spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 38
حول شخصية رشيد بك طليع
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: ليتنا كلنا جهلاء مثله!! طباعة ارسال لصديق
ذُكر عن العالم ألبرت آينشتين، أن والده أهدى له  في عيد ميلاده العاشر بوصلة صغيرة، كان لها الأثر البالغ في نفسه وتركّز اهتمامه بإبرتها المغناطيسية التي تشير دائما إلى الشمال والجنوب، واستخلص هذا الصبي بعد تأمل عميق، أن الفضاء ليس خالياً، ولا بد وأن فيه ما يحرك الأجسام ويجعلها تدور في نسق معين. وكانت هذه الهدية نقطة تحول في حياته، جعلته يكرس جل وقته في البحث والتنقيب والتأمل والتوجه للمواضيع العلمية.
 وما حدث مع العالم آينشتين، حدث ما يشابهه مع عظماء كبار، ظهر نبوغهم بارزا، بعد حدث معيّن، أو صدفة، أو أمر لم يكن مخطّطا، فاستطاعوا أن يجمعوا كل قواهم العقلية في الإبداع والخلق والتألق والاختراع، وأسدوا إلى الإنسانية خدمة كبيرة، وبفضلهم وبفضل أمثالهم، وبرشد وهداية من العلي القدير، استطاع الإنسان على مر التاريخ، أن يحقق الإنجازات الهائلة التي توصَل إليها حتى الآن.
ولاشك أن آينشتين هو عالم فذ ذو قدرات عقلية هائلة ومستوى رفيع، لكنه لم يكن لينجح أو ليتقدّم لوما أنه وجد دعما من أهله ومن المقرّبين إليه، ومن المحيط الذي يعيش فيه. وبدون هذا الدعم، لم يكن ليستطيع أن يحقق ما حققه من خدمة للإنسانية ولتقدم العلم والفيزياء. ومن يستعرض سيّر كبار العلماء والمخترعين والباحثين، يجد عادة نمطا ثابتا يتغيّر من مكان لمكان بتفاصيله الطفيفة فقط، وهو وجود موهبة بشرية خلاّقة،هذه الموهبة تحقق إنجازا فريدا من نوعه وتحظى بدعم من المحيط حولها، وينتشر هذا الإنجاز على المستوى العالمي مضيفا إلى الإنجازات السابقة صرحا جديدا.
 وما نأسف عليه، هو أنه يوجد في المجتمعات عادة عدد كبير من الموهوبين وذوي القدرات العقلية الذين يشبهون آينشتين ونيوتن وأديسون وغيرهم، ولا بد أنهم اخترعوا أو ابتكروا أو أوجدوا أمورا عظيمة، لكنهم لم يستطيعوا أن يحصلوا على تشجيع ودعم ممن هم حولهم، فضاعت اختراعاتهم وذهبت أدراج الرياح. ولو انتبه أحد إلى ما قاموا بإنجازه، ولفت النظر إليهم، لربما حصلنا على إنجازات أكبر بكثير مما عليه نحن اليوم.
وهذا الأمر ينطبق بحذافيره على مجتمعنا نحن، وأرجو أن لا نصاب بالإحباط والتقوقع والقول إننا طائفة صغيرة، ومجتمع متأخر، ومن يتوقع منا أي إنجاز. هذا غير صحيح، فمَن يدرس تاريخ الطائفة الدرزية خلال ألف سنة، يرى أن طائفة تعد اليوم في أقصى حد، مليوني نسمة فقط، استطاعت أولا أن تحافظ على وجودها وكيانها خلال مئات السنين، بالرغم من كل التحديات والتهجمات والتعديات التي واجهتها، واستطاعت ثانيا أن تنجز عددا كبيرا من العظماء والقادة والرواد في المجالات التي عملت بها. وبما أن الطائفة تحمّلت من المطاردة والاضطهاد والعنف والملاحقة، فقد كان من الواجب عليها أن تدافع عن نفسها، وقد أجادت ذلك وتميّزت به، وأنجزت عددا من القادة العسكريين مثل أنوشتكين الدزبري ، الأمير رافع بن أبي الليل، شبلي العريان وغيرهم. وبما أن الطائفة الدرزية عاشت في ظروف اجتماعية ودينية وسياسية غير مستقرة، كانت تتطلب وجود زعماء وإداريين وحكّام ذوي قدرة، كي يحسنوا إدارة المجتمع الدرزي ويجنّبوه الأخطار والأحداث ويحسنوا تنظيمه وإدارته. فأنجبت الطائفة الأمير فخر الدين المعني، والشيخ بشير جنبلاط والأمير سليم الأطرش والزعيم رشيد طليع وغيرهم.
