الموقع قيد التحديث!

الدّين والأخلاق عِمادُ المجتمع

بقلم الأستاذ الشيخ يوسف سعيد ابو يوسف
يركا
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

أَيُّ مجتمعٍ بشريّ، أيًّا كانتْ تركيبتُه الدّيموغرافيّة، وأَيّاً كانَ موقعه الجغرافيّ، لا يُمكن أنْ تقومَ له قائمة ويَستحيل بقاؤُه واستمراره على وجه البسيطة، إذا لم تعتمدْ كينونته على ركيزتَيْن أساسيّتين هما: الدّين والأخلاق. وهناك ركائز أخرى هامّة، كالعادات والتّقاليد والأعراف والتّعليم والتّواصل الاِجتماعيّ، وٰلكنّها في نظري أقلُّ شأناً أو أهمّيّةً من الدّين والأخلاق، ما دُمنا نتحدّث عن مجمتع بشريّ يتحلّى بكلّ سِمات الإنسانيّة.

لو نظرنا إلى المعنى الحرفيّ لهاتَيْن الكلمتَيْن (الدّين والأخلاق) لوجدنا أنَّ الدّين من الفعل دَانَ-يَدينُ أي خَضَع-يخضعُ، والخُضوع هنا بمعنى الطّاعة. وإذا كانتْ نفسُ الإنسان أمّارةً بالسّوء، كما جاء على لِسانِه تَعالى، وأخبث من تسعين شيطان، على حدّ قول بعض العارفين، فلا بُدَّ لها من طاعةٍ هي أشبهُ بقناعةٍ ذاتيّة، تهذّب جوارح صاحبها الإنسان، وتضعُ حدّاً لشهواته ونزوَاته في باب الجِهاد الأصغر (النّفس دواها في مخالفة هواها) وتُغلّب الخير فيه على الشّرّ، فٱبن آدم مجبول من طينة النّقص والضّعف.

وهٰذه الطّاعة الذّاتيّة لا تعني شيئاً، إذا لم تُترجم إلى ما هو عمليّ: كالعبادة والطُّقوس الدّينيّة وأَداء الفُروض الواجبة، والنَّهل من خلال ذٰلك من معين المعرفة التّوحيديّة الّتي تصقُلُ شخصيّة الموحّد العارف، وتجعله يسمُو ويرقى بفكره وأخلاقه إلى المقام الأعلى. فالمعرفة أساسُ الخير جميعه، والجهل أكبر عدوّ للإنسان، ومَن لا يعرف لا يمكنه فعل الخير. وأهمُّ أنواعِ المعرفة معرفةُ النّفس وعلّة وجودها. ألَمْ يقل سُقراط الحكيم: “اِعرف نفسك أيّها الإنسان”. فمَن عرف نفسه، لماذا خُلقت في هٰذا الكون، وما هي واجباتها الأساسيّة، عرفَ ربَّه وعِلّة وجوده وحياته في هٰذا الكون. وهٰذا يعني أَنَّ أُولى واجبات النّفس البشريّة عبادة الخالق الّذي خلقها، خلق الإنسان عموماً، روحاً وجسماً وعقلاً وحواسَّ، فنحنُ نَعقلُ، نُبصر، نسمعُ، نشمّ، نُحسّ ونتذوّقُ، وهٰذه نِعمٌ من اللّه عزَّ وجلّ، علينا جميعاً أن نُقدّر قيمتها وأهمّيّتها في ممارسة حياتنا الطّبيعيّة، ونحمد اللّه تعالى عليها، فنحنُ لا نعرف قيمتها، إلا إذا قُدِّر علينا- لا سمح الله- أن نكون فيما هو نقيضُها، أي أنْ نعيش حالاتٍ مناقضةً لتلك الّتي ذُكرت.

يتّضح ممّا تقدّم، أنَّ للدّين كرادعٍ أخلاقيّ، أهمّيّةً كبرى في صوْنِ المجتمع وتعزيز أركانه، وقد أدركَ هٰذه الأهمّيّة، الكثير من الحكّام والملوك والأباطرة عبر العصور، وحاولوا استغلالها لدعم وتعزيز عُروشهم، فنابليون بونابرت على سبيل المثال، القائد العظيم الّذي دانتْ له عروش أوروبّا، لم يكن مؤمناً، وكان يسخر مِن الإكليروس، إلا أنَّه وبذكائه الحادّ وقّع على اتّفاق (كونكورداتو) مع الحَبْر الأعظم، يصون شأن الدّين في بلاده ويعتبره ركيزة أساسيّة، وذٰلك لإضْفاء الصّبغة الشّرعيّة على حُكمه شِبه المُطلَق.

ما يُميّز ديننا التّوحيديّ، أنّه دِين حَنِيف، يدعو للإيمان بإلهٍ واحدٍ أحد، فَرْدٍ صَمَد لم يَلِدْ ولم يُولد. وأنّه دينٌ عقلانيّ فلسفيّ، يدعو إلى تغليب العقل الرّاجح على العواطف الهوجاء، وتحكيمه والمنطقَ السّليم قبل التّفوُّه ببِنْت شَفَة، أو القيام بأيّ عمل. وقد قال فيلسوف الشّعراء أبو العلاء المعريّ:

