spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 51
عائلة العيسمي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 143
العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139


 
كلمة العدد: ماذا تفيدك الدنيا الواسعة, إذا كان حذاؤك ضي طباعة ارسال لصديق
ماذا تفيدك الدنيا الواسعة, إذا كان حذاؤك ضيقا

احتشد في مستهلّ هذا الشهر, في مقبرة قرية دالية الكرمل, آلاف الأشخاص, من مختلف الديانات والطوائف والقرى والمستويات, يُشيّعون جثمان المأسوف على شبابه, المرحوم أمير رمزي حلبي, الذي انتقل إلى جوار ربه, بعد مرور أربع سنوات من العذاب, إثر إصابته بمرض السرطان الخبيث. وعندما انتهت الصلاة, وبحضور آلاف المشيعين, تقدّم والد الفقيد, الدكتور رمزي حلبي, ووقف أمام النعش المُسجّى وقفة مشرِّفة, متمالك الأعصاب, واثق النفس, رابط الجأش,  ورفع صوته الجهوري, وكان أوّل ما نطق به عبارة ,الحمد والشكر للعلي القدير الذي لا يُحمَد على مكروه سواه...
 وذُهل الجمهور وتفاجأ, وبينهم الرئيس الروحي للطائفة, ومشايخ كبار, ورجال دين من مختلف الديانات. فقد جسّد الدكتور رمزي حلبي كل التديُّن والإيمان والتقوى والصبر في عبارة واحدة, هي الحمدلله, وهذا أمر ليس بالهيّن في موقف كهذا, فكل الديانات تدعو مؤمنيها, وتربّيها, وتهذّبها, وتحثها  وتوجهها, للحظة كهذه رهيبة في الحياة, يقف فيها إنسان أمام نعش أعز الناس إليه ليودّعه الوداع الأخير, فيبدأ كلامه بالحمد والشكر لله سبحانه وتعالى...
 هكذا, مرة أخرى, تُقدّم الطائفة الدرزية دروسا للآخرين, ومرة أخرى يذهب موقف لأحد رجالات الطائفة, ويصبح مثلا وقدوة للباقين, ومرة أخرى يتوجّه الآخرون إلى الدروز ويقولون, أنتم يا بني معروف, كسرتم كل القوانين..
لقد كسر الدكتور رمزي, كل القوانين المرعيّة, إذ سلم أمره إلى خالقه, ورضي بحكمه, وصبر على مصيبته, وقام بشكره وحمده, أمام آلاف الباكين والمحزونين والدامعين...
 وكان قد كسر قبله, كل القوانين المرحوم الشيخ أبو نايف حسين عليان, الذي فُجع باستشهاد نجله المرحوم سليم, وذهب إلى زوجته, بأعصاب هادئة, يُعلمها أن الله, سبحانه وتعالى أعطاهما في حينه وديعة, وقد آن أوان استردادها...
 وفعل ذلك قبله, الزعيم أبو لطفي أمل نصر الدين, الذي استُدعي لجلسة طارئة مع القادة والمسؤولين, ولما وصل, شاهد الوجوم على وجوههم, فبادرهم قائلا, أعرف من وجوهكم أن أحد الثلاثة الأعزاء علي قد استُشهد, قولوا لي  فقط من هو! وكان الذي استُشهد ابنه المرحوم لطفي...
 وهكذا فعل المرحوم الشيخ أبو حسين لبيب أبو ركن, الذي أبلِغ أن نجله المرحوم بركات صدمته سيارة, وتسبّبت في موته, فأبى أن يدفن جثمانه, إلا بعد أن يُسرَّح السائق الذي صدمه من المعتقل, ويشترك بالجنازة لأنه يعتبر الحادث قضاء وقدرا...
وأثناء تجهيز هذا العدد من "العمامة" وقع حادث مفجع في قرية بيت جن, إذ بلغ بأحد الشباب اليأس, عندما سمع انه مصاب بمرض خبيث, ففقد شعوره, وقام بإطلاق النار العشوائي, وتسبّب في قتل إثنين عزيزين. ولمّا شعرأهله بذلك, هيّأوا أنفسهم للجلاء والرحيل, حسب العادات المتبعة, فما كان من أقطاب عائلتيّ حمود ودوباه, إلاّ أن ذهبوا إليهم, وابقوهم في بيوتهم, وأجلسوهم معهم لتقبل المعزين, معتبرين هم كذلك الحدث قضاء وقدراً. 
نعم, القضاء والقدر يلعب دورا كبيرا في حياتنا, فمعظمنا يؤمنون, أن مصير الإنسان, متعلق كله بمشيئة الله سبحانه وتعالى, وأن لا مفرّ من قضائه, ومما كتبه لكل إنسان. وهذا الإعتقاد, هو نِعمة كبيرة علينا, ومنحة وهبها الله لكل من يعتمد عليه في السرّاء والضرّاء, فالإنسان هو مخلوق صغير أمام جبروت الله, جل وعلا, وليس له أي حيلة أو قوة أو إمكانية, أن يغيّر ما قُدّر, ولا أن يردّ ما كُتب, لذلك من الأفضل للإنسان أن يرضى ويسلم. هكذا تعلمنا دائما, وهكذا يرشدنا آباؤنا ونرشد أبناءنا, لكننا لا نواظب على تنفيّذ هذه التعليمات دائما, ولا نتقيّد بما يوصونا به, ولا نجعل أنفسنا ترتاح. ومن هنا فالموقف المشرّف, الذي وقفه الدكتور رمزي والمشايخ الذين ذُكروا, فيه عبرة وفيه عظة ودرس ومثال وقدوة, وحبّذا لو اتخذه كل من  أصابته مصيبة, استنادا يخفف من مصيبته, ويُفرّج كربه.
ومع كل إيماننا واعتقادنا بالقضاء والقدر, واتكالنا على الله, إلا أننا لا نستطيع أن نقبل, ان تصدر تصرفات غير لائقة, عند بعض المتهوّرين من شبابنا, سواء في سياقة السيارات, او في استعمال السلاح, او في مجابهة الناس, أو في أي أمر آخر, فيفعلون ما يحلو لهم, معتمدين بذلك, ان الدروز يعتبرون هذا الموضوع قضاء وقدراً. وإذا تركنا هذا الأمر حسب هذا المنطق, عندها يعمل كل إنسان ما يشاء, وهو واثق ان الطرف الآخر, سوف يعتبر هذا الموضوع من باب الصدفة او باب المُقدّر. هذا ما لا نريد أن يكون, لأننا بذلك نفقد السيطرة, ونُشجّع التهوّر, ولا نستطيع أن نضبط الأمور. وإذا عُدنا الى الأسباب التي أدّت الى وفاة المرحوم الشاب امير رمزي حلبي, نجد انه كان بسبب إصابته بمرض السرطان. وقد كثر تفشّي هذا المرض في الآونة الأخيرة في قريتي الكرمل خاصة, وفي القرى الدرزية بصورة عامة, حيث شيّعنا في السنوات الأخيرة, الى مثواهم الأخير, جثامين عشرات الشباب والنساء, الذين قضوا نحبهم بسبب هذا المرض الخبيث. والإعتقاد السائد في منطقتنا, هو ان السبب في تفشي هذا المرض بهذا الشكل, هو وجود الهوائيات داخل نطاق البلديْن, والتي يقال إنه أُثبت انها عامل رئيسي ومُسبّب كبير للإصابة بالسرطان, عند الذين يعيشون في محيط هذه الهوائيات!! نحن لا ننكر ان الهوائيات هذه, هي عامل حضاري, وإنجاز تقني كبير في حياتنا. فالكل منا تقريباً يستعمل التلفونات الخليوية, ولا يستطيع ان يستغني عنها, إذ أصبحت عنصراً هامّاً في حياتنا, ونسينا أنه في يوم من الأيام, لم تكن تلفونات ولا أجهزة اتصال أخرى, وعشنا عيش الكرام, وانتظمت أمورنا كما يجب. وعندما يُثبت أن لهذه الهوائيات ثمن باهظ, يكلفنا فقدان العشرات من مواطنينا, علينا أن نتوجّه الى اولائك المستفيدين مادياً, من وجود الهوائيات في بيوتهم, أن يراجعوا ضمائرهم, وأن يصحوا لما يجري, وان يعملوا كل ما بوسعهم, كي يخفّفوا عن مصائب الآخرين, حتى ولو كلفهم ذلك, التنازل عن مدخول كبير تغدقه شركات الاتصال على جيوبهم, من أجل تأمين عمل التلفونات الخليوية. صحيح أننا نؤمن بالقضاء والقدر, وأن الموت واصل الى كل حي, لكننا نشاهد يوما بعد يوم, مدى العذاب الذي يواجهه المصابون بمرض السرطان, وكذلك المعاناة الصعبة والجُهد الضخم والتحمّل الزائد, الذي يلاقيه أبناء أسر هؤلاء المصابين. فكل لحظة ألم يواجهها مصاب, تساوي كل الأموال باسرها, وعلينا أن نعلم, ان المال والأملاك والذهب والدولارات, هي كلها أمور زائلة, لا قيمة لها ولا تدوم. فعندما يصل الإنسان الى القبر, تتساوى هناك كل المناصب والمراتب ومباهج الحياة, وتنحصر كلها في حفرة متساوية للفقير والغني والزعيم والمواطن العادي. والدخل المغري الذي يصل الى جيوب اولائك المنتفعين من الهوائيات, سيظل يحرق ألسنة وأحشاء أصحاب الهوائيات, مع كل تأوه عند إنسان مريض, ومع كل شهقة عند أم ثكلى, ومع كل زفرة عند أب حزين, ومع كل صرخة ألم عند إنسان, لم تعد كل الأدوية في العالم, تخفّف من آلامه وأوجاعه, وهو يستغيث برب العالمين أن ينقذه من هذا الجحيم.
 نحن مجتمع مستعد دائماً أن يضحّي بكل عزيز وغالي عليه, عندما يشعر بخطر داهم عليه, فيتجنّد الجميع لردّ هذا الخطر وحماية الجماعة. وكم سمعنا من آبائنا واجدادنا, كيف كانت تحدث هجومات شنيعة على أرزاقنا وأملاكنا, وكيف كان صوت طلب النجدة, ينطلق في الهزيع الأخير من الليل, فيهبّ الجميع لحماية الأرزاق المغتصبة, ويعيدونها بفخر واعتزاز. وعندما كنّا نُطلب للجندية لحرب مقدّسة, كنا نسارع في التجنّد والتضحية بأرواحنا كي نحافظ على كياننا. وكم بيت بُني بسواعد الشباب الأقوياء, وكم عُرس جرى باشتراك المحتفلين من كل ابناء القرية, وكم جنازة شُيّعت والجميع يشعر بحزن وأسى, لأن الفقيد اعتُبر خسارة للجميع. وما زلنا نذكر كيف تغلّب زعيمنا الكبير سلطان باشا الأطرش على الطاغية أديب الشيشكلي, وكيف أُشعلت النيران في كل القرى الدرزية, تعبيرا عن فرحنا وحبورنا مع الإخوة عبر الحدود. وكم تألمنا عندما قتل زعيمنا الكبير المرحوم كمال جنبلاط, وكم شعرنا بالأسى عندما تعدّى المجرمون على مقام الأمير السيد (ق), وكيف شعرنا بالنصر والفرحة عندما تغلب الدروز في حرب الجبل, وكم مرة وقفنا وأجرينا مواقف تأبينية, عند وفاة شيوخنا وزعمائنا وقاداتنا في سوريا ولبنان. نعم هكذا كنا, وما زلنا وما زالت الأصالة متأجّجة في نفوسنا, والعراقة كامنة في قلوبنا, وما زلنا ابناء معروف, نهبّ هبّة واحدة عند كل خطر يهدّدنا, ونفعل المستحيل ونضحّي بكل شيء لنزيل هذا الخطر.
إذن والوضع كهذا, نستغرب ونستنكر ونقف مذهولين ومشدوهين, أمام ما يجري أمامنا من تقصير, ومن لا مبالاة وطمع من قِبل بعض المنتفعين في اوساطنا, الذين فكّروا في البداية, أنهم يؤمّنون لهم ولأبناء عائلاتهم الرزق والمعيشة, إذا ادخلوا الهوائيات الى بيوتهم, ولم يبلغهم احد ان هذا خطر, وان فيه ضرر للبيئة وللمجتمع, فنحن لا نحاسبهم على تلك الفترة، لكننا نحاسبهم ونعاتبهم ونتوجّه الى ضمائرهم, بعد ان شاهدوا معنا الضحية تُدفن بعد الضحية, وسيارات الإسعاف تزعق باستمرار في شوارعنا, تنقل المصابين الواحد تلو الآخر الى المستشفيات, وبعد ان أتوا بأنفسهم وشاركوا في الجنائز وبكوا مع الباكين. ومع كل هذا, فإن شيئاً لم يتحرّك في نفوسهم, ولم يقفوا لحظة ليحاسبوا أنفسهم, لربّما ان في عملهم خطأ. ونحن لا نظلم الجميع, فنحن نعلم ان هناك البعض الذين صحت ضمائرهم, وتقيّدوا بكلام المسؤولين, وانصاعوا الى توجّهات المشايخ والمحترمين, وأزالوا الهوائيات من بيوتهم, ونحن نشكر هؤلاء, ونبتهل الى الله سبحانه وتعالى, ان يعوّضهم عمّا فقدوه, بالمال الغزير والربح الوفير, من مصادر مشروعة, وأن يطيل أعمارهم, وأن يتمتعوا بالصحّة والسعادة, وأن لا يعانوا ممّا عاناه الآخرون، هؤلاء ارتدعوا وتوّقفوا مع كل الخسارة التي خسروها. ولكن يظل قسم توجّه إليه كل المشايخ, واتصل به كل المسؤولين, ولا يستطيع أحد منهم ان يقول, انه لا يعرف او لا يعلم, لكنهم ما زالوا مُصرّين على مواقفهم, او انهم ينكرون وجود الهوائيات في بيوتهم, او أنهم يعترفون بذلك, لكنهم غير آبهين بما يحدث, لأن كل همهم هو الدخل والربح الوفير.
لقد أنعم الله علينا, أيها السادة اصحاب الهوائيات, أن نعيش في الكرمل, في اجمل بقعة في العالم, فالبحر من حولنا ينعشنا بالنسيم العليل, والغابات في ربوعنا تكسبنا الهواء النقي, ونحن نستمتع بأجمل طقس واحلى مناظر, ونحن موجودون في وسط البلاد قريبون من كل شيء ومن كل مكان مهم, والأمطار والحمد لله متوفرة في اجوائنا, والخضرة دائمة, والبيوت مُعمّرة, وملايين السيّاح يأُمون بلدينا ويوفرون لنا المكسب الشريف, ولا ينقصنا والحمد لله شيئ.   وكل ما يقضّ مضاجعنا, هو تلك المصيبة التي حلّت بنا, وهي الهوائيات. ومثلنا مثل ذلك الإنسان, الذي يتمتع بكل شيء, وقد اشترى حذاء,ً وكان الحذاء ضيقاً, فماذا ينفعنا كل ما نتمتع به, اذا كان الحذاء يؤلمنا!!
 بالله عليكم, أيها الإخوة الذين ما زلتم راكبين رؤوسكم, ونحن متوجهون عليكم مع اقتراب حلول عيد نبي الله شعيب عليه السلام, ونبارك لكم بالعيد, ونوجه إليكم نبي الله شعيب (ع) ونتوجه مرّة أخرى إلى ضمائركم, وإلى نفوسكم الطيبة, أزيلوا هذه الهوائيات, وغيّروا لنا هذا الحذاء... 


وكل عام والجميع بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
نيسان
2005

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.