ومن الطبيعي، أنه في جو يواجه فيه مجتمع ما تحديات عسكرية وأخطارا تهدد كيانه ومصيره، ولعدم وجود استقرار داخلي، لا يمكن أن نتوقع منه إنجازات كبيرة في مجالات العلم والأدب والثقافة والفنون، لأن كل شغله الشاغل هو الدفاع عن نفسه. ومع كل هذا استطاعت الطائفة الدرزية، أن تخلق أسماء أدبية على مستوى رفيع، ذاع صيتها واشتهرت في العالم العربي، وفي المجال العالمي مثل الأمير شكيب أرسلان والمعلم كمال جنبلاط وغيرهم.
ومن أهم إنجازات الطائفة الدرزية في هذه الظروف الحالكة، والأوضاع القاسية، والأجواء الصعبة، ظهور مجموعة كبيرة من الأولياء الصالحين، ومن رجال الدين الأتقياء، الذين أكسبوا الطائفة الدرزية زخما روحانيا عطرا، وأصبحوا منارات توحيدية في سماء العشيرة المعروفية، وكانوا الموجّه والدليل والمرشد، وفي مقدمتهم الأمير السيد قدس الله سره، والشيخ الفاضل (ر) والشيخ علي الفارس (ر) والشيخ أمين طريف (ر)  والشيخ إبراهيم الهجري (ر) ومجموعة كبيرة من أفاضل الشيوخ الذين رفعوا راية التوحيد، والذين تمكّنت الطائفة ببركتهم أن تستمر وأن تقوى وأن تظل شامخة رافعة الرأس.
ومن هنا نؤكد ونقول، إن الظروف التاريخية لم تسمح للطائفة الدرزية أن تقدّم إنجازات كبيرة في مجالات العلم والثقافة، لكنها استطاعت مع هذا أن تحقق الكثير الكثير، لوجود قدرات وعبقريات ومواهب كثيرة بداخلها. وبالرغم من أن الأخطار ما زالت تحدّق بالطائفة في أماكن كثيرة، إلا أنه توجد بعض المواطن التي يعيش فيها الدروز بأمن واستقرار. وبما أننا نعيش في فترة يسود فيها التعليم والخلق والإبداع والتألق، لذلك لا ينقصنا شيء من أن نقتبس من المجتمعات الأخرى، كيفية الظهور والبروز في هذه المجالات، على أن نبدأ مسيرتنا العلمية من البداية، بأن نهيئ جوا ومناخا مناسبا لأبنائنا للتعليم والتحصيل والدراسة، وبعدها أن نفتح المدارس المتميزة في قرانا،  وأن نواظب  أن يتعلم أبناؤنا وبناتنا في جو توحيدي مناسب، بحيث نحقق لهم تحصيلا علميا رفيعا، وفي نفس الوقت إطارا  تراثيا مقبولا، بحيث إذا اجتمعت الفضائل التوحيدية مع القدرات العلمية في إنسان ما، وتواجد في بيئة مناسبة، ووُضعت أمامه تحديات رفيعة المستوى، لا بد أن تخلق منه عالما مثلما يحدث في الشعوب الأخرى.
ونعود لنكرر القول، إن مجتمعنا التوحيدي، وطائفتنا الدرزية، تضم بين ثناياها، قدرات كبيرة، ومواهب خارقة، وإمكانيات ضخمة، وعلينا أن نثق بأنفسنا، وأن نؤمن بقدراتنا، وأن نركز كل جهودنا في دعم الخامات الموجودة بداخلنا، وأن نتعلم من الآخرين، الامتياز والتألق والمواظبة والسعي الحثيث للحصول على نتائج، وأن نتعلم كيف نركز جهودنا في الأمور الجوهرية الحقيقية، وليس في القشور البراقة.
 وهنا نعود إلى حياة ألبرت آينشتاين، وهو أحد اكبر العلماء في العصر الحديث، لنجد بعض الطرافة والدعابة في حياته، بالرغم من الصرامة الجدية التي تغلف حياته وأعماله،فقد ذهب آينشتاين يوما ليأكل في مطعم، ونسي نظاراته في البيت، ولم يستطع قراءة قائمة المأكولات والأسعار، فطلب من الجرسون أن يقرأها له. نظر الجرسون إليه، وقال بتأثر شديد، وهو لا يعلم من أمامه، وقال: آسف يا سيدي، أنا جاهل مثلك، لا أعرف القراءة والكتابة 


والله ولي التوفيق

سميح ناطور
دالية الكرمل
آذار 2013
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.