الموقع قيد التحديث!

المجتمع الدرزيّ

بقلم د. نجلاء أبو عز الدين – العبّاديّة – لبنان.
من كتابها “الدروز في التاريخ”
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

لقد حافظ الدروز، المجتمع الصغير جدًّا، على ذاتيّتهم وسط تغيّرات واضطرابات متكرّرة جرت من حولهم منذ نشأتهم قبل ألف سنة تقريبًا.

إن عدّة عوامل، دينيّة واجتماعيّة وجغرافيّة عملت مجتمعة على الحفاظ على هذا الكيان جاعلة من الدروز مجتمعًا شديد التماسك.

إن الدين هو الرابطة الأساسيّة التي تربط بين افراد هذا المجتمع، فهو الباعث على نشأة المجتمع ومانح القوّة التي دعمت بقاءه. إنّه موضع اعتزاز المؤمنين الذين يرون فيه الحقيقة التي تمّ إبلاغها لهم بصفتهم النخبة وائتُمنوا على الحفاظ عليها.

وقد عزّزت الرابطة الدينيّة صلة القربى وطبيعة البلاد التي يسكنها معظم الدروز. فَصِلَة القُربى الوثيقة التي نشأت من كون الدروز لا يتزاوجون إلّا فيما بينهم. ولمّا كانت مواطن الأغلبيّة من الدروز بلادًا جبليّة يصعب على الأغراب الوصول إليها فقد أُتيح لهم مواصلة نمط حياتهم بحرّيّة وأمان من التدخُّل الخارجيّ.

إنّ الاستقلال والتعلُّق بالأرض أمران أساسيّان في حياة الدروز. وكانوا في مراكز كثافتهم السكّانيّة أسياد أنفسهم يحكمهم أمراء منهم ويملكون الأرض ويمارسون بحرّيّة معتقداتهم وقوانينهم وعاداتهم.

لقد قاتل الدروز باستمرار لحماية استقلالهم والحفاظ عليه. والشجاعة صفة بارزة من صفاتهم يحضّ عليها الدين. والاعتقاد بأن الموحِّد الديّان شجاع غير جبان، وبأنّ عمر الإنسان محدَّد لا يزيد يومًا ولا ينقص، وأنّ النفس بعد مفارقتها الجسد تنتقل إلى جسد آخر يعزّز الشجاعة ويبدِّد الخوف من الموت، فما الجسد إلّا قميص للنفس، والموحّدون لا يخشون تمزيق أقمصتهم.

وكانت شجاعة الدروز مثار إعجاب الأغراب الذين عرفوهم، فكتب أحد هؤلاء، وكان أقام طويلًا بينهم: “إنّ شجاعة الدروز من الطراز الأعلى”. C. H. Churchill, Mount Lebanon, vol,2. p 312

وفي سنة 1838 كتبت الليدي هستر ستانهوب التي عاشت وماتت في جبل الدروز: “أعتقد أن الجيش الدرزي لا يزيد حاليًّا عن ألفيْن وخمسمائة رجل، ولكن كلّ رجل من هؤلاء الألفيْن وخمسمائة يوازي وحده عشرين”. Lady Hester Stanhope Memoirs. v, p 310 

وإبراهيم باشا الذي هزم في حروبه ضد العثمانيين جيوش السلطنة جيشًا إثر جيش ذاق الهزيمة على أيدي دروز حوران الذين دعّمت بسالتهم وُعورة الأرض التي اختاروها ميدانًا للمعركة.

وكلّما غامر الأتراك بدخول حوران للاعتداء على استقلال الدروز كانوا يُجابَهون بثورة مسلّحة ترغمهم على ترك الجبل وأهله وشأنهم.

وكانت ثورة الدروز ضد الفرنسيين، التي بدأت سنة 1925 وأشعلت نيران الثورة السوريّة ضد الدولة المنتدبة، غنيّة فيما أبرزت من أمثلة على الشجاعة والجرأة. وكانت فرنسا إذ ذاك في ذروة قوّتها العسكريّة كما كان البون شاسعًا جدًّا في المعدّات القتاليّة التي لدى الفريقيْن. وبينما استخدم الفرنسيّون الدبّابات والطائرات في الحرب لم يكن لدى الدروز سوى أسلحتهم التقليديّة من بنادق وسيوف. وفي ظروف كهذه كانت انتصاراتهم مثيرة حقًّا. وقد كبّدوا الفرنسيين خسائر فادحة قبل أن يتمكّن هؤلاء من إخماد الثورة بعد سنتيْن من نشوبها.

