الموقع قيد التحديث!

المرحوم الشاب فادي رضوان ناطور

بقلم المرحوم الشيخ سميح ناطور
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

 

 صعقت قرية دالية الكرمل بعد ظهر نهار السبت الموافق 31 أيلول 2019 واهتزت كافة أركانها بالرغم من رزانتها ورجاحة عقلها، عندما فجعت بخبر وفاة المرحوم الشاب فادي رضوان ناطور بحادث طرق أليم في القرية، وقد كان الخبر أقوى من كل قدرة احتمال. وخلال ساعة أُغلقت شوارع مركز دالية الكرمل، لأول مرة في تاريخها تلقائيا، إذ طمس الخبر الأليم الأذهان، وأراد كل إنسان أن يأتي بنفسه إلى مصدر الخبر ليتأكد. فقد فقدت دالية الكرمل شابا من خيرة شبابها، لكن هذه الخسارة الكبيرة أثبتت للسكان عظمة دالية الكرمل وتعاليها وتوحدها وتضامنها مع المصابين، فدمعت عيون لم تدمع، وبكت وجوه لم تبكِ، وذُهل مستشفى رامبام لهذا الكم الهائل من نفوس متألمة، لكن الألم مهما بلغ أشده إلا أن دالية الكرمل تحتضن وتشمل وترعى أبناءها بأقوى عاطفة وبأجل شعور وبأنبل دعم.

وقد وقفت جموع الشباب في بيت الشعب، وفي الطرقات المؤدية له، وفي مواقع تجمعاتها، وهي غير مصدّقة، وهي ترفض أن تذعن للواقع وتفتش عن جواب، لكن الحياة كلها هي سلسلة مآسٍ ومصائب ومشاكل وملمّات، وهذه الحياة هي أيضا كلها أمل ورجاء وثقة ويقين وإيمان بالله. ومن منطلق إيماننا بالله أولا نحمده ونشكره حتى في هذه اللحظة الصعبة وثانيا نتوسل إليه أن يضمن لروح فادي الرحمة والرعاية، ونشكر جميع سكان دالية الكرمل كبيرا وصغيرا وكذلك سكان عسفيا والأصدقاء والأقارب من المغار وبيت جن وحرفيش والقرى الدرزية الأخرى والمعارف من الطوائف الأخرى وكل من وقف إلى جانب العائلة في مأساتها هذه.

ولد فادي في أسرة محترمة راقية، ابنا للوجيه السيد رضوان ناطور، أحد النشطاء في قرية دالية الكرمل، الذي حمل على كتفيه موضوع دعم فرق كرة القدم طوال عشرات السنين، وحفيدا للمرحوم الشيخ أبو رشدي محمد مقبل ناطور،احد المبادرين للصناعة والتطور في دالية الكرمل وصاحب أول فرن للخبز في القرية وفي المجتمع القروي ووجيه معروف. وقد تسلم المرحوم فادي بعد دراسته الثانوية وخدمته العسكرية شؤون فرن والده وقام بإدارته على أحسن وجه. وامتاز فادي باستقلاليته ودماثة أخلاقه وكرمه وسخائه وحبه للناس وحرصه على دعم الأسر الفقيرة في المنطقة. وبرزت خصاله هذه أثناء عمله في إدارة الفرن، فبعد وفاته جاء عشرات الناس ووقفوا بعيون دامعة أمام الجمهور في بيت العزاء وتحدثوا بحرقة والم وحزن عن أسفهم لرحيله لأنه ساعدهم أو وقف إلى جانبهم أو تصرف بحكمة امامهم أو سمعوا عنه شيئا ما. ولم يتفاجأ الحاضرون من سماع هذه القصص فقد لاحظ كل مواطن من دالية الكرمل عشاء ذلك السبت الأليم، كيف هاجت الجماهير من كل الطبقات والعائلات في دالية الكرمل وكأنها غير مصدقة وجاءت تتضامن مع الأهل والأسرة مما أثبت أن الشبيبة في دالية الكرمل هي على مستوى رفيع راق تتمتع بالوفاء والإخلاص وتقدر عمل الخير وتهب للدعم والمساعدة المعنوية مما يخفف من مصاب العائلة المنكوبة.

