spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
كل شيء عن الدروز في لبنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
سيرة الشيخ أمين طريف رحمه الله طباعة ارسال لصديق
ولد سيدنا الشيخ أمين طريف حوالي سنة 1898 في قرية جولس لأبوين فاضلين في بيت عريق النسب. كان والده الشيخ مهنا طريف الذي كان رئيسا روحيا للطائفة الدرزية منذ سنة 1909 حتى وفاته سنة 1928.
جده الشيخ المرحوم أبو صالح سلمان طريف الكاتب الذي ذاع صيته بما تميّز به من التقى والدين فكان مرجعا للسائلين في أمور الدين. كرّس حياته لخدمة الإخوان وأهل الدين.
منذ طفولته كانت تظهر تباشير الخير على محياه. لقد تنبأ الكثير له بمستقبل ديني زاهر. وقد سارع الأهل والأقرباء برعايته منذ الصغر، وعندما بلغ عمر الشباب عزم على التنسك والانفراد للعبادة والسير على طريق المرحوم سيدنا الشيخ علي الفارس عطر الله ذكراه، كل ذلك لوجه الله تعالى ومخافة منه واستعداد لمواجهة يوم الدين، لقد رغب أن يأكل من كد يمينه وعرق جبينه مقتنعا بأقل القليل زاهدا بالكثير حريصا على آخرته ولهذا ارتبط بأواصر الإخوة الدينية الصادقة مع عدد من أعلام الدين الدروز في بلادنا، وبرغبة مشتركة سافروا سوية على خلوات البياضة في لبنان لتلقي التعاليم الدينية والتعرف على آداب الصالحين وسلوك الناسكين فتتلمذ هناك على يد مشايخ البياضة الأتقياء فأدهشهم بشدة صبره ورباطة جأشه ودوام مواظبته.
قضى أوقاته بالعبادة والمراجعة وذكر الله تعالى حتى حفظ غيبا الحكمة الشريفة وأتقن آداب الأمير السيد قدس الله سره. عندها مُنح العباءة البيضاء المقلمة وعمامة الإيمان المدورة باحتفال ديني جامع في البياضة، ورجع على مقر رأسه وأهله في قرية جولس حيث توافد على القرية المشايخ الأجاويد وأهل الخير يتعلمون منه أمور الدين ويسترشدون برأيه.
بعد مضي مدة من الزمن على رجوعه على القرية وفتح بيته العامر للوفود القادمة من الجليل والكرمل ولبنان وسوريا للاسترشاد بوعظه وتعالمه الدينية وجد حاجة ماسة لاختيار شريكة حياته وقد وقع اختياره على المرحوم أم يوسف ندى حسين نبواني من قرية جولس. فكانت شريكة صادقة مؤمنة ومخلصة . كانت مثال الزوجة الكريمة التي اتصفت بمعظم الصفات التي وصف بها سيدنا الأمير المرأة الفاضلة. قامت بواجباتها كأم مربية وربة بيت، وحظيت بالثقة التامة من قِبل رجال الدين على ما كانت تبديه من حسن الأخلاق والطاعة والمواظبة الكاملة على بيت الله وخدمة زوجها وأهل الخير، وقد كتل الله لها أن تتوفى في حياة سيدنا الشيخ وتحظى على شهادتها كاملة بالحق لما اتصفت به من كافة رجال الدين . وفي سنة 1928 توفي الشيخ مهنا طريف والد سيدنا الشيخ، واتجهت الأنظار نحوه مطالبة وراغبة أن يخلفه في المنصب حبا بالله ورجاء لعمل الخير، وبعد إلحاحا ورجاء وافق سيدنا الشيخ على تحمل المسؤولية وخدمة الطائفة بتاريخ 21 - 3 - 1928.
منذ تولى فضيلته الرئاسة الروحية للطائفة وضع لنفسه برنامجا إرشاديا وحركة توعية لأبناء الطائفة في البلاد. فقد اتفق مع عدد من أعلام الدين في البلاد آنذاك على القيام بجولات تضم جميع القرى الدرزية والهدف منها الوعظ والإرشاد وتنشيط حركة الدين بين أبناء الطائفة الدرزية. وأخذت تلك الجولات تتكرر سنويا . وكان أبناء الطائفة ينتظرون قدوم فضيلته ويعتبرون ذلك عيدا لهم. فقد تفرعت مسؤولية الوفد إذ حل جميع المشاكل التي وقعت في القرى الدرزية. وكان ذلك الوفد يخرج من القرية والوئام والسلام والمحبة تسود أفرادها. وكانت أول ثمرة للنصائح والعظات التي كان يقدمها فضيلته منع الأفراح في الأعراس. فقد كان فضيلته يقول إن أكثر المخالفات لإرشادات الأمير السيد قدس الله سره تهز بدنه هذه الأفراح في الأعراس واختلاط النساء بالرجال، ومما لا شك فيه أن الطائفة مرّت في ظروف صعبة وحرجة زمن الانتداب البريطاني نتيجة الصراع الطويل الذي دار بين الفئات السياسية المختلفة في هذه البلاد. ولكن بالإيمان الصادق والحكمة البالغة والعمل الدائم استطاع فضيلته أن يقود الطائفة إلى شاطئ الأمان. وكان أكثر قرارات الشيخ حكمة هو المحافظة على بقاء المواطنين الدروز في قراهم سنة 1948 حيث تم التمهيد لذلك قبل وقوع الحرب. وبعد قيام دولة إسرائيل تغيّرت اتجاهات سيدنا الشيخ نظرا للانتعاش الاقتصادي والدعم الحكومي باشر فضيلته بترميم وتصليح المقامات المقدسة للطائفة في البلاد وأولها مقام سيدنا شعيب عليه السلام في حطين. لقد رمم المقام القديم الذي يحتضن الحجرة الشريفة وأضيف مقام آخر كي يتسعا لجماهير المؤمنين الذين يزورون المقام الشريف . ثم أضيفت هناك عشرات الغرف لتأوي العائلات الزائرة ثم عمل على توسيع ساحة المقام الشريف. ثم قام فضيلته بترميم مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف. ومقام النبي سبلان عليه السلام في حرفيش.
لقد عالج فضيلته جميع المشاكل التي كانت تثور في القرى الدرزية صغيرة كانت أم كبيرة بجد وعزم وثبات. كانت هناك المشاكل الكبيرة مثل هدم البيوت غير المرخصة في القرى، وقضايا الجنود الدروز والمتدينين الشباب ونتيجة لجهوده اقر بند في وزارة الداخلية بأن تعطى الفتاة الدرزية هوية دون إلصاق صورة لها لأسباب دينية. وقضايا مصادرة الأراضي ، لقد واجه سيدنا الشيخ ظروفا صعبة ففي الخمسينات أثناء الاعتداء الغاشم على جبل الدروز من قِبل الطاغية أديب الشيشكلي ، كذلك عالج قضايا هضبة الجولان أثناء حرب 1967 وحرب سنة 1973 .وفي سنة 1982 أثناء حرب لبنان كانت فترة عصيبة وأزمة من أصعب الزمان لأنها كانت معقدة وشائكة وتحتاج لعلاج يومي دائم، لكن فضيلته بالعزم والإيمان لم يفوت أي فرصة لمساعدة إخواننا دروز لبنان. سخر الليل والنهار ولم يترك بابا إلا طرقه ولا سبيل إلا وسار عليه لتخفيف الغبن والجور عنهم. ولقد يسر الله الظروف والفرص وأخذ بيد فضيلته وحلت معظم مشاكلهم.  
كانت كلمة سيدنا الشيخ نافذة في كل موقف وكل مجلس وإليه يعود الفضل في عقد رايات الصلح وفي إزالة أسباب الخلافات والصراعات الداخلية في أوساط أبناء الطائفة الدرزية في سوريا ولبنان. وعلى الصعيد الديني نجح فضيلته في إقناع حكومة إسرائيل الاعتراف بالطائفة الدرزية طائفة دينية مستقلة لها مؤسساتها الدينية ولها قوانينها المذهبية وأدى هذا الاعتراف على تشكيل الرئاسة الروحية في أواخر الخمسينات برئاسة فضيلته وعضوية المرحومين : الشيخ كمال معدي، والشيخ أحمد خير، وأسندت إلى أعضاء الرئاسة الروحية مناصب قضائية حيث شُكلت منهم محكمة الاستئناف الدينية الدرزية. وفي نفس الوقت شُكلت المحكمة الدينية الأولى من ثلاثة قضاة : الشيخ سلمان طريف والشيخ حسين عليان والشيخ لبيب أبو ركن سنة 1962.
في سنة 1982 زار فضيلته مع وفد كبير ضم المشايخ والأجاويد جبال الشوف في لبنان واجتمع بالمشايخ والأهالي هناك، واستُقبل بأروع استقبال وقد اجتمع رأي أخل الدين في لبنان على أطلاق لقب شيخ الجزيرة على فضيلته رئيسا روحيا للدروز في كل مكان سنة 1985.
في سنة 1990 حصل فضيلته على جائزة الدولة تقديرا لمكانته الدينية والاجتماعية  إن تحديد صفات الشيخ من أصعب الأشياء وذلك لكثرتها. فقد كان قوي الشخصية متواضعا، حسن اللباس ، تقيا، ورعا، كريما، يفضل إخوان الدين، ويحافظ على كرامة الجليس، أمينا، خدوما، فقد ساعد الكثير من أبناء الطائفة والطوائف الأخرى الذين كانوا يقصدونه للمساعدة محترما ومعتبرا عند زعماء دولة إسرائيل إذ أصبح بيته محجا لكبار الزعماء.
ستبقى تعاليم المرحوم الشيخ وتوصياته وقراراته الحكيمة منارا نا وهدى وتوجيه وستظل شخصيته الفريدة من نوعها نبراسا يهدينا وينير طريقنا.
رحم الله سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.