الموقع قيد التحديث!

الديانة الهرمسية

بقلم الدكتور رضوان منصور
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

تُعدّ الديانة الهرمسيّة أوّل ديانة فلسفيّة في تاريخ الثقافة الإنسانيّة المتعارف عليها، تعود جذورها إلى عهد الطوفان وهناك اعتقاد أنّ هرمس قد تواجد في مصر الفرعونيّة التي سبقت بنحو ألفيّ سنة، ولادة التيّار النورانيّ في الفلسفة اليونانيّة الذي ظهر في الديانة الأُرفية السرّيّة عن يد مؤسِّس المذهب زينون المتوفي سنة 264 ق.م وقبل فلسفة فيثاغورس في القرن السادس قبل ولادة السيد المسيح، وسبقت الإشراقيّ الأكبر في الفلسفة اليونانيّة أفلاطون (428 – 348 ق.م) كما وسبقت أفلوطين في القرن الثالث الميلادي (279 – 205 م.).

وهرمس هو اسم الإله المصري ثوث Thoth الذي تبناّه لاحقًا اليونانيّون بكل مواصفاته وأسموه هرمس الهرامسة بما معناه إله الحكمة الخفيّة وعرفوه بالمفكِّر وبحكيم الحكماء وعالم الأسرار. ويُعتَقد أنّه تجلّي الإله “رع” على الأرض وهو مؤسِّس النظام الاجتماعي على القواعد الأخلاقيّة. له ألقاب عديدة مثل ثلاثي الشِعَب العظمى: الحياة، المادّة والطاقة. و”عين النور والإثبات” وهي إشارة صوفيّة لنقل مشاهدة الباري (النور). وتُعتبر الديانة الهرمسيّة نقطة تقاطع والتقاء بين الدين والفلسفة وتمازُج العلم والحكمة.

والمضامين المعرفيّة الصوفيّة الهرمسيّة لها ظهور لاحق في الأفلاطونيّة الحديثة وفي الرواقيّة والأبيقوريّة (مدارس مذهبيّة سادت في ساحة روما الفكريّة بعد انتقال الثقافة من أثينا إلى الإسكندريّة). ترك لنا هرمس 17 بحثًا اتّسمت بالصوفيّة والسرد لعمليّة التطهُّر من المرحلة الحسيّة والارتقاء بها إلى المرحلة الروحانيّة واضعًا الإنسان في موقع اكتساب المعرفة والعرفان بالعلم والعمل معًا. وآمنت الهرمسيّة بمبدأ التحوُّل من مادّة كثيفة إلى طاقة لطيفة وجمعت بين الحركيّة ومبدأ الواحد الثابت أو بمبدأ إبداع المُحرِّك الذي لا يتحرَّك كما وصفه أرسطو.

والعلم، العمل، المعرفة والنشاط تظهر كثلاثة قواسم مشتركة بين ديانة هرمس وفلسفة فيثاغورس والأفلاطونيّة الدينيّة. والهرمسيّة تحوّل المعرفة إلى تجربة وممارسة حياتيّة كما وأنّ الإنسان يعيش الحكمة في تجربة وجوديّة كاملة لكنّ المعرفيّة جُزئيّة ولا ينظُمها في رؤية كليّة. هذا التوجُّه يتجسَّد بقول هرمس ” ﻻ تختفي يا نفس بكيفيّات الأشياء وقدرها وإنما بماهيّتها”, “واقتني يا نفس العلم قبل العمل، ومعرفة الثمرة قبل غرس الشجرة” ثم “وما خُلِقَ الإنسان إلّا للعلم والعمل به كما الثمرة الطيِّبة ما خُلِقَتْ إلّا لكي تؤكل”.

أمّا العقل النورانّي في الهرمسية فهو يشبه “الخير الفائض” لدى أفلوطين أو المثال الأعلى لدى أفلاطون وكحدّ تعريف هرمس “إذ يُستدل على المصور من الصورة وعلى ما خفي بما ظهر” على ما يبدو أنّ هذه المقولة المعرفيّة ترمز إلى التجلّي الإلهي وهي توفِّق بين الدين، والفلسفة، والعلم كوحدةٍ واحدةٍ.

وخلافًا لخطاب خلود الروح بإبقاء الجسد كاملًا محفوظًا وكإنهّما طبيعة واحدة، كما اعتبرها الفراعنة القدماء وسَعوا إلى تحنيط الجسد إيمانًا بأنّ الروح عائدة إليه في مرحلة ما. المفارقة والاغتراب بين الاثنين، بين الروح والجسد يأخذ حيّزًا مركزيًّا في الحركة الفكريّة الهرمسيّة، كما هو الحال في الفلسفة اليونانيّة لاحقًا، وهو مفارقة واغتراب بين الطبيعة والطبيعيّ، بين البسيط عن المركب وبين اللطيف عن الكثيف، بين الروحانيّ وبين الجسديّ الميتافيزيقيّ عن الفيزيقيّ الدنيويّ. وهو بمثابة تحقيق معادلة ومطابقة لثنائيّة روح وجسد بين ضديّة وتنافر. فالروح قائمة غير قابلة للتفكيك، قائمة بحدّ ذاتها لا تتغيّر ولا تتعدَّد، أمّا الجسد فمتعدِّد وقابل للإعلال، وغير قائم بحدّ ذاته. الروح علويّة والجسد سفليّ قد التقيا لقاء السجين والسجّان. والروح تصبو إلى المعرفة كي تتحرّر وجوهرها الروحانيّ يسمو بها إلى أعلى بينما الجسد يتّجه إلى ترابه الأسفل.

والعلاقة هنا طرديّة وتنافريّة في جدلية تعايش الروح مع الجسد، بمثابة كبت رغبات الجسد في الحياة والتي هي شبيهة بقتل الجسد حيّاً لتحيا الروح. فإمّا أن تنتقل إلى جسد آخر من كثيف إلى كثيف وإمّا أن تخلد في نهاية أمرها إلى مصدرها. والخروج من حالة الاغتراب الروحّي – جسديّ، يتمّ باستقلال الروح عن الجسد وخروجها من الدنيا وهذا يتجسّد في قول هرمس: “وتهذبي يا نفس من أوزار جسمك، وتنقّي من الأشياء المخالِفة لجوهرك المبطئة بك عن سرعة الرجوع إلى عالمك وإلى أصلك”. وقوله: ” يا نفس، إن القمر نيرٌ ما دام نور الشمس واردًا إليه، فإذا عرَض له أن يحوّل بينهما ظلّ الأرض، انخسف وأظلم، كذلك النفس، ما ورد إليها نور العقل فهي مضيئة نيّرة، فإذا توسّطت أسباب الكون والفساد، حيل بينهما، فَعدِمت النفس نورها”.

وعمليّة الخروج من الاغتراب التي تعيشه الروح في الجسد مستمرّة فالحياة عبارة عن رحلة لخروج الروح مُفارقةً الجسد، بين احتياجات الجسد وبين العودة إلى أصلها، إلى أن تعي الروح الراشدة أن إلهًا في داخلها، حينها “تستقرّ الروح في موقع أصلها وتستريح من شقاء الغربة وذلها”، والموت يعيد كُلاً من الروح والجسد الى أصلهما، النور يسمو إلى أعلى والتراب يهبط إلى التراب.

إذا تأمّلنا مليًّا، نجد أن الهرمسية كمبادئ موجودة في عمق كلّ الديانات من الأسيويّة الشرقيّة كهندوسيَّة وطاويَّة وبوذيَّة إلى الديانات الشرق أوسطيّة من يهوديّة ومسيحيّة وإسلام وغيرها، مرورًا بديانات الشعوب الأصليّة في الأمريكيتيْن وإفريقيا وأوروبا وأستراليا بدرجات متفارقة.

ويُعتبر هرمس إله الكتابة والمعارف الإلهيَّة وسُمّي بثلاثيّ العظمة أو تريسماجستس. اعتُمدت أفكاره ومبادئه وحكمته من خلال تلامذته، وكان نقلها شفهيًّا لعدَّة أسباب أحدها أنَّها كانت الطريقة المتَّبعة والشائعة بشكل عام، وثانيها عدم تطوُّر الطرق الكتابيَّة، وثالثها الخوف من الاضطهاد من قبل المذاهب الدينيةّ المسيطرة، ورابعها الخوف من تذليل وتمييع المبادئ إن وضعت بشكل كتابيّ.

 والجانب الفلسفيّ للديانة الهرمسية يقوم على 7 مبادئ أساسيّة هي:

–   أوّلاً: مبدأ العقلانيّة المطلقة Mentalism: وهو أن الكون بأكمله هو إبداع عقليٌّ مطلق من اللّه عزَّ وجلَّ حيث لا يخفى عنه خافٍ.

–   ثانيًا: مبدأ الترابط Correspondence: ترابط بين عالمين، كما في الأسفل، كذلك في الأعلى.

–   ثالثًا: مبدأ الاهتزاز Vibration: لا شيء ساكن، كلُّ شيء يتحرَّك، كلُّ شيء يهتزُّ.

–   رابعًا: مبدأ القطبيّة Polarity: كلّ شيء ثنائيّ. كلّ شيء له قطبان. له وجهان متضادان. المشابه والمغاير. والمتضادان لهما نفس الجوهر، ولكن يختلفان بالنسب. المتضادان يلتقيان. الحقائق هي أنصاف حقائق ويمكن التوفيق بين جميع الأضداد.

–   خامسًا: مبدأ الإيقاع Rhythm: كلّ شيء له إيقاع معين، كلّ شيء يصعد ويهبط ويعمل بشكل موجي معيَّن.

–   سادسًا: مبدأ السبب والنتيجة Cause and effect: كلّ سبب له نتيجة، وكل نتيجة لها سببها. كل شيء يحدث نتيجة قانون. الصدفة معدومة. هناك عدّة مستويات للأسباب والنتائج، ولكن لا شيء يخرج عن هذا القانون.

–   سابعًا: مبدأ النوع أو الجنس Gender: الجنس موجود في كل الكائنات. كلّ شيء له ذكريّته وأُنثويّته، في كلّ المستويات الفيزيقيّ، الجسديّ، العقليّ والعاطفيّ.

والحياة الأرضيَّة وفق الهرمسية تُعطي فرصة ذهبيَّة للارتقاء بالطاقة والنفس والعقل إلى مستويات أعلى من خلال قوَّة الإرادة إلى حيّز الالتقاء بين الروح والجسد وتحريك النفس، فمن خلال التحام الإرادة مع المحبَّة، تنجم طاقة باستطاعتها توجيه الفكر إلى عوالم أرقى ضمن استمرارية قوَّة الإرادة.

خلفَ هذا التكوين الزمانيّ المكانيّ والمتحوّل باستمرار، تكمن حقيقة أساسيّة، البعض أطلق على هذا الكلِّ والكمال اسم الله عزّ وجلّ، البعض أطلق عليه الطاقة الأزليّة غير المنتهيّة، البعض أطلق عليه الروح الأزليّة…. وترى الهرمسية أن “الكلَّ” سيظلّ أبدًا غير معروف، لأنّ كلّ محاولة لإدراكه من خلال عقل محدود ستبوء بالفشل.

“الكلّ هو عقل شموليّ، والكون مركَّب عقليّ”. وبمعنى أوسع أن كلّ الظواهر الماديّة، وما نسميه الحياة والمادّة والطاقة قد يدركها الانسان ولو بأجزائها في الحقيقة، أمّا عن الروح فلا يستطيع إدراكها ولا تعريفها كونها تفوق قدراته وإدراكه، ولكن يمكن القول عنها بأنها عاقل حيٌّ كونيّ لانهائيّ. هذا المبدأ يشير إلى أن كلّ الظواهر التي نراها ونسمعها وندركها ما هي إلّا إبداع من عقل مطلق هو الله جلّ جلاله، وأن الكون بأكمله وبأجزائه فيه وجود له وبه.

وليست صدفة أنّ هناك أوجه شبه بين الديانة الهرمسية وديانات أخرى أو تبني لها ومنها إضافةً إلى إعطاء مؤسِّسها أسماء إضافيّة مثل اخنوخ / اخنوع وإدريس، ما يضعها في موقع الركن والأساس في تطوّر الديانات أو حلقة من حلقات الديانة التوحيديّة، دعوة من دعواتها، شكل من أشكالها أم دور من أدوارها، والله أعلم!؟!.


  • الدكتور رضوان منصور

دكتور رضوان منصور باحث في موضوع القيادة والإدارة ككّل، وفي الإدارة وفق القيم على الأخصّ (MBV)، أبحاثه في سياق الطائفة المعروفيّة وتربط بين القيَم، الآداب الدينيّة، أسلوب الإدارة وما بينهم من علاقة. أطروحته للقب الدكتوراة بحثت تأثير القيم، الآداب الدينيّة لدى مدراء من الطائفة المعروفيّة على أسلوب الإدارة لديهم. حيث تساءل في بحثه فيما لو تبقى القيم والآداب المعروفيّة التوحيديّة التي يترعرع الموحِّد معه حين يجلس على مقعد الإدارة أم لا؟ تطرّق في بحثه للتنقيب عن القيم الرائدة لدى مدراء من الطائفة المعروفيّة مفتشًا عن روابطٍ لها مع الآداب الدينيّة، مدى قوّة ومعايير الروابط بين القيَم، الآداب الدينيّة وأسلوب الإدارة لدى شرائح المجتمع المعروفيّ: رجال، نساء، شباب، بالغين، متديّنين وعلمانييّن. شملت طريقة البحث ثلاثة أساليب بحث، كمّي، جودوي ومقارَن. البحث سبّاق في روابطه وفي تعدُّد مذاهب البحث والتخصُّصات العلميّة (Multi-Disciplinary) وعليه فقد حصل على امتياز وتفوّق وعلى أثره أصدر الدكتور رضوان كتابًا باللغة الانجليزيّة يحمل عنوان السلوك الإداري، القيم والمجتمع التوحيديّ. يحمل في جعبته لقب ثالث، لقب ثاني، وثلاثة ألقاب أولى. اشغل مناصب قياديّة عديدة في مجالات متعدِّدة ومن ضمنها السلك التعليميّ، مدير لواء حيفا والشمال للأمان على الطرق، مستشار وزاريّ، مستشار استراتيجيّ وغيرها.

مقالات ذات صلة:

نشاطات طائفيّة – العدد 156

أمسية ثقافيّة توحيديّة لإشهار قصّة الأطفال الأولى بعنوان “ساكن حطين” في سابقةٍ تربويّة توحيديّة، ومع قرب حلول موعد الزّيارة السّنويّة