الموقع قيد التحديث!

“الكنز الذي وهبني إياه المرحوم جدّي” – رسالة خاصة للأجداد والجّدات

بقلم الكاتبة شهربان معدي – يركا
خاطرة منتقاة من كتابها الجديد: “أمومة مشرقة وأطفال سُعداء”
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

“جدّي، معلّمي الأول.. الذي غرس في كياني محبّة اللغة العربيّة.. وحكاياته الجميلة، كانت البذرة الأُولى التي زرعت في وجداني، حُبّ الأبجدية.”

أعوامٌ كثيرة مضت.. ولكن ما زالت هذه الذكريات تغفو على وسادتي، كطفلة مُدلّلة، وتدغدغ مخيّلتي، كنسمة صيف عابرة، تحملها ريح الشّمال..  وتكبر بحجم أيّامي التي رحلت، وبحجم حنيني الكبير إليها..  ليتني أغمض عينيّ ولو لبرهة، وأعود لبيت جدّي القديم، الذي بناه بسواعد السنديان، وعرق الجبين من حجارة الصوّان المقطوعة من صخر قريتي العريقة؛ المعروفة بكرم أهلها وعنادهم أمام عواصف الزمان، وكم أنا مشتاقةٌ لغرفته القِبليّة، التي كان ينتقل إليها هو وجدتي، كلّ شتاء، هربًا من لفحات البرد القارس وصقيع كوانين، وما زالت تزكم أنفي رائحة الفِراش الصوفيّ السميك ومساند القشّ الصغيرة، الملوّنة، التي كنّا نبني منها بيوتًا وقصورًا، رغم تأفُّف جدّتي، وتذمُّرها.. وما زالت تتأرجح في مخيّلتي، صورة جدّي الملتفّ بعباءته الكشمير، الجالس في الزاوية الصغيرة، بجانب شبّاك السّرّ، يعتمر لفّته النّاصعة البياض، والتي لم تكن تبارح رأسه إلاّ ساعات النوم، إيه يا جدّي، ليتني أحظى ولو بقيلولة قصيرة بين طيّات عباءتك الخشنة المنسوجة من خيوط الصبر والجلادة، المرصّعة بجواهر الحكمة، المطرّزة بسحر البيان وزمرّد البلاغة.

جدّي لم يدخل أيّ مدرسة، ولم يحظَ بأيّ لقب، ولكنّه حفظ الكثير من كنوز الحكمة الشريفة عن ظهر قلب، في طيّات صدره الطاهر، خبّأها.. وبروح إيمانه العميق، صانها.. وحدث ذلك، بفضل أخته الوحيدة، سعْدى، التي علّمته أن يفكّ الحرف، على ضوء سراج خافت، بواسطة لوح من الصفيح، وطبشور من محرقة القرية التي كانوا يستخرجون منها الكلس، كي يرشقوا به حيطان بيوتهم الطينيّة عندما كان يُهاجمهم البق والبراغيث، أو على أبواب الأعياد، وكان يحدث كلّ ذلك؟ وفق الحاجة..

جدي كان رجلًا عصاميًّا، واكب الحكم التركي والانتداب البريطانيّ، وفي أيام الهجيج “النكبة” فتح بيته كسائر أهل قريتي لعائلات النازحين من القُرى المُجاورة، التي استضافتهم عدّة أشهر، وأجبر أُمي وخالاتي أن يناموا على السّدة، ريثما تنقشع غمامة الحرب، ويعود اللاجئين إلى ديارهم.

حافظ على كلّ شبر وفتر من أرضه، وفي زمن الأتراك، أُجبر أسوة بسائر شباب القرية، أن ينضمّ للجيش التركيّ في حملة السفربرلك؛ التي كان الذاهب إليها مفقود، والعائد منها مولود، ولكن كُتبت له حياة جديدة، عندما هرب مع صديقه مشّيًا على الأقدام، من بلاد الأناضول، قافلًا لمسقط رأسه، وفي هذه الرحلة المُضنية، عانى من الجوع والعطش، وتعرّض للسرقة والضرب من قِبل قطّاع طرق، ولاحقه الدَرَكْ التركيّ كباقي الفرارية، الذين كانوا يختبئون في الجبال الوعرة، بعيدًا عن أهلهم وعوائلهم، لطالما حدّثني عن تلك الفترة العصيبة، وعن الجوع والعطش الشديديْن اللذيْن عانى منهما، واللذان سبّبا له جرح في معدته، رافقه حتّى الممات.