قالوا عن فادي:

1-       باص الجنود: جاء إلى البيت مواطن إسرائيلي في السبعينات من عمره ودخل أمام الجمهور وبدأ الحديث قائلا: لا أعرف من هو فادي من قبل ولم تربطني به علاقة قديمة لكن ما فعله معنا جبارا ويدل على كرم أخلاق وسخاء وعطاء. أنا أعمل كسائق باص وقد ألقي على عاتقي القيام برحلة في الشمال لجنود جيش الدفاع. ومن المحطات كانت قرية دالية الكرمل. وكان من المقرر أن نتناول طعام الغداء في أحد الأماكن في الشمال، فلما وصلنا إلى القرية تفجّرت في نفوس بعض الجنود ذكريات من زيارات سابقة لدالية الكرمل مع أهاليهم، وكل واحد أكل شيئا ما ظل طعمه في فمه حتى اليوم، فطلب الجنود مني أن أقوم بشراء بعض الأطايب من منتوجات دالية الكرمل وبدأوا يجمعون من كل واحد مبلغا ما، كنت بجانب الفرن ولاحظت هناك شابا وسيما مرحا يوحي وجهه بالخير والذكاء فتوجّهت إليه وقلت له: معي جنود يشتهون مأكولات دالية الكرمل ومعنا ساعة للتجول في القرية وطلبت منه ان يقوم بتحضير كمية من المأكولات الطيبة لخمسين شخصا وقلت له: إنهم جنود وطلبت أن يراعينا بالسعر. قال: اطمئن وبعد ساعة سيكون كل شيء جاهزا، تجوّلنا في معالم القرية وعندما عدتُ وجدت فادي وإلى جانبه صناديق مليئة بالمأكولات المختلفة مع مشروبات غازية فناولني إياها وعندما سألت عن المبلغ المطلوب دفعه قال: أنا كنت جنديا ولإخوتي الجنود لا أريد منهم شيئا فقط أن يحافظوا علينا، وآمل أن تكون المأكولات التي أعددتها لهم هي ما يطلبونه وأدعو له بالصحة وطول العمر. شكرته وانتقلنا إلى أحد الأحراش وفتحنا الصناديق، وذُهلنا من الخيرات التي وضعها والتي اشبعت الجميع ودعونا له بالتوفيق وبقيت صورته في مخيلتي. وقد انتبهت في شبكات التواصل أن صورته متواجدة بكثرة في ظروف قاسية فسألت وقيل لي أنه فادي صاحب الفرن الذي لم اسمع ولم أقرأ عن إنسان أكرم منه في حياتي. ولذلك جئت إليكم لأواسي والديه ولأحدثكم عن فادي وأقول لكم إن صورته لن تمحوها الأيام من اذهان خمسين جنديا أفضل عليهم قبل وفاته. 

2-       طلاب عين حوض: جاء جمهور كبير من قرية عين حوض المجاورة يضم رجالا ونساء ليشاركوا بحرقة وألم في جنازة فادي وقالوا: إن المرحوم كان يتردد عليهم في السنوات الأخيرة ويزوّدهم بالخبز وكان يهتم كثيرا بالطلاب فكان يتفقّد المدرسة ويسأل عن الطلاب الفقراء وقد سجل تواريخ أعياد ميلادهم. وقد ذُهلنا عندما كان يأتي في الصباح حاملا طبقا من الحلويات وهدية خاصة للطالب كي لا يشعر هذا الطالب بنقص أمام زملائه وكان دائما يغمر الجميع بالعطاء في الأعياد ومع افتتاح السنة الدراسية وفي المخيمات الصيفية وغيرها رحمه الله لن ننساه.

3-       جمعية ملبيش: تحدّثت النشيطات في جمعية ملبيش عن الأخلاق العالية التي تميّز بها فادي وعن العطاء والكرم الزائد الذي أظهره فقد كان في كل الأعياد والمناسبات يتبرّع بالخبز وبالأموال وبكل ما يطلب منه وكان من الذين كنا نعتمد عليهم بشكل دائم لتزويد العائلات المستورة على الأقل بالمواد الغذائية الأساسية. وقد صادف رحيله مساء السبت الواحد وثلاثين من شهر آب أي قبل افتتاح السنة الدراسية بيوم وفي ساعات الظهر جاء فادي كعادته مع وجهه البشوش وابتسامته الساحرة وعينيه المشرقتين وأنزل كميات كبيرة من الخبز قائلا: غدا اول يوم في الدراسة وعلى الطلاب أن يأخذوا زوادة معهم للمدرسة ولا أريد أن يبقى طالب إلا يأخذ معه زوادة وأرجو أن توزّعوها مشكورين. رحمه الله.

4-       تبرعات لسوريا ولبنان: وقف خلال أيام العزاء عدد من المشايخ صرّحوا ان المرحوم فادي كلّفهم أن يوصلوا مبالغ محترمة تبرعا منه للأهل ولأبناء العشيرة التوحيدية في سوريا وفي لبنان وذلك اثناء الحرب الأهلية في سوريا حيث تكرّرت هذه العمال وتواصلت بالرغم من أن المرحوم فادي كان يتبرع في الأماكن الرسمية كالخلوات والمقامات وغيرها.