ومع أن غيرتهم على استقلالهم جعلت الدروز مستعدّين دائمًا للقتال، فالحرب لم تكن شغلهم الشاغل، ولمّا كانوا من ساكني الجبال فإنهم اعتمدوا على الأرض في معيشتهم، فكانت الزراعة مهنتهم الرئيسيّة، عملوا بنشاط وحيويّة كما تشهد بذلك مصاطب المنحدرات الجبليّة، وقد حوّلوا بالعمل المضني والصبر الشديد المرتفعات الصخريّة إلى أرض منبسطة ذات تربة خصبة مرتّبة في مدرّجات يدعم كلّ مدرّج حائط حجري يمسك التربة ويحفظ المياه من أن تُهدَر في الوادي.  وقال أحد الزائرين: “إن في الحراثة شرف عند الدروز كما في حمل السلاح.” Puget de Saint, Histoire de Druzes, p162

 ونظرًا لتعوّدهم منذ الصغر على العمل الشاقّ في الأرض وعلى حياة لا إسراف فيها، فالمشروبات الروحيّة محرّمة دينيًّا، يتمتّع الدروز بأجسام قويّة صحيّة ممتازة.

وكما لاحظنا وجود قوى موحّدة في المجتمع الدرزي كانت هنالك عوامل تفرقة كالمنازعات بين القيسيّة واليمنيّة والحزبيّة اليزبكية – الجنبلاطيّة. وبالرغم من ذلك فإنّ التضامن أساسيّ في المجتمع الدرزيّ وله جذور عميقة ويسود شعور بالأُخوّة في هذا المجتمع.

ومن القوى التي تعمل للوحدة العُقّال، فالمجتمع الدرزي ينقسم إلى عقّال وجهّال تبعًا لسلوكهم بموجب المقاييس الدينيّة. والعقّال يتميّزون بتقواهم وحياتهم القائمة على الفضيلة يتّسمون بالوقار والسكينة، وفي كلامهم التأنّي والتروّي. والاعتدال يحكم سلوكهم فهم يمقتون التطرُّف والتهوُّر في ايّ شكل كان. ومن صفاتهم ضبط النفس وكبت الغضب وجميع المشاعر العنيفة. وهم زاهدون في متاع الدنيا ومنهم من يرفض المناصب والأحكام ولا يأكلون على موائد الحكّام خشية أن يكون من المال الحرام. وبعضهم يمارس التقشُّف الشديد كالصوم طيلة اليوم والإفطار على الخبز والماء. ومن العقّال المتنزّهين من يظلّ عازبًا فإن تزوّج فلا يعاشر زوجته التي تكون قد وافقت على ذلك لأنّها هي أيضًا من العقّال.

أمّا الجُهّال فصفتهم هذه لا تعني جهلهم العلم والمعرفة. وإنما وُصفوا بالجهل لصفات تتعارض مع خُلُق العُقّال. فالعاقل ضد الجاهل، لأنّه يعقل نفسه ويردّها عن هواها، كما قال ناصر الدين العبد أحد كبار العقُال. ومن صفات الجاهل التهوّر وسرعة الغضب والحميّة المتطرّفة وفقدان ضبط النفس. فالجهل هنا يطابق الصفات المقرونة بعصر الجاهليّة والتي تتنافى مع الحلم.

والعقّال هم حفظة العقيدة لأنّ لهم وحدهم قراءة وتفسير الكتب الدينيّة. وهم يرشدون الجهّال إلى السلوك الذي يؤهّلهم للاطّلاع على هذه الكتب والاشتراك في العبادة التي تُقام في المجلس ليلة الجمعة وحضور اجتماعات أخرى حيث تُقرأ الكتب الدينيّة وتُبحث المسائل الروحانيّة. إنّ تعليم الآخرين الحكمة واجب ديني، إنّه وجه من وجوه التكافل الذي توصي به العقيدة. والجاهل الذي يسعى للدخول في صحبة العقّال عليه أن يمضي فترة امتحان يتحقّق أثناءها شيوخ بلدته من صلاحه وزكاء سيرته. وإذا انحرف العاقل عن نمط السلوك المتعارف عليه يُبعد أي يُحرَّم عليه قراءة كتب الدين ويُمنع من حضور الاجتماعات الدينيّة. والإبعاد رادع عن الانحراف قويّ إذ يحمل في طيّاته وصمة عار تأثيرها بالغ في مجتمع صغير ومتضامن. وصف السيد عبد الله التنوخي (ق) ما يصيب المُبعَد من الهمّ والغمّ ما يوازي نزع روحه نتيجة انقطاعه عن مرشده وحجب حكمة التوحيد عنه وهجرانه من شيخه وإخوانه والغضب عليه وإشهاره مطرودًا مبعودًا.