قطّ لن أنسى وجهه الأبيض الجميل، وعيونه السوداء الوسيعة التي كانت تتّقد بالذكاء والحكمة والشجاعة، وكنّا نقضي غالبيّة فصل الشتاء ملتّفين حول موقدة الحطب الطينيّة الذي كانت تجتهد جدتي بأن تبقى مشتعلة طيلة النهار، وكل ساعات المساء، خوفًا على أجسادنا الصغيرة من لسعات البرد، وأمراض الشّتاء الذي كان بالنسبة له ولسائر أهل الخير، أيّام ربيع “الشتاء ربيع الموحِّدين” وبالنسبة لنا نحن الصغار؛ أيّام أفراح وأعياد وقصص وحكايا وحفنات قضامة وأقراص زلابية مرشوشة بالسكّر.

عندما كان يبدأ جدّي بسرد القصص والوعظ الدينيّ بصوته الدافئ الحنون، ولغته العربيّة الفُصحى، التي لم تتداخل معها أيّ لغة أخرى؛ كنّا نجلس القرفصاء أمامه مكتوفي الأيدي، وكأنّه هبط على رؤوسنا الطير، لا نجرؤ على القيام بأيّ حركة مُزعجة، أو التفوُّه ببنت شفة، تُغضبه ونخسر معها الحكاية.

لُغتي العربية الجميلة، هي الحديقة الغنّاء التي قطفت منها أزهار أبجديّتي الخالدة، يعود الفضل بها لجدّي الراحل، وحكاياته الشيّقة؛ الهادفة، التي كانت بالنسبة لي ولسائر إخوتي، أطْيَب من فاكهة الشتاء، وأفخر من نُقلية العيد، وأحلى من شراب الصيف المثلّج، هذه الحكايات، زرعت بي البذرة الأُولى لمحبّة لغتي، والشغف بالقراءة والتوثيق، وعلّمتني حُسن الإصغاء، وسِعة الصدر، وعزّزت بي حلاوة الإيمان، ومحبّة أهل الخير والاستفادة من مآثرهم..


*رسالتي للأجداد والجدات؛ لا تبخلوا على أحفادكم بوقتكم الثّمين، هم أحقّ وأولى بكم من ساعات كثيرة تُنفقوها هباءً على هواتفكم الخلويّة، لا تحاولوا تعويضهم بحفنة حلوى أو عدّة شواقل؛ فكلّ نقود العالم لن تعوِّضهم على إغفاءة قصيرة في حُضن الجدّة، أو جولة صغيرة برفقة الجدّ، قول المثل المأثور “ما أعزّ من الولد إلاّ ولد الولد” لا تستخفّوا بدوركم الإيجابيّ والبنّاء في سبيل الارتقاء بهم لأعلى درجات المراتب، استغلّوا هذه اللحظات الذهبيّة وارتقوا معهم بالمطالعة والقراءة.. كي نسمو سوية نحو مجتمع أفضل وعالم أكمل.

مقالات ذات صلة:

السيدة خولة جنبلاط، أرملة الشيخ بشير جنبلاط ترفض مقابلة والي عكا عبد الله باشا في عكا وتصر أن تلقاه في بيت الرئيس الروحي للطائفة الشيخ سليمان طريف

السيدة خولة جنبلاط هي الزوجة الثانية للزعيم الدرزي الكبير الشيخ بشير جنبلاط الذي يُعتبر الشخصية التاريخية الثانية بعد الأمير فخر

شعر: نواطير الثّلج…

كانوا هنا يتجولون بين رؤى الشّمس، وغمار البيادر يتمرّغون كحجال الجبال، في سماء الشرق.. ومع رفوف الدَرَجِ، يتنقلون… بين وطن