spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 63
الأماكن الدينية الدرزية في مدينة الكرمل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
قصة من التراث: الشيخ سليم والأمير شكيب طباعة ارسال لصديق
فرضت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، التجنيد الإجباري، وهو ما يُعرف عند العامة بسفر برلك، حيث أجبر كل شاب من سن الست عشرة وحتى الستين الالتحاق بالخدمة العسكرية.وقد طُلب من أربعة عشر إماما روحيا، من المشايخ المقيمين في خلوات البياضة، أن يلتحقوا بالخدمة العسكرية الإجبارية. ولم يشفع لهم أنهم أئمة روحيين، ويجب العفو عنهم. وهنا ثارت حمية المشايخ الشرفاء، من أبناء الطائفة، فكانت مبادرة الشيخ أبو إسماعيل سليم  خير الدين، حيث ترك أعماله وتجارته، وانتقل إلى دمشق الشام، للسعي لدى الوالي العثماني، كي يعفيهم من الخدمة.
وهناك علم بوجود الأمير شكيب أرسلان في المدينة، فأسرع لمقابلته في مكان وجوده، غير أنه لم يتمكن من مقابلته في اليوم الأول، بعد أن أخبره معاونه السيد نسيب بك الأطرش، أن الأمير ذهب للغداء عند آل العظم ولن يعود هذا اليوم. وفي اليوم التالي، وعند محاولته مقابلة الأمير من جديد، أجابه معاونه أن الأمير يعتذر عن استقبال الزائرين، لضيق الوقت عنده. صعد الدم إلى وجه الشيخ أبو إسماعيل بعد سماعه الاعتذار، ثم صرخ في وجه المعاون:" إنني آت من وادي التيم، ومن بلدة حاصبيا بالذات، ومن قِبَل مشايخ البياضة، كعبة الموحدين وقدس أقداسهم، لأمر ضروري ومصيري يتعلق بهم. أفليس من واجبه استقبالنا والاستماع لشكوانا؟ أفليس من حقنا قرع بابه والاحتماء إليه؟ أفليس من حق لنا عليه، وعلى أمثاله، القادة اتجاه طائفتهم؟ أفليس يعلم أن لولا طائفته وبسالة رجالاتها وبطولاتهم عبر التاريخ، لما تمكن هو وغيره من البروز والبقاء، وأكثر من ذلك، لما تمكن أن يكون أميرا، أو ربما لِما كان ينادي به أكثر من شكيب أفندي؟؟"
طرق الصوت والصياح مسامع الأمير، فهبّ من مكتبه ليعلم ما الخبر، وإذا به أمام شيخ متجهم الوجه، غاضب النظر، بحالة لا توصف من الانفعال وضيق الصدر. طيّب الأمير خاطره، ثم وجّه اللوم إلى مرافقه لتصرفه هكذا، ورحّب به قائلا بعد أن دعاه للدخول :" صدقتم يا شيخنا الجليل الكريم، فنحن نقر ونعترف بما تفوهتم به، والتاريخ يشهد أيضا بذلك. فأنتم الأصل ونحن الفروع، أنتم الصخرة والأساس ونحن البناء والارتقاء، أنتم صانعو الكرامة والمجد، ونحن من ننعم بهما، إرثا وممارسة. أطلب ما تريد ونحن آذان صاغية للسمع وإرادة كلية للتنفيذ بما نستطيع."
دخل الشيخ وجلس بوقار واحتشام، ثم تكلم برصانة قائلا :" عطوفة الأمير، عاش السلطان، وعاشت الدولة العلية، نحن عبيدها وجنودها، لكن لكل حد حدود. هل ترضيكم الوقاحة عند بعض رجال الدولة بسوق أئمة الدين إلى جبهات القتال؟ هل يرضيكم سوق المريدين الموجودين في خلوات البياضة، وتركهم عبادتهم وخلواتهم ليحملوا السلاح والعتاد والذخيرة، ثم التقهقر في بلاد وأصقاع لا يعرفونها، وفي حروب غير مقتنعين بها، لأنها بنظرهم ليست دفاعا عن العرض أو الكرامة، أو استعادة لسلطان وامتلاكا لحرية واستقلال؟ هل ترضيكم وشايات النفوس الحقيرة القذرة ومقاصدهم الدنيئة؟".
بعد سماع هذه العبارات، استرخت تقاسيم وجه الأمير سرورا وحبورا، ثم أجاب الشيخ قائلا :" أقوالكم مطاعة وأفكاركم جليلة، ونحن جنود للدفاع عنكم وعن رجال الدين أينما كانوا. أخبرهم أنه لن يُساق أي شيخ منهم، وأنني باق هنا في دمشق حتى يتحقق طلبهم. وأخبرهم أيضا أن إرادتي لتحقيق ذلك صلبة كالفولاذ، ولن تلين مهما تكن الصعاب، راجين منهم أن يذكرونا في صلواتهم وأدعيتهم، والله تعالى معهم، ونحن من ورائهم. كما وأنني سأخاطب المسئولين هنا قائلا، بما أن للأديرة المسيحية، والمدارس الدينية والإسلامية ومريديها وقاطنيها، حرمة وتقديسا وإعفاءً عند السلطات العليا، كذلك وجب أن تكون البياضة الشريفة، لأنها بحد ذاتها أوسع من دير، وأكبر بكثير من مدرسة دينية، بل هي مع قاطنيها جامعة روحية مقدسة."
وهكذا عاد الشيخ أبو إسماعيل من دمشق مسرور الخاطر، منفرج الصدر، ثم قصد البياضة، وأخبر مشايخها بما حدث معه، وبما تكفل به الأمير شكيب. وفي النهاية كان لهم ما أرادوا.
عن كتاب حصاد من الزمن للأستاذ غالب سليقة بتصرف.  
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.