فضيلة الشيخ أبو علي حسين حلبي يعزي والد المرحوم السيد رضوان ناطور

الجنازة

تم تشييع جثمان المرحوم فادي بعد ظهر يوم الأحد الموافق الأول من شهر أيلول في بيت الشعب في مركز دالية الكرمل وقد حضر مراسيم الجنازة آلاف المشيعين من القرية والخارج وبعد انتهاء الصلاة من قبل رجال الدين قامة بتأبين المرحوم قريب العائلة ووجيهها الدكتور أسعد عرايدة من المغار فذكر صفاته ومناقبه ومواقفه وشكر والديه على التربية الحسنة وشكر كذلك الجماهير التي حضرت للمشاركة في الجنازة. ثم ألقى السيد أبو يوسف رفيق حلبي صهر العائلة ورئيس المجلس المحلي في القرية الكلمة التالية:

اللهم أعنّي وأعطنِي عزما لأقف هذا الموقف الرهيب!

هكذا قصفتنا العاصفة واكفهرّ العمر دون سابق إنذار. كان فادي متوقدا بحب الحياة، متفائلا بحب الناس، لم تفارق الابتسامة محيّاه، وكان قلبه المحب قد انطوى على الطيبة وخفّة الروح والظلّ، جميل الوجه والشكل، (أبو الهيبة). تبكي دالية الكرمل بدموع فاجعة وقد أصاب الألم في الصميم، نحن نبكي على ثمرة يانعة أذبلها القدر، على شاب زين الشباب، بهيّ الطلعة، صاحب الحضور المميّز، يتودّد بابتسامة ويخاطب باحترام، لم يفرح أهله بعد!! مات العريس قبل الزفاف، مئات الشباب لبسوا الأسود حدادا والأسود لا يليق بأحد.

نعم! الموت حق علينا، وعلينا أن نؤمن ونقتنع بأنه حقيقة لا بدّ منها، ولكن هذه الزيارة المفاجئة وغير المرغوب بها في آخر يوم من آب اختطفت طموحا بدأ حياته العملية منطلقا من مبدأ الإخلاص، وهذا ما توارثه من والده ومن جدّه. كان فادي مبدعا في عمله، نشيطا، خلوقا ومؤدّبا، أدار مصلحة البيت بجديّة وبإخلاص، وتميّز، كان معطاء كريما سخيّا، ساعد المحتاجين ودعم العائلات المستورة، غادر فادي وهو في بداية الطريق وكان يحمل الكثير من الأفكار والأحلام الواسعة، رحمة الله عليك أيها الحبيب!

عاش من العمر ثلاثين عاما، شجاعا، بهيّا، نديّا تشهد على ذلك ملبيش وعشرات العائلات المستورة ومن يطعم العيش والخبز لمن يحتاج، يكون أجره عند الله كبيرا، ولقد أطعم الكثيرين، وتبرّع بسخاء لأهلنا بسوريا دون إعلان أو إعلام.

كان إذا قال قصد، وإذا وعد وفا، لا يعرف لسانه إلا الصدق، أحب أهله وأحبّوه، وأحب الدراجة النارية وخانته. الشرطة تحقق وإذا سألتموني، نعم كانت القبعة الواقية على راسه، لكنها لم تمنع القدر المحتوم.

صديقي وابن عمي رضوان، أبو فادي، وفادي قد رحل لكنه سيبقى مقرونا باسمك ما دمتَ حيّا. إن أصعب الفاجعات أن تفقد الأم أو يفقد الأب ابنهما وهو في ريعان شبابه، في قمّة نشاطه، في تحقيق أحلامه وأهدافه، ولكن، باسم الله الرحمن الرحيم: وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. (صدق الله العظيم). كل ما تبقّى هو أن ندعو بطول العمر لنسرين وزايدة وشادي والحفيد وأن يطيل في أعماركم جميعا.

حضرات المشيّعين هذه هذه المعادلة، نحن نودّع شرقا ونعود للأمل غربا. هذه خلاصة الإيمان والعقيدة الثابتة، لذلك ليستمرّ الأهل في أفراحهم ونحن ننطوي في الألم والحزن، نحن نرجو لهم هداة البال.

باسم الأهل والأصدقاء نشكر سعيكم ولا أركم الله مكروها لأجل بعيد.  

مقالات ذات صلة:

إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام

الحالة الأولى الصحة والمرض:  مجموعة بشرية عاشت أجيالا لا تعاني من الأمراض والآلام بدون معرفة صحية وطبية لمعالجة تلك الأمراض