spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 134
زوجات الزعماء
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136
العدد 135


 
الشيخ الفاضل (ر) احد كبار المشايخ المشرعين طباعة ارسال لصديق
تمتاز الطائفة الدرزية، وينفرد المجتمع الدرزي، بمجموعة شرائع وقوانين، يسيرون بموجبها، ويتصرفون على هديها، وينظمون حياتهم حسب أصولها، تعتبر من أكثر القوانين تقدّما في العالم، ومن أكثر الشرائع والسنن، التي تجعل لحياة المجتمع الدرزي، رونقا وبهجة، وترفعه إلى مصاف الفضيلة والإنسانية والسلوك الاجتماعي الحسن، حيث يسند المجتمع الدرزي نفسه بنفسه، وتقوم جميع العناصر والفئات فيه، بدعم الواحدة الأخرى، وتنظِّم حياة العشيرة، وتجعلها تتغلب على الصدمات والمشاكل التي تواجهها، وهي كثيرة، وبعونه تعالى، استطاع المجتمع خلال ألف سنة، أن يظل سليما معافًى، بالرغم من دخول عناصر غريبة فيه، من حين لآخر، لكن هذه العناصر، لا تلبث إلا ان تخرج منه، ويظل الجسم الدرزي التوحيدي، متمتعا بعراقته وأصالته، بفضل هذه السنن والقوانين، التي انتُهجت خلال مئات السنين، وتراكمت في ذاكرة المشايخ والمسؤولين، أبا عن جد، وتحوّلت إلى دستور متنوِّر كبير يعالج كلّ نواحي الحياة.
وقد بدأت التشريعات والسنن منذ آبائنا الروحيين، أساطين اليونان القدماء، واستمرت عبر الأنبياء والرسل الكرام، مارّة  بمولانا المعز لدين الله، وبالحدود الكرام صلوات الله عليهم، وبعد ذلك بظهور أولياء وأتقياء ومشايخ كرام، أثروا دفاتر القوانين الدرزية، ببنود هامّة، وبخصال شريفة، تزيد في نقاوة المجتمع، وتحافظ على كيانه وسلامته.
والمجتمع الدرزي الحديث، عاجز اليوم عن أن يستطيع أن يُنسب كل دستور أو سُنة أو قانون إلى الذين أصدروها، أو أفتوا بها، أو كانوا السبب في انتشارها، وذلك لقلة اهتمام القيّمين عن المذهب في السابق، لهذه الناحية ولانغلاق المجتمع الدرزي، ومحاولاته دائما، الانكماش والتستر والانطواء، وعدم البحث والتنقيب أكثر من اللازم. لكن من المقبول والمتبع في العصر الحديث، أن العادات الفاضلة المتبعة في المجتمع، قام بها وبإيجادها شيوخ كبار، كانت أعمالهم وأقوالهم هي المصدر والمنبع لهذه السنن، هذا بالإضافة إلى القوانين والوصايا والفروض التي ذُكرت بشكل واضح في الأصول التوحيدية، وفي المراجع الدينية المذهبية الدرزية العريقة.
إن المكانة التي تتمتع بها المرأة الدرزية، تعود إلى وصايا نابعة من الأصول التوحيدية، لكن الدستور الذي وضعه مولانا المعز لدين الله، والذي أمر الموحد الدرزي، بأن يتزوج من امرأة واحدة فقط، كان وظل وما زال، أساسا لنقاء المجتمع الدرزي على مر العصور، ولتقليده من قبل أحدث الدول المتقدمة، والتمثل به في المجتمعات الراقية. ومساواة الرجل الدرزي بالمرأة الدرزية، تعود جذورها إلى المراجع الدينية العميقة، لكن موقف مولانا الحاكم بأمر الله، وسيدنا بهاء الدين عليه السلام، حيث أرسِلت الست سارة في مهمة مذهبية خطيرة إلى لبنان، وإلى جنوب الجزيرة العربية، كانت إشارة وتصريحا مباشرا وواضحا، أن المرأة الدرزية، إذا تقيّدت بالفروض والشرائع والنصوص الدينية الموجبة، والتزمت بها، ونفذتها، يمكنها أن تتبوّأ أكبر مركز، وأكبر مهمة، وأكبر وظيفة في المجتمع الدرزي. وقد حدث هذا في عصر ساد فيه الجهل والتخلف واستعمال النساء فقط لأغراض غير شريفة، سواء في قصور ملوك ونبلاء أوروبا، أو في قصور الحكام والولاة الشرقيين. ومنذ ذلك الوقت، اكتسبت المرأة احترام زوجها وأسرتها ومجتمعها، واعتُبرت عنصرا فعّالا ضروريا هاما في سلامة المجتمع، كل ذلك بدعم وسند من رجال الدين طالما تتقيد المرأة بالأصول الدينية.
 وجاء بعد ذلك الأمير السيد (ق) ووضع شروحاته وتعليماته وسننه وقوانينه، اعتمادا على كتب الحكمة الشريفة، والتي تناولت حياة الفرد بينه وبين خالقه، وبينه وبين مجتمعه، وبينه وبين أسرته. ووضع فيه أصول التعامل بين الناس، في الأمور العائلية والتجارية، وفي ارتباطات كثيرة أخرى. وقد زاد هذا الحدث في المجتمع الدرزي في متانته ورصانته وقوته.
وبعد ذلك جاء دور الشيخ الفاضل (ر) الذي بدأ حياته شابا صغيرا فقيرا، لا ينتمي إلى أسرة كبيرة معروفة، وبالكاد يستطيع أن يسد رمقه، فيسّر له الله، سبحانه وتعالى، بعض العنزات يقوم برعايتها والاهتمام بها، ويتغذى على القليل القليل من الزاد. وهذا الشاب المعدم الفقير الجاهل، من ناحية العلم، الذي لم يكن له أب يرشده، أو أخ أكبر، اصر وصمم على أن يتعلم أصول الكتابة والقراءة بنفسه، فكان يكرّس كل وقت ممكن لهذا الغرض، غير آبه بالمأكل والمشرب، فكان يحمل لوحا، ويسأل العارفين والمطلعين، أن يعلمونه أحرف اللغة العربية، فيكتبها ويكرر كتابتها، ويحفظ عن ظهر قلب استعمالاتها، حتى استطاع بعد سنوات من الدرس المضني، ومن التركيز المكثف، والتصميم الصارم، والرغبة الجامحة لأن يعرف ويتعلم، فاستطاع أن يجيد الكتابة والقراءة، وان يطلع على مكنونات وكنوز الحكمة الشريفة بصورة مباشرة، دون أن يستعين بأحد. وهذا العمل بحد ذاته هو قدوة ومثال لكل إنسان يرى أن ظروفه صعبة، أنه لا شيء مستحيل، وانه مع العزم والتصميم والعناد والمثابرة والتضحية والتفرغ، يمكن تحقيق كل ما يطمح به الإنسان، إن كان ذلك في نطاق الأصول والشرع والقانون والمتبع في المجتمع، فهذا الشيخ الفاضل (ر) بدا راعيا معدما فقيرا، وانتهى به الحال راعيا عظيم،ا لطائفة متنورة هاديا مشرّعا نبراسا ومفسرا لغوامض الأمور بحيث أصبح مرجعا يُهتدى به ويُعتمد عليه ويُستند إلى قوانينه وفتاويه. وموضوع تحريم الأكل في الجنائز هو من أكثر القوانين تقدما، حيث ُراعى فيه ظروف الإنسان المادية والاجتماعية، وقد رفع المواطنون الدروز رؤوسهم بهذا القانون وتباهوا فيه أمام العالم، وأثبتوا أن للدروز قوانين ودساتير وأنظمة فيها بشرى كبيرة لباقي الشعوب وفيها رسالة هامة لجميع الطوائف.
والشيخ الفاضل (ر) قضى حياته في معالجة أمور الناس وفي سماع شكاويهم ومشاكلهم في محاولة حلها والتغلب عليها ولما كانت تصادفه قضية كان طبعا يهتم بحل تلك القضية لذلك الشخص صاحب الشأن، لكن هذا الحل كان يعتبر بندا في دستور اجتماعي كبير،  يصل إلى أذهان جميع أبناء الطائفة ويتقيدون به.
وفي المجتمع الدرزي عادات وتقاليد حسنة، مثل تحريم التدخين لدى رجال الدين، والتوصية بعدم اتباعه في المجتمع بأسره، والمتدين الدرزي، هو تقريبا المتدين الوحيد، الذي يتقيد بهذه الفرائض، وموضوع التدخين غير مذكور في الدين، إلا أنه اتٌبع نتيجة لفتوى المشايخ، ويكفينا فخرا أن ما انتهجناه خلال ألف سنة أصبح في المجتمع الحديث، آخر صرخة، حيث انتبهت الدول والمجتمعات إلى مضار التدخين، فقامت بتقييده وتقليل خطره وتشجيع الناس على الابتعاد عنه وتركه. وعندنا وصايا، بالاهتمام بكبار السن والعاجزين في المجتمع، كانت متبعة خلال ألف سنة، وكان المجتمع الدرزي يسند الفئات القاصرة فيه، ويهتم بالعناصر الضعيفة فيه، وهذا شرع وقانون، أخذ العالم اليوم يتبنّاه ويسير على هديه في أحدث الدول  وفي أكثر المجتمعات تقدما.

سميح ناطور
  
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.