كذبَ الظّنّ لا إمامَ سوى اﻟﻌﻘل مُشيراً في صبحهِ والمساء

فإذا ما أطعتَه جَلبَ الرّحمةَ عند المسيرِ الإرساء

إذا تمعنّا في جملة البَسْمَلَة (بِسمِ الله الرحمٰن الرّحيم) رأينا أنّها مفتاح الحياة في كلِّ صغيرة وكبيرة، وحَرِيٌّ بنا ألا نقوم بأيّ عمل أو نشاط قبل ذكرها، فهي تنطوي على أسرارٍ كثيرة، وحسبنا أن نقول إنّها تبدأ بباء الاستعانه بالله عزّ وجلّ، فأنت حين تقول: “بسْم الله الرحمٰن الرّحيم” فإنّك إنّما تستعين بالله سبحانه وتعالى، وهل أجلُّ من أن تستعين بخالق السّماوات والأرض؟؟ لا يوجد في أيّ لُغة في العالم تعبيرٌ أبلغ من هٰذا التّعبير. وكذٰلك عبارة “الحمدلله” بهذا التّركيب الرّصين، لا يوجد لها أيّ مثيل في كلِّ اللّغات. وأخيراً كم صَدق الشّاعر حين قال:

إذا صَحّ دينُ المرْءِ واعْتلّ جسمُه

شِفاه قريبٌ والسّقام يزولُ

وإن صَحّ جسمُ المرءِ واعْتلّ دينُه

فذَاكَ على طولِ الزّمان عليل

أمّا الأخلاقُ فجمعٌ لكلمة خُلُق، والخُلُقُ هو السّجيّة أو الطّبع الّذي طُبِع وجُبِل عليه الإنسان، وبما أنّ ناموس الحياة قائم على التّضادّ، أي الشّيء وضدّه، فهناك أخلاقٌ حميدةٌ كالكرم والحياء والوفاء، وهناكَ أخلاقٌ ذميمةٌ كالبُخل وقلّة الحياء والخيانة. وقد خاطب الله تعالى رسوله الأكرم بقوله: “إنّك لَعلَى خُلقٍ عظيمٍ” فما أروعَ أنْ يُقال: فلانٌ كريمُ الأخلاق، وما أقبح أن يُقال العكس: فلانٌ ذميمُ الأخلاق. الأخلاق الكريمةُ الحميدةُ إذنْ، زينة المرء وهيبتُه، ومَن تحلّى بحميد الأخلاق وسامي الخِلال، تجمّل بالوَقار، ونال كلَّ احترام واعتبار. وما أجملَ أنْ تظلَّ هٰذه الأخلاق السّامية هالةً منيرةً تُحيطُ بصاحبها على ممرّ اللّيالي والأيّام، رَغمَ تقلّب الظّروف والأحوال، وضيق سُبُل العيش أحياناً، بحيث تظلّ أخلاقاً سَنيّةً تنعكسُ أنواراً بهيّةً على مُحيّا صاحبها، فتبرزُ في أقواله وأفعاله الّتي تصدر عنه في هدوءٍ واتّزان وتعقُّل ورزانة، بعيداً عن الاِندفاع والطّيْش، فتغدو الحياةُ مَعَ هٰذا النّموذج البشريّ إنسانيّةً رائعةً. ولطالما تغنّى الشّعراء بالأخلاق الحميدة وأكّدوا على أهمّيّتها في حياة الأمم والشّعوب، فقالوا:

وليسَ بعامرٍ بنيانُ قومٍ           إذا أخلاقهم كانتْ خرابا

إنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقِيَت         فإنْ هُم ذهبتْ أخلاقُهم ذهبُوا

إذا أُصِيبَ القَومُ في أخلاقهم          فأقِمْ عليهم مأتماً وعويلا

وقد قيل: “مكارمُ الأخلاق عَشْرُ خصالٍ: الصّدقُ، الحياءُ، السّخاءُ، التّواضعُ، الوَفاءُ، الشّجاعةُ، الصّبرُ، الحِلمُ، الغيرةُ، والشّكرُ” وعن كلِّ واحدة من هٰذه الخِصَال، يمكن أن نكتب عشرات الأسطر، لنبيّن قيمتها وضرورة تحلّي الإنسان بها، وٰلكن على سبيل الاختصار نقول: الصّدقُ مَنْجَاةٌ، والحياءُ حُلَّةُ جمال وحِلْيةُ كمال، والسّخاء/الكرم ستّار العيوب، والتّواضعُ رِفعة، والوفاءُ معدِنُ الضّمير، والشّجاعةُ رجولةٌ (الديّان شُجاع غير جَبَان) والصّبر مطيّة المؤمنين، والحِلْمُ سيّد الأخلاق، وفي الغَيْرةِ نخوة الرِّجال، والشّكر دليل الطّاعة والعرفانِ.

وأخيراً نَستشهدُ بأقوال المعلّم الكبير كمال جنبلاط، حيث قال: “يُفترض أنْ يكون للفرد نظامٌ للأخلاق والمناقبيّة في داخله، وفي علاقاته مع الآخرين، فالنّظامان: نظام الأخلاق ونظام المجتمع متلازمانِ متّصلانِ، لا يقومُ أحدهما بدون الآخر، وإلا سقط الفَردُ وفَسَدَ المجتمع، واضمحلّت الحضارة وتَبِعَتْها في اضمحلاها جميع مكاسبها المادّيّة”. وله قولٌ هامٌّ آخر، علينا أنْ نتذكّره دائماً، وخاصّةً في هٰذه الأيّام، وهو: “إذا خُيّرَ الإنسانُ بين حزبه وضميره، فعليه أن يختار ضميرَه لا حزبَه، لأنّه يستطيع أن يعيش بدون حزب، ولكنّه لا يستطيع أن يحيا بكرامة بدون ضمير حيّ”. وختاماً، ما أحوجنا في هٰذه الأيّام الّتي يلفُّها ضبابُ الغموض، إلى الاِنضواء تحت لواء الدّين الحنيف الشّريف، إلى جانب التّحلّي بالأخلاق السّامية وبالمناقب الحميدة. والله تعالى وليّ التّوفيق.

مقالات ذات صلة: