إبراهيم باشا به وطلب منه أن يشفيه من مرضه، ووعده بأنّه سيرحل مع جيوشه من هناك، وعندما علم الشيخ إبراهيم الهجري بما وعد به إبراهيم باشا أخذ يفكّ الكيس على ثلاث مراحل على مدار ثلاثة أيّام، ولمّا شُفي إبراهيم باشا طلب بأن يصالح الدروز، وعندها قال إبراهيم باشا لمشايخ الدروز متسائلًا من أين لكم هذه الشجاعة والقدرة على القتال بشراسة ونحن نفوقكم عددًا وعتادًا وتدريبًا وإمكانيات؟ ردّ أحد مشايخ الدروز: “يا حضرة الباشا جيشك لمّ واحنا ولاد عمّ” وكما يُذكر فإنّ جيشه كلّه كان من المرتزقة.

مقالات ذات صلة: