الموقع قيد التحديث!

أَلخَضْرُ عليْهِ السَّلامُ

بقلم أَلبروفيسور علي الصغيَّر
Share on whatsapp
Share on skype
Share on facebook
Share on telegram

أَلخضرُ هو اسمٌ أُطْلِقَ على عددٍ مِنَ الأَنبياءِ على مرِّ العُصُور، فقد أُطْلِقَ هذا الإسم على النَّبيِّ إِيليَّا، وعلى سيِّدِنا يُوحنَّا المعمدانِ، وعلى القِدِّيس جْوارْجِيُوس. وتوجدُ في البلاد، وفي كلِّ بلادِ الشَّام، ومُحيطها، مقاماتٌ ومزاراتٌ ومواقعُ كثيرةٌ مقدَّسةٌ تحملُ اسمَهُ ومنسوبةٌ إِليه.

ويُطْلِقُ الأَكثرونَ مِن مُفسِّرِي القرآنِ الكريمِ اسمَ الخضرِ على العبدِ الصَّالحِ الَّذي التقى بالنَّبيِّ موسى عليهِ السَّلامُ عندَ مجمعِ البحرينِ، كما هو واردٌ في الآيات السِّتِّيْنَ حتَّى الثَّانيةِ والثَّمانينَ بسُورةِ الكهفِ بالقرآنِ الكريمِ، وفي هذا الأَمرِ تقولُ الآيةُ الكريمةُ السِّتُّون: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ: “وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا”، وتقولُ الآيَةُ الخامسةُ والسِّتُّونَ مِنْ تلكَ السُّورة: “فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا”، هذا، مع أَنَّ اسمَ الخضرِ لا يَرِدُ صراحةً في القرآنِ الكريم، وفي الإِسلام يُطْلَقُ عليه أَيضًا الإِسمُ “أَبو العبَّاس”، والدُّرُوزُ يُطلِقُونَ عليه الإِسمَ “أَبو إبراهيم”. لِسيِّدِنا الخضر قُبَّةٌ شهيرةٌ في المسجد الأَقصى بمدينة القُدس.

سيِّدُنا الخضر، أَلنَّبيُّ إِيليَّا

أَلنَّبيُّ إِيليَّا، أَو إِيليَّا التِّشْبِي، أَو إِيليَّا الجِلْعادِي، أَو مار الياس، أَو الخضر بالعربيَّة، و אֵלִיָּהוּ הַנָּבִיא و אֵלִיָּהוּ הַתִּשְׁבִּי، و אֵלִיָּהוּ הַגִּלְעָדִי، بأَسمائِهِ العِبريَّة الواردِة بِسِفْرَيِ المُلُوكِ الأَوَّلِ والمُلُوكِ الثَّاني بِالعهد القديم مِنَ الكتاب المقدَّس، كان من أَبناءِ القرنِ التَّاسعِ قبلَ الميلاد، وقد عاشَ في عَهْدَيِ الملكيْنِ آحَابَ، أَو אַחְאָב، باسمه العبري، وابنه أَحَازْياهُو أَو أَحَازْيا (אֲחַזְיָהוּ או אֲחַזְיָה)، مَلكَي إِسرائيل، وكان لهُ صراعٌ عنيفٌ وصادقٌ، مع الملكِ آحاب ومَعَ زوجتِهِ الصَّيدونيَّةِ الكنعانيَّةِ الوثنيَّةِ إِيزابيل، أَو אִיזֶבֶל، كما يدعُوها العهدُ القديم.

أَلنَّبيُّ إِيليَّا هو الَّذي هَدَرَ دِماءَ آلهةِ البعلِ وكهنتِهِ وقضى عليهِم على ضفافِ نهرِ المُقطَّعِ، أَوِ نهر الكِيْشُون بالعبريَّة، بعد نجاحِهِ في مُعجزةِ إِشعال النَّارِ الَّتي نزلتْ مِنَ السَّماءِ بأَمرٍ من الله تعالى في الحطبِ الَّذي كانَ موضوعًا في المذبحِ على جبلِ الكرمل، وبعد فشلِ آلهةِ البعلِ بذلك.

أَلنَّبيُّ إِيليَّا، أَو سيِّدُنا الخضر، هو الَّذي قال للملكِ آحاب، بعد أَنْ قتلَ هو وزوجتُهُ إِيزابيل، ظُلمًا وبُهتانًا، نابُوتَ اليزراعيليَّ واستولى على كَرْمِهِ، جُملتَهُ البليغةَ المذكورةَ في الآيةِ التَّاسعةِ عشرةَ مِنَ الاصحاحِ الحادي والعشرينَ من سِفرِ المُلُوكِ الأَوَّلِ بالعهدِ القديم من الكتابِ المُقدَّس، والَّتي لا تزالُ تتردَّدُ على الأَلسُن مُنذُ ذلكَ الزَّمانِ وحتَّى هذه الأَيَّام الحاضرة:

“הֲרָצַחְתָּ וְגַם יָרָשְׁתָּ?!”، “هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا ؟!”.

لِلنَّبي إِيليَّا كهفٌ ومزارٌ بمدينةِ حيفا على جبلِ الكرمل، وطبقًا للتَّقليدِ المُتعارَف، إِلى هذا الكهفِ كانَ النَّبِيُّ يلتجئ، وبِهِ كانَ يختبئ، هربًا مِن وجهِ الملكةِ إِيزابيلَ الَّتي كانت تُلاحِقُه وتُطارِدُه. وقد هربَ إِيليَّا النَّبي مِن وجهِ إِيزابيل إِلى بئرِ السَّبع ثُمَّ إِلى جبل حُوْرِﻳﭫ، أَو جبلِ سيناء، وفي النِّهاية صعدَ بِأَمرٍ وتقديرٍ مِنَ الله، بعدَ أَنِ انفصلَ عَنِ النَّبِيِّ أَلِيشَعَ (הַנָּבִיא אֱלִישָׁע) الَّذي كان يسيرُ إِلى جانبِه، بعاصفةٍ تحملُ عَرَبَةً نارِيَّةً إِلى السَّماء، وفي هذا الأَمر تقولُ الآيةُ الحاديةَ عشرةَ مِنَ الإِصحاحِ الثَّاني من سِفرِ المُلُوكِ الثَّاني بالعهدِ القديمِ ما يلي: “وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاء” ” וַיְהִי, הֵמָּה הֹלְכִים הָלוֹךְ וְדַבֵּר, וְהִנֵּה רֶכֶב-אֵשׁ וְסוּסֵי אֵשׁ, וַיַּפְרִדוּ בֵּין שְׁנֵיהֶם; וַיַּעַל, אֵלִיָּהוּ, בַּסְעָרָה, הַשָּׁמָיִם”. סֵפֶר מְלָכִים ב, פרק ב,  פסוק י”א)، وأَلنَّبِيُّ أَلِيشَعَ هو الَّذي خَلَفَ النَّبي إِيليَّا وحملَ الرِّسالةَ بعدَهُ.

أَلنَّبي إِيلِيَّا، سيِّدُنا الخضر، يقتلُ آلهةَ البَعْل. صورة لِلرَّسَّام الفرنسي ﭼُﻮسْتاﭪ دُوْرِيْه (Gustave Doré, 1832 – 1883).

سيِّدُنا الخضر، يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا

سيِّدُنا الخضر، يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا، أَو يوحنَّا المعمدان، هو سابقُ السيِّد المسيحِ عليهِ السَّلام، والمُبَشِّرُ به، ومُعَمِّدُهُ بِمياهِ نهرِ الأُردنِّ، وهو نبيٌّ كبيرٌ في الإِسلامِ، وفي كلِّ المذاهبِ الإِسلاميَّة، وكذلكَ لدى أَبناءِ طائفةِ الصَّابِئةِ المِنْدَائِيِّينَ، وهو ابنُ النَّبيِّ زَكَرِيَّا وزوجتِهِ أَليصابات، وُلِدَ في حُدودِ عامِ أَربعةٍ قبلَ الميلاد، في بلدة عَيْن كارِم قُربَ اُورشليم، وتُوُفِّيَ بعدَ أَن قُطِعَ رأسُهُ غدرًا وظُلمًا في حدودِ عام واحدٍ وثلاثينَ للميلاد. أَوَّلُ ذِكرٍ لَهُ واردٌ في الأَناجيلِ الأَربعةِ بالعهدِ الجديدِ مِنَ الكتابِ المقدَّس، وكذلكَ في كتابِ “تاريخ اليهود” لِلمؤرِّخِ اليهوديِّ الكبيرِ، إِبنِ القرنِ الميلاديِّ الأَوَّل، والمعروفِ باسمه العبري “יוֹסֵף בֵּן מַתִּתְיָהוּ” (يوسف بن مَتِتْياهُو)، وباسمِهِ الَّلاتينيِّ فْلاﭬْيُوْس يُوسِيْفُوْس  (Flavius Iosephus)، أَلذي كان معروفًا بهِ في حينِهِ لدى الرُّومان. سيِّدُنا الخضر، يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا، كان، على ما يبدو، ينتمي إِلى طائفةِ اليهودِ الآسِيْنِيِّين (כַּת האִיסִיִּים) الَّتي كانَ أَتباعُها يعيشونَ حياةَ تنسُّكٍ وتقشُّفٍ رُوحانيَّةً في الطَّرفِ الشَّرقيِّ لصحراءِ يهودا في موقعِ “قُمْرَان” المعروفِ وحولَهُ، بِقُربِ الطَّرفِ الشِّماليِّ الغربيِّ لِلبحرِ الميِّت.

طبقًا لِما هو مذكورٌ في العهدِ الجديدِ، فإِنَّ ملاكَ الرَّبِّ بشَّرَ أَباه وهو بِالهيكلِ بِأُورشليمَ بأَنَّ أَليصابات، زوجَهُ المُعَمَّرةَ والعاقِرَ، سوفَ تحملُ وسوفَ تلدُ وليدًا ذكرًا، وسوفَ يمتلئُ الجنينُ وهو في بطنِها بِالرُّوحِ القُدُس، وأَنَّ ابنَها سوفَ يَرُدُّ الكثيرينَ من بني إِسرائيلَ لِعبادةِ الله. نحنُ لا نعرفُ الكثيرَ عن فترةِ طُفولتِه، ولكنَّ الأَناجيلَ تقولُ أَنَّه قضى فترةَ صباه بِالبريَّة، وهي صحراءُ يهودا الواقعةُ إِلى الشَّرقِ من جبالِ يهودا، والمحصورةُ بينها في الغربِ وبين البحرِ الميِّتِ في الشَّرق، سالكًا مسلكَ النَّبي إِيلِيَّا عليه السَّلام، ومُرتديًا عباءةً من وَبْرِ الجِمال، فوقَها على حَقَوَيْهِ مِنْطَقَةٌ من الجلدِ الخشن، ومُكتفيًا بِاليسيرِ من الطّعام، خُصوصًا الجرادَ وعسلَ النَّحلِ البَّرِّي، وهناكَ، في “بَرِّيَّة اليهُوديَّة”، وكذلكَ على ضَفَتَّي نهرِ الأُردنِّ، خلالَ فترةِ حُكمِ الملكِ هِيرُودُوس أَﻧﭠﯿﭙﺎتْرِس، أَو هِيرُودُوس أَﻧﭠﯿﭙﺎس، كان يدعو إِلى التَّوبةِ والرُّجوعِ إِلى سَواءِ السَّبيلِ وعبادةِ الله، ويُعَمِّدُ النَّاس بِمياهِ نهرِ الأُردن، وكان يبشِّرُ بالسيِّد المسيحِ عليهِ السَّلام، ونظرًا لأَنَّ مسلكَه كانَ شبيهًا إِلى حدٍّ كبيرٍ بِمسلكِ سابقِهِ النَّبيِّ إِيليَّا عليه السَّلامُ، الذي يُطْلَقُ عليه لقبُ “الخضر”، واستنادًا إِلى عددٍ من الآياتِ الواردةِ في العهدِ الجديدِ من الكتابِ المقدَّس، ومِن بينِها الآياتُ  السَّابعة حتَّى الخامسة عشرةَ من الإِصحاح الحادي عشر من إِنجيل متَّى:

7 وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هذَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟

8 لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ

 9 لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍ

10 فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ  وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ

11 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ

 12 وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ

13  لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا

 14 وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ

15  مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ

ومِن بينِها أَيضًا الآياتُ العاشرةُ حتَّى الثَّالثةَ عشرةَ مِن الإِصحاحِ السَّابعِ عشرَ مِن نفس الإِنجيل، إِنجيل مَتَّى:

10 وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً؟»

11 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ.

12 وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ».

13 حِينَئِذٍ فَهِمَ التَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ.

وكذلكَ استنادًا إِلى الآياتِ الثَّالثة عشرةَ حتَّى السَّابعةَ عشرةَ مِنَ الإِصحاحِ الأَوَّلِ مِن إِنجيلِ لُوقا:

13 فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا.

14 وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ،

15 لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

16 وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ.

17 وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا».

فهُنالكُ مَن يُطْلِقُ هذا الإِسم، إِسمَ “الخضر”، أَيضًا على سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ.

هذا مع العلم أَنَّ الآيات الحادية والعشرين حتَّى الثَّالثة والعشرين من الإِصحاح الأَوَّل من إِنجيل يُوحنَّا تقول أَنَّ سيِّدَنا يُوحنَّا المعمدان أَجاب الجموع حينما سأَلُوه عن شخصه:

21 فَسَأَلُوهُ: “إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟” فَقَالَ: “لَسْتُ أَنَا”. “أَلنَّبِيُّ أَنْتَ” فَأَجَابَ: “لاَ”.

22 فَقَالُوا لَهُ: “مَنْ أَنْتَ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟”

23 قَالَ: “أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ”.

حَدَثَانِ عظيمانِ حَدَثَا لِسيِّدِنا يُوحنَّا المعمدانِ في حياته القصيرة، أَوَّلُهُما كان تعميدَهُ السيِّدَ المسيح عليهِ السَّلامُ بِمياهِ نهرِ الأُردنِّ (إِنجيل متَّى، 3، 13 –  17؛إِنجيل مُرقُس، 1، 9 – 11؛إِنجيل لُوقا، 3، 21 – 22؛إِنجيل يُوحنَّا،1، 29 – 34)، وثانيهُما كان قطعَ رأْسِهِ بأَمرٍ من الملكِ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎتْرِس، أَو هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس Herod Antipatris, Herod Antipas))، حاكم الجليل وبعضِ المناطقِ بشرقِ الأُردنِّ (Galilaea & Peraea)، خلالَ الفترةِ المحصورةِ بينَ العامَيْنِ أَربعةٍ قبلَ الميلادِ وأَربعينَ بعدَهُ (إِنجيل متّى، 14، 1 – 12؛ إِنجيل مُرقس، ‏6، 14 – 29؛ إِنجيل لوقا 9، 7 – 9)، وقد حصلَ هذا الجُرْمُ بناءً على طلبٍ مِنْ سالُومِي (שְׁלוֹמִית, Salome) وأُمِّها هِيْرُوْدِيا أُو هُورُوْديا (הֵרוֹדְיָה אוֹ הוֹרוֹדְיָה)، زوجةِ الملكِ هِيرُودُوس ﻓﻴﻠﻴﭙُّس، أَخِ الملكِ هِيرُودُوس أَﻧﭠﯿﭙﺎس من أَبيهِ الملكِ هيرودُوسَ الكبير، وحاكمِ قَيْصَرِيَّةِ ﻓﻴﻠﻴﭙُّس وباتانيا وإِيطوْريا وتراخوْنيتِيس وأُوْرانيتيس، (Caesarea Philippi, Batanea, Iturea, Trachonitis & Auranitis) وهي المناطقُ التي تشملُ حاليًّا خرائبَ مدينةِ بانياس الحُوْلةِ وجبلَ الشَّيخِ والجولانَ وحوران والَّلجاةَ وجبلَ الدُّروز، خلالَ الفترةِ المحصورةِ بينَ العامَيْنِ أَربعةٍ قبلَ الميلاد وأَربعةٍ وثلاثينَ بعدَه. هِيْرُودِيا هذهِ كانتْ تعشقُ الملكَ هِيرُودُوس أَﻧﭠﯿﭙﺎس من كلِّ قلبِها وتُريدُ أَن تتزوَّجَه، بالرَّغمِ من أَنَّها كانتْ متزوِّجةً أَخَاه ولها ابنةٌ منه، وقد لاقى هذا الأَمرُ معارضةً صارمةً من قِبَلِ سيِّدِنا يُوحنَّا المعمدانِ، وبسببِ مُعارضتِهِ هذهِ أَصدرَ الملكُ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس أَمرًا بسَجْنِهِ ثمَّ بقطعِ رأْسِه، والأَمرُ بِقطعِ رأْسِهِ حصلَ حينما كانَ الملكُ ثَمِلًا خلالَ احتفالِهِ بِعِيْدِ ميلادِه، وبعدَ أَنْ رقصتْ أَمامَهُ سالُوْمِي، إِبنةُ أَخيه، خلالَ ذلكَ الحفل، وبعدَ أَنْ أَعجَبَتْهُ وأَعجَبَهُ رقصُها، وبعدَ أَن وعدَهَا أَن يُلبِّي أَيَّ طلبٍ لها، وطلبُها أَتى سريعًا، وحصلَ ذلكَ بعدَ أَنْ استشارتْ أُمَّهَا، وتآمرت معها، وهذا الطَّلبُ كانُ قطعَ رأْسَ سيِّدِنا يُوحنَّا المعمدان، فلبَّى الملكُ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس طلبَها، مَعَ أَنَّهُ رُبَّما كانَ حزينًا وفَعَلَ ذلكَ على مَضَضٍ، ومِنْ دُونِ رغبةٍ صادقة، فَقَطَعَ جَلاَّدُهُ رأْسَ سيِّدِنا يُوحنَّا المعمدانِ، وكانَ ذلكَ في المكانِ الذي كان سجينًا بِهِ، ومِن دُون أَدنى خطيئةٍ أَو جُرْمٍ أَو ذنب، وهو قلعةُ مُكَاوِر (מִבְצָר מִכְוֶור، Machaerus)، أَو قلعةُ المشنقة، بِمُحافظةِ مَادَبَا بِالمملكةِ الأُردنيَّة الهاشميَّة، على بُعد مسافةٍ تُقارِبُ خمسةٍ وعشرينَ كيلومترًا إِلى الجنوبِ من مصبِّ نهر الأُردنِّ بِالطَّرفِ الشِّماليِّ للبحرِ الميِّت.

في هذا الأَمر تقول الآيات الواحدة والعِشرُونَ حتَّى الثَّامنة والعِشرِين من الإِصحاح السَّادس بِإِنجيلِ مُرقس ما يلي:

21 وَإِذْ كَانَ يَوْمٌ مُوافِقٌ، لَمَّا صَنَعَ هِيرُودُسُ فِي مَوْلِدِهِ عَشَاءً لِعُظَمَائِهِ وَقُوَّادِ الأُلُوفِ وَوُجُوهِ الْجَلِيلِ،

22 دَخَلَتِ ابْنَةُ هِيرُودِيَّا وَرَقَصَتْ، فَسَرَّتْ هِيرُودُسَ وَالْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. فَقَالَ الْمَلِكُ لِلصَّبِيَّةِ: «مَهْمَا أَرَدْتِ اطْلُبِي مِنِّي فَأُعْطِيَكِ

23 وَأَقْسَمَ لَهَا أَنْ «مَهْمَا طَلَبْتِ مِنِّي لأُعْطِيَنَّكِ حَتَّى نِصْفَ مَمْلَكَتِي”.

24 فَخَرَجَتْ وَقَالَتْ لأُمِّهَا: «مَاذَا أَطْلُبُ؟» فَقَالَتْ: “رَأْسَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ”،

25 فَدَخَلَتْ لِلْوَقْتِ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْمَلِكِ وَطَلَبَتْ قَائِلَةً: «أُرِيدُ أَنْ تُعْطِيَنِي حَالاً رَأْسَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ عَلَى طَبَق”.

26 فَحَزِنَ الْمَلِكُ جِدًّا. وَلأَجْلِ الأَقْسَامِ وَالْمُتَّكِئِينَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَرُدَّهَا.

27 فَلِلْوَقْتِ أَرْسَلَ الْمَلِكُ سَيَّافًا وَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِرَأْسِهِ،

28 فَمَضَى وَقَطَعَ رَأْسَهُ فِي السِّجْنِ. وَأَتَى بِرَأْسِهِ عَلَى طَبَق وَأَعْطَاهُ لِلصَّبِيَّةِ، وَالصَّبِيَّةُ أَعْطَتْهُ لأُمِّها.

سالُومِي إِبنةُ هِيرُوديا تُمسِكُ بِالطَّبق الَّذي وُضِعَ به رأَسُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان، سيِّدِنا الخضر، وإِلى يمينها الجّلَّادُ الَّذي قطعَ رأَسَهُ. صورة لِلرَّسام الإِيطالي بِرنارْدينُو لوينِي
(Bernardino Luini, 1480/82 –1532).

بعدَ ذلكَ طلَّقَ الملكُ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس زوجتَهُ وتزوَّج هِيْرُودِيا، وزوجتُهُ التي طلَّقَها كانتِ ابنةَ الملكِ النَّبَطِيِّ العربيِّ الكبيرِ الحارِثةِ أَو الحارِثِ الرَّابع، الذي كانَ يُعرفُ لدى الرُّومانِ بالاسم الَّلاتيني Aretas Quartus Philopatris، أَي “الحارِثُ الرَّابعُ المُحِبُّ لوطنِه”، وابنة زوجتِهِ الأُولى الملكةُ خَلْدُو بِالنَّبطيَّة، أَي “خالِدَة” بِالعربيَّة، واسمُ هذهِ الزوجةِ، أَي زوجة الملك  هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس، كان بِالنبطيَّةِ “فَصَائِل” أَو “فَصَايِل”، وبالعبريَّة פְּצָאֵלָה، وبالَّلاتينيَّة Phasaelis، و Φασαηλίς بِاليُونانيَّة، وقد غَضِبَ الحارِثُ الرَّابعُ كثيرًا على صهرِهِ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس بسببِ فعلتِهِ الشَّنيعةِ هذِه، وجرَّد عليه جيشًا جرَّارًا قتلَ الآلافَ من جنودِهِ وأَتباعِهِ وأَنصارِه. الملكُ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس فعلَ جريمةً نكراءَ اُخرى، فهو الذي سلَّمَ السيِّدَ المسيحَ عليه السَّلامُ ﻟِﭘيْلاطُس البُنْطِي (Pontius Pilatus) (פּוֹנְטְיוֹס פִּילָטוֹס)، الحاكمِ الرُّومانيِّ ﻟِ “المقاطعة اليهوديَّة” (Provincia Iudaea)، خلالَ الفترةِ المحصورةِ بينَ العامَيْنِ ستَّةٍ وعشرينَ وستَّةٍ وثلاثينَ بعدَ الميلاد. ولا تزالُ هزيمةُ الملكِ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس هذِهِ أَمامَ الملكِ الحارِثِ الرَّابعِ تُعتبرُ عقابًا إِلهِيًّا على كلِّ أَعمالِهِ الشَّائنة بحقِّ السيِّدِ المسيحِ وسيِّدِنا يُوحنَّا المعمدان. إِسمَ الزَّوجةِ النَّبطيَّةِ التي طلَّقَها الملكُ هِيرُودُوس أﻧﭠﯿﭙﺎس لا يزالُ تحملُهُ قريةٌ عربيَّةٌ بِغَوْرِ أَرِيْحا، وهي قريةُ “الفَصَايِل”، ولكنْ رُبَّما يكونُ اسمُ هذِهِ القريةِ منسوبًا إِلى اسمٍ آخرَ؛ وهو اسمُ شقيقِ الملكِ هِيرودُوس الكبير، “فَصَايِل” بِالنَّبطيَّة، و פְּצָאֵל بالعبريَّة، وΦασάηλος بِاليُونانيَّة، و Phasaelus بالَّلاتينيَّة.

بقايا جُثَّةِ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ

دُفِنَ سيِّدُنا يُوحنَّا المعمدانُ في بلدةِ سَبَسْطِيَة (סֶבַּסְטְיָה, Sebaste)، قُربَ مدينةِ نابلس، وإِلى الجهةِ الشِّماليَّةِ الغربيَّةِ منها، بجانبِ الطَّريقِ التي تربِطُها مع مدينةِ جِنين، وبعدَ أَنْ تبنَّتِ الدَّولةُ البيزنطيَّةُ الدِّيانةَ المسيحيَّةَ رسميًّا خلالَ منتصفِ العقدِ الثَّالثِ مِنَ القرنِ الميلاديِّ الرَّابع، أُقيمَ معبدٌ نصرانيٌّ كبيرٌ حولَ موضعِ دفنِه، وبقيَ هذا المعبدُ قائِمًا إِلى عامِ ثلاثمائةٍ واثنيْنِ وستِّيْنَ بعد الميلاد، حينما هُدِمَ بأَمرٍ مِنَ الامبراطورِ الرَّومانيِّ يُولْيَانُوْسَ الجَاحِد، أَو يُولْيَانُوْسَ المُرتَدِّ (331 – 363 للميلاد) (Flavius Claudius Iulianus Augustus) ، خلالَ هَدْمِ المعبدِ حُرِقَ بعضٌ مِن عِظامِ سيِّدِنا يُوحنَّا المعمدان، وبعضُ العِظامِ الَّتي أُنقِذتْ مِنَ الحريقِ نُقِلت إِلى أُورشليمَ فالاسكندريَّةِ بِمصر، وهناكَ وُضِعتْ بتاريخ السَّابعِ والعشرينَ مِن أَيَّارَ عام ثلاثمائةٍ وخمسةٍ وتسعيْنَ للميلاد في الكنيسةِ الَّتي دُعيتْ باسمِ صاحبِ العِظام، أَي سيِّدِنا يُوحنَّا المعمدان.

يتواجد ببلدةِ سَبَسْطِيَة في موضعِ المعبدِ الَّذي هدَمَهُ الامبراطورُ الرَّومانيُّ يُولْيَانُوْس الجَاحِدُ جامعٌ قديمٌ كبير، يُعْرَفُ باسمِ “جامع يَحْيَى بن زَكَرِيَّا”، والإِسمُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا، كما هو معروف، هو الإِسمُ العربيُّ ليوحنَّا المعمدان.

موضعُ دفنِ رأْسِ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ

نحنُ لا ندري بالضَّبطِ أَينَ دُفِنَ الرَّأسُ، فهذا الأَمرُ لم يُدَوَّنْ ولمْ يُوثَّقْ بشكلٍ قاطعٍ في حينِهِ، ولكنَّ الاعتقادَ السَّائدَ هو أَنَّهُ مدفونٌ بالجامعِ الأُمويِّ بمدينةِ دمشق، فالقصَّةُ تقولُ أَنَّه نُقِلَ بعد أَن قُطِعَ إِلى مدينةِ أُورشليم، وأُخْبِئَ بها، ثمَّ اكتُشِفَ خلال فترة حُكم القيصر قسطنطين الكبير (306 – 337 للميلاد)، وَنُقِلَ من هناكَ إِلى مدينةِ حِمْص بِسوريا، وأُخْبِئَ بها، ثم اكْتُشِفَ ونُقِلَ من موضِعِهِ عام أَربعمائةٍ وثلاثةٍ وخمسينَ للميلاد إِلى الكنيسةِ البيزنطيَّةِ الَّتي كانتْ تتواجدُ في موضعِ الجامعِ الأُمويِّ بمدينةِ دمشق، وحينما أُقِيْمَ الجامعُ الأُمويُّ، بُنِيَ بداخلِهِ مقامٌ كبيرٌ وجميلٌ حولَ موضعِ دفنِ الرَّأس، ولكنْ نشأَتْ على مرِّ العصورِ آراءٌ وأَفكارٌ عديدةٌ حولَ موضعِ دفنِه؛ فهنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّهُ مدفونٌ بِإِحدى الكنائسِ بمدينةِ رُوما، وهنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّهُ مدفونٌ بكتدرائِيَّةِ مدينةِ أِمْيِيْن بِفرنسا، وهنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّهُ مدفونٌ بِمدينةِ أَنطاكْيا بِتُركيَّا، وهنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّ واحدةً من عظامِهِ موجودةٌ في أَحدِ الأَديرةِ بِرُومانيا، وهنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّ إِحدى بقايا الجُمجُمةِ موجودةٌ بقصرٍ بِمدينةِ مْيُونِخ بِأَلمانيا.

أَماكن يُقالُ أَنَّ بقايا مِنْ جُثَّةِ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ موجودةٌ بها

مواقعُ عديدةٌ يَدَّعي سُكَّانُها ويُؤمنُون أَنَّ بعضَ قطعٍ من جسد سيِّدِنا يُوحَنَّا المعمدان موجودةٌ بها؛ فهنالكَ إِيمانٌ بأَن لُوقا الرَّسول أَخذَ يدَ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ اليُمنى، التي بها عَمَّدَ السيِّدَ المسيحَ عليهِ السَّلامُ، مِنْ موضعِ دفنِ جُثّتِهِ ببلدةِ سَبَسْطِيَة ونقلَها إِلى مدينةِ أَنطاكيا، ثمَّ نُقِلَتْ مِنْ هناكَ عام تسعمائةٍ وستَّةٍ وخمسينَ للميلادِ إِلى مدينةِ القسطنطينيَّة، وفي عام أَلفٍ ومائتيْنِ وأَربعةٍ للميلاد، خلالَ أَحداثِ الحملةِ الصَّليبيَّةِ الرَّابعة، ونَهبْ مدينةِ القسطنطينيَّة، سلَّمَ الإِمبراطورُ الفْرَانكِي بَلْدْوِين (فترة الحُكم: 1204 – 1205 للميلاد) واحدةً من عِظامِ زَنْدِ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ إِلى رَجُلٍ سلَّمها لإِحدى الكنائسِ بِفرنسا، وهنالكَ إِيمانٌ أَنَّ ذراعَهُ وقطعةً مِنْ جُمجُمتِهِ موجُودتانِ بِقصرِ طُوْپْ كَاﭘِﻲ بمدينةِ استانبول، وهُما معروضتانِ هناكَ في قَوَالبَ من ذهبٍ لِلزُّوَّار، ويُقالُ أَنَّ بعضَ بقاياهُ موجودةٌ بأَحدِ الأَديرةِ بِالجبل الأَسود، وبأَحدِ الأَديرةِ بِاليُونان، وبأَحدِ الأَديرةِ بِمصر، وبِأَرضيَّةِ أَحدِ الأَديرةِ الَّتي تعودُ لِلقرنِ الميلاديِّ الخامسِ بِبُلغاريا، وتتواجدُ بقايا له بِالضَّريحِ المدعو باسمِهِ بِالجامعِ الكبيرِ بِمدينةِ حَلَبٍ بِسوريا.

من الطَّريف أَن نذكر أَن رسمًا يشبه رأس سيِّدِنا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ تشكَّل وارتسم في الخَرَسَانَة بسقفِ قُبِّةِ مقامِ سيِّدِنا المُقداد عليه السَّلام بقرية رِيْمَة الفْخُوْر بجبل العرب بِسوريا، مباشرةً بعد الانتهاء من بنائها وفكِّ أَخشاب الطُّوبار التي كانت تدعمها عام 2005، وقد تُرِكَ الرَّسمُ على حاله، وهو لا يزال يُثير الدَّهشة لدى زوَّار المقام ويحظى بإِعجابهم، ويُضفي على المقام صبغةً إِضافيَّةً من القدسيَّة.

أَلنَّبيُّ زَكَرِيَّا والدُ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ

أَلنَّبي زَكَرِيَّا هو نبيٌّ في الإِسلام وكاهنٌ يهوديٌّ كبيرٌ في الهيكل الثّاني خلال فترة حكم الملك هِيرُودُوس الكبير، وزوجُ أَليصابات، ابنة خالة السيِّدة مريم العذراء، ووالدُ سيِّدِنا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، أَو “يَحْيَى بن زَكَرِيَّا”.

يقول إِنجيل لُوقا أَنَّ ملاكًا أَخبر زَكَرِيَّا وهو يُبَخِّرُ في المذبح بالهيكل بأُورشليم بأَنَّ زوجته أَليصابات، المُعَمَّرة والعاقر، سوف تلد ولدًا ذكرًا، وأَنَّ هذا الوليد سوف يمتلِئُ من بطن أمه من الروح القُدُس، ولمَّا لم يصدِّق ذلك زَكَرِيَّا وطلب من الملاك علامةً على صحَّة حديثه، عُقِدَ لسانُهُ وفَقَدَ المقدرة على النُّطق والكلام، وبقي كذلك إِلى اليوم الثَّامن بعد ولادة ابنه يُوحنَّا، تمامًا كما أَخبره ملاك الرَّبّ، ولم ترجع له المقدرة على الكلام إِلَّا بعد أَنَّ كَتَبَ على لوحةٍ الإِسم “يُوحنَّا”، وهو الإِسم الذي اختاره الله لابنه الرَّضيع. هذا الأَمر واردٌ في الإِصحاح الأَوَّل من إِنجيل لُوقا بِالعهد الجديد:

 5 كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ.

6 وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ.

7 وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِرًا. وَكَانَا كِلاَهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا.

8 فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ،

9 حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ.

10 وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ.

11 فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ.

12 فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ.

13 فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا.

14 وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ،

15 لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

16 وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ.

17 وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا».

18 فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟»

19 فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهذَا.

20 وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هذَا، لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ».

21 وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا وَمُتَعّجِّبِينَ مِنْ إِبْطَائِهِ فِي الْهَيْكَلِ.

22 فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَفَهِمُوا أَنَّهُ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْهَيْكَلِ. فَكَانَ يُومِئُ إِلَيْهِمْ وَبَقِيَ صَامِتًا.

23 وَلَمَّا كَمِلَتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ مَضَى إِلَى بَيْتِهِ.

(إِنجيل لُوقا، أَلإِصحاح الأَوَّل، 5 – 23).

علاقةُ قُرْبَى وطيدةٌ كانت تربط السيِّدَتيْن، أَليصابات، زوجة النَّبي زَكَرِيَّا، ومريم العذراء، فكلا السيِّدتيْنِ كانتا ابنتَيْ خالات، وعندما ذهبت السيِّدة مريم العذراء لزيارة السيِّدة أَليصابات ببيتها بعَيْن كارِم قُرب أُورشليم، وكلا السيِّدتينِ كانتا حَامِلَيْنِ، تحرَّك الجنين، وهو سيِّدنا يوحنَّا المعمدان، ببطن أَليصابات، وامتلأَ من الرُّوح القُدُس، وفي ذلك يقول إِنجيل لُوقا:

39 فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا،

40 وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ.

41 فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ،

42 وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!

43 فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟

44 فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي.

45 فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ».

 (إِنجيل لُوقا، أَلإِصحاح الأَوَّل، 39 – 45).

نحن لا ندري تمامًا كيف تُوُفِّيَ هذا النَّبي، فهنالك مَن يقول أَنَّه مات قتلًا في الهيكل بِأُورشليم على يد رجال الملك هِيرودوس الكبير، وهنالك مَن يقول أَنَّ وفاته كانت طبيعيَّة حصلت في أَعقاب مرض أَلمَّ به عام 12 لِلميلاد، حينما كان عُمر ابنه سيِّدِنا يُوحنَّا المَعْمَدَان اثني عشر عامًا.

يقول الرَّحَّالة يُوهَانِّس فُوكَاس (Iohannes Phocas)، الذي زار البلاد خلال الفترة الصَّليبيَّة، في تقريرِهِ “وصفٌ عامٌّ لِلمستوطنات والأَماكن التَّابعة لِسُوريا وفينيقيا على طُول الطَّريق مِن أَنطاكْيا إِلى أُورشليم، والأَماكن المُقدَّسة في فلسطين”، (Iohannis Phocae compendiaria descriptio castrorum et urbium, ab urbe Antiochia usque Hierosolymam, nec non Syriae, ac Phoeniciae, et in Palestina sacrorum locurum)   أَنَّه شاهد قبر النَّبي زَكَرِيَّا بِجوار قبر ابنه سيِّدنا يُوحنَّا المَعْمَدَان عام 1185 لِلميلاد، بِبلدة سَبَسْطِيَة، والشَّيء نفسه يقوله الجغرافي والمؤرِّخ الشَّهير ياقُوت الحموي عام 1225 تقريبًا في كتابه “مُعجم البُلدان”.

من الجدير بِالذِّكر أَنَّ نقشًا بِالُّلغة اليُونانيَّة يعود لِلقرن الميلادي الرَّابع إِكتُشِفَ عام 2003 على الناحية الجنوبيَّة لِلقبر الذي يعود لِلقرنِ الميلاديِّ الأَوَّلِ، والمنسُوب لِأَﭬشَالُوم، ابن الملك داوود (קֶבֶר אַבְשָׁלוֹם)، بِجانبِ مجرى وادي النَّارِ، أَو وادي قِدْرُوْن، (נַחַל קִדְרוֹן)، عندَ أَقدامِ جبلِ الزَّيتونِ بأُورشليمَ، تقول ترجمته ما يلي:

“هذا قبرُ زَكَرِيَّا، شهيدٌ، كاهنٌ تَقِيٌّ جدًّا، والد يُوحَنَّا (المَعْمَدَانِ)”، ولكن يبدو أَنَّ هذا الأَمر غير صحيح، فالقبر ليس قبره.

يوجد لِلنَّبي زَكَرِيَّا، كما هو معروف، مقامٌ ومزارٌ بقرية أَبو سنان، في الجليل الأَعلى الغربي، ونحن نعتقد أَنَّ هذا المزار منسوبٌ لِلنَّبي زَكَرِيَّا والد سيِّدِنا يوحنَّا المعمدان، وحول سيرة حياة هذا النَّبي، وحول مزاره بِأَبو سنان، سوف تكون لنا مقالةٌ مُطوَّلةٌ خاصَّة.

مقام ومزار النَّبي زَكَرِيَّا بقرية أَبو سنان

أَلنَّبيُّ زَكَرِيَّا، والدُ سَيِّدِنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، في القُرآنِ الكريمِ

يردُ ذكرُ أَلنبيِّ زَكَرِيَّا عليه السَّلامُ سبعَ مرَّاتٍ في القُرآنِ الكريمِ، وفي أَربعِ سِوَرٍ، وهي في موضوع البشارة بابنه سيِّدنا يوحنَّا المعمدان، وفي موضوع عُلُوِّ منزلته:

♣ آلُ عِمْرَانَ

• ألآيتانِ 37 و 38:

“فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ” (37).

“هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء” (38).

♣ أَلأَنْعَامُ

• أَلآية 85:

“وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ” (85).

♣ مَرْيَمُ

• اَلآيتانِ 2 و 7:

“ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا” (2).

“يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا” (7).

♣ أَلأَنبياءُ

• أَلآية 89:

“وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ” (89).

سَيِّدُنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ في القُرآنِ الكريمِ وفي الإِسلامِ

يُعْرَفُ سَيِّدُنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ في القُرآنِ الكريمِ وفي الإِسلام بشكلٍ عامٍّ بالاسم “يَحْيَى بن زَكَرِيَّا”، ويردُ اسمُهُ خمسَ مرَّاتٍ في القُرآنِ الكريمِ، وفي أَربعِ سور، وهي في موضوع البشارة به وعُلُوِ  منزلته:

♣ آلُ عِمْرَانَ

• أَلآية 39:

“فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ” (أَلآية 39).

♣ أَلأَنْعَامُ

• أَلآية 85:

“وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ” (أَلاية 85).

♣ مَرْيَمُ

• أَلآية 7:

“يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا” (أَلاية 7).

“يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا” (أَلاية 12).

♣ أَلأَنْبِيَاءُ

• أَلآية 90:

“فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ” (أَلآية 90).

وقد أُطلِقت على مدى التَّاريخ البشري عدَّةُ أَلقابٍ على سَيِّدُنَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ؛ منها “نبيُّ العَهْدَين”، أَيِ العهد القديم والعهد الجديد، وذلك لأَنَّه مذكورٌ في العهد الجديد، وكذلك لِأَنَّ اثنيْنِ من أَنبياء العهد القديم كانا قد تَنَبَّأَا بِقدومِهِ، مع أَنَّهما لم يذكُرا اسمَهُ صراحةً، وهذانِ النَّبيَّانِ هُما النَّبي إِشعياء عليه السَّلام، الذي يقول:

“صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: “أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا” (سفر النَّبي إِشعياء، أَلإِصحاح 40، 3).

والنَّبي مَلاخِي عليه السَّلام، آخرُ أَنبياءِ العهد القديم، فهو يقول:

“هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ” (سفر النَّبي مَلاخِي، أَلإِصحاح 3، 1).

ومن أَلقابه أَيضًا: “الصَّوت الصَّارخ بِالبرِّيَّة”، لأَنَّه كان ينادي ويكرز إِلى التَّوبة بِالصَّحراء، كما يقول سفر النَّبي إِشعيا، و “السَّابق”، لأَنَّه سبق في الزَّمن، وبمدَّة قصيرة فقط، مجيءَ السيِّد المسيح عليه السَّلام، و “البشير”، لأَنه بَشَّر به وبقُدومِهِ، و “المَعْمَدَان”، لأَنَّه عَمَّدَهُ، أَي غَطَّسَهُ، بمياه نهر الأُردنِّ، و “الصَّابغ”، لأَنَّه صبغه بحلَّةٍ ناصعة جديدة بعد أَن عَمَّدُه بمياه نهر الأُردنِّ، و “الشَّهيد”، لأَنَّه قُتِلَ ظُلمًا ومن دُون أَدنى ذنب.

سَيِّدُنا الخضر، القِدِّيس جْوارْجِيُوس

إِسمُ “الخضر” يُطْلَقُ أَيضًا على القِدِّيسِ جْوارْجِيُوس أَو جُورْج، أَو جِرْيِس، أَو جِرْجِس، أَو ﭼِيُورﭼْيُوس بِالَّلاتينيَّة
(Sanctus Georgius)، و “هُوْ هاچْيُوْس چِيئُورْچيُوس” باليُونانيَّة (Ο Άγιος Γεώργιος).

سيِّدُنا الخضر، أَلقِدِّيس جْوارْجِيُوس، وُلِدَ خلالَ الحُكمِ الرُّومانيِّ في الشَّرق، وخلالَ الفترةِ المحصورةِ بينَ العاميْنِ مائتينِ وستَّةٍ وخمسينَ ومائتينِ وخمسةٍ وثمانينَ للميلاد،  إِمَّا في مدينة الُّلد، وإِمَّا في منطقةِ ﮐَﭘَﺎدُوكْيا(Cappadocia) ، بِشرقِ القسمِ المركزيِّ منْ هضبةِ الأَناضُول بتُركيَّا حاليًّا ، لأَبٍ مِن تلكَ المنطقة، ولِوالدةٍ مِن مدينةِ الُّلُد، أَلَّتي كانتْ تُعْرَفُ بالاسمِ دِيُوﺳْﭘُﻮليس (Diospolis) خلالَ تلكَ الفترة، وكان جُنديًّا بحرسِ الامبراطور دِيُوكْلِيتيانُوس، وكانَ مُؤمنًا بدعوةِ السَّيِّدِ المسيحِ عليهِ السَّلامُ وبِاللهِ تعالى، وتُوُفِّي هو الآخرُ، قتلًا وظُلمًا، بسببِ رفضِهِ التَّنازُلَ عن عقيدتِهِ، والرُّكُوعَ لِلآلهةِ الرُّومانيَّةِ الوثنيَّة، بِأَمرٍ من الامبراطُورِ الرَّومانيِّ دِيُوكْلِتْيَانُوس، إِمبراطُورِ الدَّولةِ الرُّومانيَّةِ الشَّرقيَّة

(Gaius Aurelius Valerius Diocletianus Augustus)

وكانَ ذلكَ بتاريخِ الثَّالثِ والعشرينَ من شهرِ نيسانَ عامَ ثلاثمائةٍ وثلاثةٍ للميلاد، ويُعتَبَرُ هذا التَّاريخَ يومَ احتفالٍ بِذكرى هذا القِدِّيسِ الشَّهيدِ لَدَى الطَّوائِفِ المسيحيَّةِ.

دُوَلٌ عديدةٌ تعتبرُ سيِّدَنا الخضرَ، أَلقدِّيسَ جْوارْجِيُوس، حامِيْها، ومِنْ بينِها بريطانيا، وجُورجْيا، وإِثيُوبْيا، وكذلكَ مُدُنٌ كثيرةٌ في جميعِ أَنحاءِ العالمِ المسيحيِّ. دورُ عبادةٍ ومزاراتٌ، وكنائسُ، وأَديرةٌ، كثيرةٌ، منسوبةٌ إِليهِ، ومِنِ أَشهرِها الكنيسةُ الَّتي تحملُ اسمَهُ في مدينة الُّلد، أَلمدينةِ الَّتي استُشْهِدَ بها طبقًا لِلتقليدِ البيزنطيِّ، والَّتي أُقيمتْ عام أَلفٍ وثماني مائةٍ وسبعينَ على أَنقاضِ كنيستيْنِ، بيزنطيّة قديمة، وصليبيَّة أَحدث منها، ويُؤمنُ الكثيرونَ أَنَّ القِدِّيسَ جْوارْجِيُوس مدفونٌ بها.

تجدُرُ الإِشارةُ هُنا إِلى أَنَّ قرية عربيَّةً عندنا في البلاد تحمل اسم هذا النَّبي، هي قرية “الخَضْر”، الَّتي تقع قُرب المدينتينِ بيت لحم وبيت جالا، وبها ديرٌ كبير يحمل اسم القِدِّيس جْوارجيُوس، أَو مار جِرْجِس، سيِّدِنا الخضر، وهُنالكَ ديرٌ كبيرٌ آخرُ يحمل اسم القِدِّيس جوارجيُوس،على مُنحدرٍ جبليٍّ جيريٍّ شاهقٍ بوادي القِلْطِ بصحراء يهُودا.

مقامُ سَيِّدِنا الخضرِ في كفر ياسيف

مقامُ سَيِّدِنا الخضرِ في كفر ياسيف

تعودُ المرحلةُ الأُولى في بناءِ مقامِ سيِّدِنا الخضرِ في كفر ياسيف إِلى الفترةِ البيزنطيَّةِ، وتشهدُ على ذلكَ بقايا الفسيفساءِ الَّتي كانتْ متواجدةً في مُحيطِهِ، والَّتي كانتْ معروفةً لِلكثيرينَ منْ أَبناءِ القريةِ، في منطقةِ البيادرِ، وكما وَصَفَها خبيرُ الآثارِ نعيم مخُّولي منْ بلدةِ كفر ياسيف، في تقاريرِهِ الَّتي قدَّمَها لِدائرةِ الآثارِ في البلادِ خلالَ فترةِ الانتدابِ البريطانيِّ، أَلمراحلُ التَّاليةُ في بناءِ وتوسيعِ المقامِ قامَ بها الرُّؤساءُ الرُّوحانيُّونَ لِلطائفةِ الدُّرزيَّةِ في البلادِ، ومقامُ سيِّدِنا الخضرِ بقريةِ كفر ياسيف بِأَيدي الدُّرُوزِ مُنذُ مئاتِ السِّنين. أَوَّلُ هؤلاءِ المشايخِ كان الشَّيخُ مَحمَّد حسن طريف في النِّصف الثَّاني من القرن الثَّامن عشر، ثُمَّ تلاهُ الشَّيخُ مهنَّا طريف، وكان ذلكَ في الرُّبعِ الأَخيرِ مِنَ القرنِ التاسعِ عشرَ، واستمرَّ البناءُ فيما بعدُ، بعدَ قيامِ الدَّولةِ، على يدِ الشَّيخَيْنِ أَمين طريف، وبعدَهُ الشَّيخِ موفَّق طريف، أَلرَّئيسُ الرُّوحيُّ الحاليُّ لِلطائفةِ الدُّرزيَّةِ في البلادِ.

نحنُ نعتقدُ أَنَّ هذا المزارَ منسوبٌ إِلى القدِّيسِ جْوارْجِيُوس، ونحنُ نعتقدُ أَيضًا أَنَّ مزارَ سيِّدِنا الخضرِ الموجودِ في أَسفلِ الجُرفِ الصَّخريِّ الجيريِّ الشَّاهقِ الموجودِ بين القريتينِ ديرِ الأَسدِ والبِعْنَة، وإِلى الشِّمال منهما، منسوبٌ إِليهِ أَيضًا، وتجدُرُ الإِشارةُ هُنا إِلى أَنَّ الصَّليبيِّينَ، خلال فترة حُكمهم في البلاد (1099 – 1291 للميلاد)، دَعَوا قرية دير الأَسد الحاليَّة، وهي قرية البِعْنَة سابقًا، بالاسم Saint George de la Beyne، أَي “بلدة القِدِّيس جورج مِنَ البِعْنَة”، أَو “بلدة القِدِّيس جُورج البِعْنَاوِي”.

أَبناءُ الطَّائفةِ الدُّرزيَّةِ في البلادِ يحتفلونَ بذكرى سيِّدِنا الخضر، في مقامه بقريةِ كفر ياسيف، كما هو معروفٌ، بتاريخِ الخامسِ والعشرينَ من شهرِ كانونٍ الثَّاني مِنْ كُلَّ عام.

سيِّدُنا الخضر، أَلقدِّيس جْوارْجِيُوس في صورة الرِّسام رفائيل

سيِّدُنا الخضر، أَلقدِّيس جْوارْجِيُوس، هو البطل الَّذي يقتل التَّنين في الصُّورة الَّتي رسمها الرَّسامُ الإِيطاليُّ الشهير رفائيل عامَ أَلفٍ وخمسمائةٍ وخمسة، ومن وراءِ هذه الصُّورةِ أُسطورةٌ تقولُ أَنَّ تَنِّينًا، والتَّنِّينُ هو حيوانٌ أُسطوريٌّ، كانَ يُرْغِمُ سكَّانَ إِحدى المدن على تقديمِ غنمةٍ له كلَّ يومٍ لِيأكُلَها، وهُنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّ تلكَ المدينةَ كانت إِحدى مُدُنِ مقاطعةِ ﮐَﭙﺎدُوكْيا البيزنطيَّةِ، وهُنالكَ مَنْ يقولُ أَنَّها كانت مدينة سِيلِينْ (Silene) الأَثريَّةَ بليبيا، وهنالكَ مدنٌ أُخرى يقولُ سُكَّانُها أَنَّ هذِهِ القصَّةَ حصلتْ بها، وبعدَ أَن نفذتِ الأَغنامُ اضطُرَّ سكَّانُ تلكَ المدينةِ على تقديمٍ فتاةٍ لَهُ يوميًّا، واستمرَّ الأَمرُ كذلكَ إِلى أَنْ وصلَ دورُ أَميرةِ تلكَ المدينة، فعرفَ سيِّدُنا الخضرُ، أَلقدِّيس جْوارْجِيُوس، بتلكَ المُعضلةِ فامتطى حصانَهُ واستلَّ رمحَهُ وأَدخلَهُ في فمِ التَّنِّين وقتلَهُ، وفي هذِهِ الصُّورةِ تظهرُ الأَميرةُ وهي تنتظرُ نتيجةَ ذلكَ الصِّراعِ بفارغِ صبرِها، وهيَ تبتهلُ إِلى الله أَنْ يَنْصُرَ سيِّدَنا الخضرَ، وكانَ لها ما أَرادتْ في نهايةِ الأَمرِ. سيِّدُنا الخضر، أَلقدِّيس جْوارْجِيُوس، الَّذي يظهرُ في هذِهِ الصُّورةِ يُمثِّلُ قُوَى الخير، أَمَّا التَّنِّينُ فيُمثِّلُ قُوَى الشَّرِّ، وانتصارُ سيِّدِنا الخضرِ على التَّنِّين يُمثُّلُ انتصارَ الخير ِعلى الشَّرِّ، والحقيقةِ على البُهتانِ.

أَلقِدِّيس جوارجيُوس، سيِّدُنا الخضر، يقتلُ التَّنِّين.
صورة لِلرَّسَّام الإِيطالي رفائيل
 (Raffaello Sanzio da Urbino, Raphael, 1483 –1520).

مقالات ذات صلة:

العدد 160 – نيسان 2022

Share on whatsapp Share on skype Share on facebook Share on telegram لمشاهدة وتحميل العدد Pdf لجميع اصدارات المجلة