spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 101
قرية أبو سنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
المرأة الدرزية ر قوة المجتمع الدرزي طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ سعيد الصغير
كان من أهم عوامل اشتهار الدروز بالفروسية والبطولة في المعارك والنزال ، وتماسكهم ووحدتهم في الحرب والقتال، هو ارتكاز أسرهم على الوحدة والائتلاف، حتى أن ابن السمير زعيم إحدى القبائل العربية التي اشتهرت بقتالها للدروز في القرن الماضي، اقسم يمينا :" بأن من كان له ثأر عند الدروز وقتل أي فرد منهم يكون قد استوفى دمه باعتبارهم أسرة واحدة". وقد ساعد على هذا التماسك والمحافظة على وحدتهم عدم امتزاج دمائهم بدماء أجنبية يضاف إلى ذلك وحدة الأسرة عندهم، لاكتفاء الدرزي بزوجة واحدة، لأن أئمتهم قد أدركوا فائدة الاكتفاء بالزوجة الواحدة منذ ألف سنة، حينما وجدوا الانحلال الاجتماعي قد تفشى في المجتمع في أواخر الدور العباسي لانغماس خلفاء وقادة المسلمين آنذاك بالملذات حتى أصبح الخليفة وما شابهه في ذلك العصر يهمه الحفاظ على ما في قصره من زوجات ومحظيات، كان من نتيجته أن يصبح الأبناء أعداء بعضهم لبعض بعامل التحاسد والتنافر بين الزوجة وضرتها والمحظية ومنافستها على اكتساب مودة الرجل، وهو ما كان يزرع البغضاء بين ابناء الرجل الواحد، فكان لذلك التنافر بين أبناء البيت الواحد أثره البارز بتفكك المجتمع العربي وانحلاله،حتى خضع لسيطرة المستعمرين، في حين أن الدروز على قلتهم لن يخضعوا كما خضع غيرهم بل كانوا في مختلف مناطقهم يهبون هبة الرجل الواحد لصد كل معتد ورفض الخضوع لأي غازٍ ، لأن تربيتهم البيتية كانت من أفضل التربيات لقيامها على المودة والألفة والتكاتف بين أبناء المنطقة المرتكز على أسس متينة مستمدة من صلب القرآن الكريم الذي يقول :" المال والبنون زينة الحياة الدنيا" بينما اتخذ آنذاك جمهرة الناس زينة الحياة، الإكثار من المحظيات والتكالب على الملذات، واستشرى خطر التفكك الاجتماعي في أواخر العهد العباسي، وجعلوا من آيات القرآن الكريم سوغا لهم وذلك بأن وقفوا عند أولها ولم يأخذوا بجملتها لأنها تعارض، ما تنزع إليه نفوسهم من شهوات.
فلما جاء الخلفاء الفاطميون، وهم الأئمة المنزهون عند الدروز، حاولوا دون تلك الفوضى الاجتماعية فألزموا جماعتهم بأن يأخذوا بمجمل أحكام القرآن القائل في سورة النساء" ولن تستطيعوا أن تعدلوا ولو حرصتم".فكان المعز لدين الله الفاطمي أول من نهى عن تعدد الزوجات والاكتفاء بزوجة واحدة، قال المؤرخ الشهير المقريزي :" دخل شيوخ كتامة على المعز لدين الله وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب، فكان ما قاله لهم : أنا لا أشتغل بشيء بما يصون أرواحكم، ويعمر بلادكم، ويذل أعداءكم ويقمع أضدادكم ، فلا تظهروا التكبر والتجبر فينزع الله النهمة عنكم، وينقلها إلى غيركم وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلي، كتحنني عليكم، ليصل في الناس الجميل ويكثر الخير وينتشر العدل وأقبلوا بعدها على نسائكم وحسب الرجل الواحد، واحدة، لأن الإكثار منهن ينغص عيشكم وينهك أبدانكم ويذهب قوتكم.
وهكذا يكتفي الدرزي بزوجة واحدة، ليكون أبناء الرجل أخوة متحابين متكاتفين، لأن عداء الضرة لضرتها أمر مشهود يرثه الأبناء. فكم من فتن بل من حروب جرت لعداء استحكم بين إخوان لأن واحد من زوجات متعددات، وهذا المأمون أشهر الخلفاء العباسيين قد رضي بقتل أخيه لبيه الأمين الذي كان سيقتله لو ظفر به، والتاريخ العثماني مليء بحوادث اغتيال الأخ لأخيه طمعا بمنصب زائل ومحبة غير دائمة. ولهذا نرى أن مذهب التوحيد قد أسدى لأبنائه أفضل مزية لأمره بالاكتفاء بزوجة واحدة ليبقى البيت متماسكا متضامنا يصونه الرجل بمعونة المرأة التي تشاركه مؤازرته حينما يدعوه الواجب لصد العدوان. فتكون النساء في القرى كاحتياطي الجيش، تجهز المؤن والذخيرة وتوصلها  إلى ساحات القتال، والتاريخ يحفظ للنساء الدرزيات الكثير من البطولات نكتفي بذكر حادثتين منها: حين حاول البعض الاعتداء على مقبرة الدروز في بيروت أوائل هذا القرن اشتهرت الكثيرات من النساء الدرزيات بالمحافظة على تراث التربة المقدس وحينما أرسل الأتراك في القرن الماضي جيشا كبيرا يعد بالألوف مزودا بالمدافع لهدم قرية عرمان والاقتصاص من رجالها الذين فتكوا بجندها المعتدين، سارع مقاتلو القرية وعددهم آنذاك يترواح بن المائتين والثلاثمائة ، لملاقاته على بعد أميال للشمال الغربي من قريتهم، وقد اشتهرت سعدى ملاعب مع غيرها من نساء عرمان بالشجاعة وبنقل الماء للرجال المحاربين وإيقاد الحماس في نفوسهم حتى تمكنوا بمعونة أبطال الدروز الذين توافدوا من القرى المجاورة، من التغلب على الجيش العثماني وقتل أكثر من ألف جندي.
وكان من بعض أسباب تلك الحرب محافظتهم على المرأة، لأن احترامهم لها يجعلهم يريقون الدماء لصون كرامتها. فالقائد ممدوح باشا شاء الاقتران من ميثا الأطرش لجمالها وليضمن "بزعمه" صداقة الدروز فرفضت ذلك كما رفضه الدروز مما حدا بالقائد العثماني لإرسال الفرقة تلو الفرقة للانتقام من أهل عرمان الذين كانوا مصدر التصلب برفض تلك المعاهدة التي لا يجيزها مذهبهم.
والنساء الدرزيان محافظات على الآداب الاجتماعية، مهتمات بتهذيب أبنائهم تربية عربية سليمة، جعلت الدروز يبرزون كعشيرة من أقوى ما عرف العالم عن أقلية فرضت احترامها على غيرها، للعزة والأنفة التي غرزتها في نفوس أبنائها الأم الدرزية التي حفظت حقوقها تعاليم مذهب التوحيد.
وكان الأمير السيد (ق) منصفا حينما أوصى الرجل بأن يساوي المرأة بنفسه وأن ينصفها من جميع ما يده. وإن أوجب احال الحال فرقة بينهم فمن كان منهما معتديا على الآخر دفع مبلغا من المال بمعرفة الثقات حتى أنه أجاز للزوجة أن تأخذ نصف ما يملك الزوج إذا حصل الطلاق وكان المعتدي، وهكذا كان مذهبنا أسبق كافة الأديان ومختلف القوانين للمساواة بين الجنسين، وإكرام المرأة وتعليمها وعدم الإكراه بالزواج.
وقد أوجب الأمير السيد – قدس الله سره – على المرأة " أن تكون لينة الجنان، عفيفة اللسان، ظاهرة الحياء، طاهرة نقية ورعة، بعيدة عن الأذى، واسعة الصدر طويلة الصبر، قليلة المكر ، كثيرة الشكر، لها قناعة بالعفاف، وإيثار بالكفاف ورحمة للأهل، ورفقة للبعل، لا تسيء إليه، ولا تغلط عليه ولا تكون له حين النكد ولا تكلفه ما لا يجد، تخلص له ودها، ولا تترك منه خفرها، ولا تجفوه في عمره، ولا تقلاه في فقره، بل تزيد في الفقر ودا وعلى الإقتار حبا ، تلقى غضبه بحلم وصبر ومعاشرته بود وشكر". وواجب الرجل " أن يحسن إليها، ولا يجوز عليها ولا يكلفها فوق طاقتها ، وينصفها وإن ظلمها وجار عليها فتشكوه إلى من يحكم عليه من مشايخ الدين لينصفها منه."
وهناك ظاهرة اجتماعية حساسة انفرد بها مذهب التوحيد عن غيره من الأديان والمذاهب بعدم إرجاع المطلقة ، ففي حين يشدد المذهب بعدم الطلاق إلا للضرورة القصوى وبعد توسط أقرباء الزوجين وعلم إمام القرية وقد أصبح الآن مرهونا بحكم قاضي المذهب الذي لا يجوز طلاق بدونه، فإن عدم عودة المطلقة هو أمر يتفق مع الكرامة ، والحفاظ على قدسية الرابطة الزوجية، وهو إنذار خفي بعدم الطلاق، لأن ما تسهله المجتمعات الأخرى من إعادة المطلقة يجعل أمر الطلاق سهلا حينما يكون إعادة المطلقة جائزا، أما مذهب التوحيد فيمنع إعادة المطلقة منعا باتا وهذا أمر جوهري يجعل الزوجين يحجمان كثيرا قبل أن يقدما على الطلاق الذي لا وفاق بعده لأن إعادة المطلقة هي سمة من السمات التي تعود بالإنسان إلى العصور البدائية حينما لم يكن للاختلاط رادع اجتماعي أو وازع ديني ومانع قانوني.  
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.