spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 112
كلمة فضيلة الشيخ موفق طريف بمناسبة عيد زيارة مقام سيدنا شعيب (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
المرحوم الشيخ ابو حسن منهال منصور طباعة ارسال لصديق
     أحد كبار رجال الدين الدروز الشيخ ابو حسن منهال بن عبد الله بن سعيد منصور من قرية عسفيا. كان والده ديِّناً فاضلاً تقيِّاً وصاحب أملاك واسعة وكذلك كانت والدته. وقد وعى الشيخ وأخواته الأربعة, في بيت تسوده الأحوال الدينية والأخلاق الروحانية, مع هداءة البال وبحبوحة العيش والرفاهية والإطمئنان. ولّما توفي عنه والده اعتنت والدته المرحومة بمتابعة تنشئته الدينية, وصارت تبعثه الى المرحوم الشيخ ابي صالح سليمان ابي تميمة من القرية. فأخذ يتلقى العلوم الدينية على يده, وظهرت عليه سيماء النجابة والتعلق بالدين, فكان صاحب قوة حافظة, ذا جد واجتهاد, حصّل من المعلوم الشريف قدراً وهو ولم يزل حدثاً. وقد تعلّم الشيخ ابو حسن عند الشيخ ابي صالح ابي تميمة حتى وفاة الشيخ ابي تميمة عام 1915, فانتقل الشيخ ابو حسن الى البياضة الزاهرة, لأجل زيادة تحصيل العلوم الدينية. وفي البياضة كان برفقة شباب من جيله تقريباً من بلادنا وهم, المرحوم الشيخ ابو يوسف امين طريف, والمرحوم الشيخ ابو محمد علي حمادة طريف. وقد توَطَّدت الصداقة والإلفة فيما بينهم, وذلك لملائمة ميولهم وغاياتهم, الأمر الذي جعلهم يمثِّلون في المستقبل دوراً هاماً في الأمور الدينية. وفي البياضة أكمل المعلوم الشريف ثم زاد عليه فيما بعد من الشرح والوعظ والقصص الديني، الأمر الذي أهلّه لأن يكون دارساً واعظاً محدثاً شارحاً غوامض ما أُغلِق على غالب الجمهور غيباً عن ظهر قلب.
    كان الشيخ ابو حسن ذكياً متوَقِّد الذهن، ذا همة عالية اتجاه الأمور الدينية, وكان يجتهد في المحافظة على الدين, وعدم التهاون فيه, فقد كان من أول نشأته حادّ النظر يجهد نفسه في الدرس في الليل, ولا يبالي في النور, إن كان ضئيلا,ً بل كان يقضي الساعات في تلاوة الكتب على النور الضئيل, وأحيانا على نور القمر, وبتكرار ذلك, تأثرّت عيناه ففقد أكثر من ثلثيْ قوة إبصاره, وبقيَ يعالج نظره حتى آخر أيامه.
    كان الشيخ ابو حسن, في أعلى درجة في الكرم والإستضافة من بين الروحاني والجسماني, حتى من غير الطائفة, فكان رغم مواظبته على فروض دينه الطويلة المستغرقة غالب وقته, كان بيته مفتوحاً للضيافة، ويؤمّه من أهل الدين من كل الجهات, وكذلك من غير أهل الدين أحيانا,ً ومن غير الطائفة. فكل مَن زاره في بيته يثني على حُسن ملقاه وكرمه وسمو أخلاقه. كان يحب النظافة على أتمها في جسمه وملبسه, ويستحسن كل ما هو متقن وحسن, ويحب الفرش النظيفة اللينة والوثيرة, نظراً لنحافة جسمه. وكان كريماً جدا,ً يتصدّق ويتبرّع من المال في غالب المناسبات وللمشاريع العامة.
    وكان ايضاً واسع الإطلاع في التوراة والإنجيل والقرآن، فإذا جالس أي كان من الطوائف أصحاب الكتب المذكورة, كان يحدّثه من كتابه في أمور دينه وفي اوامره ونواهيه، في تلك السنن التي تنطبق على معتقداتنا والتي تشير اليه تعالى, عز وجل. وحديثه يكون بالرزانة والوقار واللطف والأناءة.فيتعاظم قدره في أعينهم فيجلّونه ويحترمونه وينظرون اليه نظرة أصحاب المنازل الرفيعة عند الخالق جل وعلا.
    وكان الشيخ ذا عفة وصبر وأناة وحلم، ذا صدر واسع لا يعرف ان يجمع فيه الضغائن طبعه بعيد عن الغضب، شفوق حنون رؤوف، رقيق الطبع، لطيف مع الناس، كثير الصفح لا يحقد اذا ظهرت عليه سيماء الشدة في الأمور الدينية حتى أصبح يحادث الكبير والصغير من أهل الدين وغيرهم بدون تكلف. وتسبق محادثته مع مكلمه بسمة رقيقة يتلوها كلام روحاني غاية في اللطف, فيشكّل عبارات هينة سهلة الفهم يستمرئها المحدِّث والسامع فيضطر للإصغاء والتقبل مع مبادلة الحديث العذب الذي يسترسل به.
    كان المرحوم يستأنس في عالم نفسه الواسع ويتخلى عن العالم الخارجي عنه، فيًرى وهو في وحدته وقد انحصر وانطوى وانكفأ على ذاته مطأطيء الرأس قليلا, وهو مداوم التلاوة الخافتة مع تحريك الشفتين, تحت الأنف الدقيق, في وسط الوجه المشوب بالسمرة الفاتحة, تتجلله عمامة بيضاء نظيفة متقنة الصنع, والوجه يتوسط كريمة بيضاء مسرّحة دائما,ً حجمها من النوع الوسط او اكثر قليلا, آخذة في الإستطالة على الصدر بعض الشيء, وقد ارتسمت على قسمات وجهه الرِّقة والسكينة والخِشية مع الهيبة والوقار. وعليه ملابس نظيفة جداً تغلِّف جسما نحيفا نحافة دون الوسط، اذا نهض ووقف كان منتصباً مستقيما, واذا مشى بداخل البيت يكون كما تألفه العين بالقمباز الأسود او لابسا فوقه العباءة البيضاء المقلّمة. واذا خرج للخارج في الشوارع, يكون ضمن عباءة سوداء نظيفة وبإزائه رفيق، سائراً بين جمهرة من الإخوان ويستعمل أحيانا النظارات المعتمة إتقاءا للشمس والنور الساطع.
    كان يُلاحَظ منه وهو جالس بين جمع وقد أخذوا في حديث عن موضوع ما، يلاحَظ انه لا يكف عن التلاوة الخفية بينه ويبن نفسه, وذلك من اختلاج الشفتين بالتحريك الخفي. ثم لاحظه عدة مجالسين له في التلاوة أثناء القراءة الدينية, انه كان يحرك شفتيه حسب مقتضى قراءة خصوصية غير القراءة المتلوة جهارا في الصلاة العادية، لذلك فكما هو مع الناس في الرحاب الواسع فهو في الحقيقة مع نفسه في رحاب أوسع فيما بينه وبين خالقه جلّ وعلا.
    تجرّع المرحوم في أواسط عمره تقريباً مرارة المصائب, وذلك بفقده ولده البكر حسن الأول, الذي صار شاباً وقد بانت عليه سيماء العقل والدين وحسن الأخلاق فتجرّع المصيبة بالصبر والحمد والشكر. ثم توفيت بعد ذلك كبرى بناته، جوهرة بعد ان تزوجت. ثم ذاق ايضاً نفس مرارة المصاب بفقد ولده حسن الثاني وكان عمره حين الوفاة أصغر من حسن الأول, وكان قد تفرّس فيه المرحوم فراسة خير على غرار المرحوم حسن الأول, لكنه صبر أيضاً على فقده, وكان في وفاة الحسنين هو الواعظ بالصبر على المعزّين والمؤجرّين. وسلِم له ولدان وهما الشيخ عبد الله والشيخ أمين ثم ثلاث بنات وهن كاملة وهدية ومنيرة, وكان المرحوم قد تزوّج من السيدة أم حسن هيفاء نجم حسون من دالية الكرمل .
    وفي سنة الف وتسعمائة وسبعين قضت مشيئته تعالى, وتوفيت زوجته المرحومة ام حسن هيفاء، أم جميع اولاده ورفيقته الوحيدة في حياته, التي أخلصت له في الواجبات وتفوَّقت في كرمها وواجبها اتجاه الضيوف, وأخلص لها في الحقوق والإحترام.
    وقد ابتلى المرحوم مرض العيون وكان راضياً بما قسّمه المولى عليه مسلِّما اموره اليه حامداً شاكراً على حظِّه من هذه الدنيا الفانية. وفي عام 1971 قضى المرحوم مدة في المستشفى في هداسا وساءت حالنه الصحية وأسلم الروح الى باريها في الحادي والثلاثين من شهر تموز وقد شملت المصيبة جميع أرجاء الطائفة وكان فقدانه خسارة دينية فادحة لا تعوَّض. وقد تجمّعت الوفود والجماهير في قرية عسفيا وجرى الإحتفال بالتشييع بشكل جماهيري متراصّ في الساحات والطرقات, وفُقِد الترتيب والنظام لكثرة الجمهرة والزحام حيث أقيمت الصلاة وأبّن المؤبِّنون ثم توارى الجثمان الطاهر في المثوى الأخير, أمام مدخل الخلوة. وبعد ايام بُني وأقيمت عليه بلاطة مرخّمة نُقش عليها بعض مناقب المرحوم مع تاريخ الوفاة ويسّر للرائدين الراغبين في الدين في التّمشّي على أثره واقتفاء مناقبه وأخلاقه.   


المرجع: كتاب وضعه المرحوم الشيخ كمال معدي عام 1974
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.