وللعقّال نفوذ واسع في المجتمع الدرزي، فهم يراقبون بحرص الأخلاقيّات والتصرّفات، كما أنّ لهم صوتًا مسموعًا في الشؤون الزمنيّة. وللعقّال دور كبير في صنع السلام، فبواسطتهم كثيرًا ما سُوّيت منازعات وعولجت عداوات وتمّت مصالحات بين العائلات والجماعات المتخاصمة. وكان يُستعاض غالبًا بدور العقّال التوفيقيّ عن اللجوء إلى المحاكم للفصل في الادّعاءات المتضاربة والمتعلّقة بحدود الملكيّة وحقوق مياه الريّ والميراث وغيرها من الشؤون العائليّة القرويّة. فقد كان العقّال قوّة توحيديّة ساهمت في تضامن المجتمع الدرزيّ.

ومع حرصهم على السلام فقد قاتل العقّال في صفوف الشعب في معارك الحريّة والاستقلال، فمثلًا الشيخ حسين الهجري الزعيم الدينّي البارز في حوران كان من أبطال الحروب ضد إبراهيم باشا؟

وكان نفوذ العقّال واحترام الناس لهم عاملًا في كبح جماح السلطة التعسُّفيّة للحُكّام والزعماء الاقطاعيين. فلمّا حاول الأمير يوسف شهاب سنة 1780 فرض ضريبة جديدة إضافة على الضرائب التي كان جباها، عقد عقّال البلاد اجتماعًا في السمقانيّة وساروا بقيادة شيخ العقل يوسف أبو شقرا إلى دير القمر مقرّ الأمير. فلمّا دخلوا عليه شكوا من حالة فقر البلاد وهدّدوه بما سيكون من عواقب. فقال لهم الأمير للشيخ يوسف: إن البلاد لا تتّسع ليوسفيْن. فأجاب الشيخ: “المنضاق يرحل”. ودقّ بعصاه على البلاط وفعل فعله الشيوخ الآخرون حتّى ارتجّت السراي وتركوه وهو بغاية الخوف منهم.

وبعض العقّال ينقطع إلى مكان خارج القرية يُدعى خلوة حيث يعيش حياة النسّاك الزاهدين. وأشهر هؤلاء الزهاد الشيخ الفاضل محمد أبو هلال المتوفى سنة 1640م/ 1050ه.

يوجد خلوة في كلّ قرية درزيّة تقريبًا، ومؤسّس الخلوة يوقف عليها بعض الأملاك لصيانتها وغالبًا يخصّص في الوصايا هبات للخلوة والمجلس في قرية الموصي.

ومن المعروف عن الدروز المحافظة على الأنساب، ففيهم أمراء ومقدّمون ومشايخ وأعيان، ومن المشايخ خمس أسر كانت تتولّى إقطاعات، والكثرة من العامّة. وجرت العادة ان تتزوّج كلّ فئة فيما بينها، ولكن نظرًا إلى العوامل الأساسيّة الموحدّة فالكلّ تجمعهم خصائص مشتركة.

إن الالتزامات المتبادَلة تقرّر العلاقة بين الزعماء وأفراد المجتمع. ففي الحرب يتقدّم الزعماء المقاتلون ويضربون مثلًا يُحتذى في الشجاعة والجرأة، ويسير الناس خلفهم في نظام وطاعة واثقين بقادتهم وشاعرين بوحدة مصالحهم.

ومن مستلزمات الزعامة حسن الضيافة وهي صفة درزيّة عامّة. وعن هذه الصفة كتب فولني الرحالة الشهير: “إنّ كل من يقرع بابهم يكون واثقًا من الحصول على المأوى والطعام بسخاء وأريحية”. والضيافة قد تشمل منح اللجوء لطالبي الحماية، وحماية المستجير التزام مقدّس فلا يمكن التخلّي عنه ولو عرّض المجير حياته للخطر وأملاكه على الدمار، ولا يمكن تسليم المستجير أبدًا.

ومن صفات الدروز الشعور بالكرامة، يشترك فيها الرفيع منهم والوضيع. فهي صفة قوم أحرار. كما أن علاقاتهم مع زعمائهم تقوم على المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل بعيدًا عن الخنوع.

وللاحتشام واللياقة في الكلام والكياسة والآداب والمظهر والسلوك أهميّة كبيرة عندهم، ومشهور عندهم حفظ اللسان عن التفوّه بفاحش الكلام. وبالنسبة لمجتمع ريفيّ يعيش في مناطق معزولة نسبيًّا فإنّ دماثة الدروز تجاه الأجانب صفة جديرة بالذكر، فالطمأنينة التي يلتقون بها الأجانب والمودّة التي يظهرونها للغرباء هي صفات شعب واثق من نفسه.


الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين (عن صفحة دروزبيديا مع الشكر)

الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين؛ أكاديميّة درزيّة طلائعيّة، مؤرّخة وكاتبة وضعت العديد من المؤلّفات الأكاديميّة في تاريخ الشّرق الأوسط، عمومًا، وتاريخ الموحّدين الدّروز على وجه الخصوص. والدها هو الدّكتور مصطفى أبو عزّ الدّين، ووالدتها هي حليمة ابنة سليمان شقير. نشأت الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين لأُسرة عريقة اشتهرت بكثرة مثقَّفيها وبدَوْرها الرّياديّ في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة للموحّدين الدّروز في لبنان.

وُلدت الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين عام 1908م. في العبّاديّة، موطن الأُسرة، وتلقّت دراستها الابتدائيّة والثّانويّة في كلّيّة بيروت للبنات (لاحقًا: كلّيّة بيروت الجامعيّة)، في العاصمة بيروت. بعدها انطلقت في دراستها الجامعيّة، بتشجيع من والدها، والتحقت بالجامعة الأمريكيّة في بيروت أيضًا. وبعد ذلك سافرت إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، حيث حازت على شهادة الدّكتوراة من جامعة شيكاغو. وبعد حصولها على شهادة الدّكتوراة عملت في التّدريس، في لبنان وخارجه، وكانت ضالعة في العمل السّياسيّ؛ إذ اشتركت في إنشاء المكتب العربيّ التّابع لجامعة الدّول العربيّة في واشنطن.

وضعت الدّكتورة نجلاء جُملة من المؤلّفات التّاريخيّة في مجالات متعدّدة تتعلّق بقضايا تاريخيّة معاصرة، خاصّة في الشّرق الأوسط والمنطقة العربيّة. ومن أهم مؤلّفاتها الّتي وُضعت باللّغة الإنجليزيّة ومن ثمّ تُرجمت إلى العربيّة نذكر: دراسة عن الرّئيس جمال عبد النّاصر والعرب، صدرت بالفرنسيّة في بيروت عام 1975 م. وصدرت ترجمتها عن مكتبة مدبولي في القاهرة عام 1981 م.، دراسة عن العالم العربيّ في الماضي والحاضر والمستقبل، صدرت باللّغة الإنجليزيّة في شيكاغو عام 1953 م.، وبالعربيّة بعنوان “العالم العربيّ” في القاهرة عن دار إحياء الكتب العربيّة، عام 1957 م.، وكذلك كتاب الدّروز في التّاريخ الّذي صدر باللّغة الإنجليزيّة عن مؤسّسة بريل في مدينة لايدن الهولنديّة عام 1984 م.، وصدر بالعربيّة عن دار العلم للملايين في بيروت، عام 1985 م.، ويبدو أنّ كتابها عن الدّروز يستند الى أطروحة الدّكتوراة الّتي قدّمتها، عام 1934 م.، والّتي تتناول تاريخ الدّروز مع التّركيز على أصولهم العربيّة، وهو يضمّ تاريخ الموحّدين الدّروز منذ انطلاق الدّعوة إلى مذهب التّوحيد في مصر الفاطميّة، في بداية القرن الميلاديّ الحادي عشر، حتّى أيّامنا، ويشمل فصولًا تسرد مراحل تأسيس الدّعوة ونشرها والقائمين بها، وكما تتطرّق إلى المرأة الموحّدة الدّرزيّة، وإلى بعضٍ من الجوانب العسكريّة والمذهبيّة في تاريخ الطّائفة. وفي الواقع فإنّ الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين كانت السّيّدة العربيّة الأولى الّتي تفوز بشهادة دكتوراة من جامعة شيكاغو.

تُعدّ الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين بين الشّخصيّات النّسائيّة الطّلائعيّة الّتي أحدثت تغييرًا في المجتمع الدّرزيّ، في لبنان، من خلال مسيرتها الأكاديميّة، حيث كانت من السّبّاقات والرّائدات في التّحصيل الأكاديميّ، الأمر الّذي يحمل معه تعزيزًا لمكانة المرأة في المجتمع الدّرزيّ، وعلى ذلك يمكن القول إنّ الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين هي علَم نسائيّ بارز لدى الدّروز في لبنان، على وجه الخصوص، وفي العالم على وجه العموم. توفّى الله تعالى الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين عام 2008 م.

مقالات ذات صلة:

نشاطات طائفية – العدد 155

موقف لذكرى فقيد أهل الدّين التّقيّ المرحوم الشّيخ أبي زين الدّين حسن الحلبي في موقف مهيب ومؤثّر، حضر ظهر  الأربعاء