spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
قالوا في الدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
تاريخ عسفيا طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ المرحوم محمود كناعنة
تقع قرية عسفيا على ارتفاع حوالي 520 م فوق سطح البحر، على الشارع الرئيسي الموصل بين حيفا ومفرق الياقيم، وهي تبعد 13 كم إلى الجنوب الشرقي من مركز الكرمل- حيفا.
يظهر من الأبحاث الأثرية والاستطلاعات المختلفة، أن أقدم سكنى في ناحية القرية كانت في ناحية الخربة الشرقية، إلى الشرق من عسفيا، حيث توجد هناك القطع الفخارية المهشمة العديدة، والتي تعود إلى مختلف العصور وحتى نهاية العصر الروماني. وإذا ابتعدنا قليلا في الكرمل المملوء بالمغاور وعيون الماء والغابات، وهي كلها شروط ممتازة لاستيطان الإنسان الأول، نجد كثيرا من المواقع التي تضم الكثير من آثار الإنسان الأول، ابتداء من العصر الحجري القديم. ونحن نجد الكثير من الآثار، وخاصة الفخارية التي تدل على سكنى مزدحمة في العصر الهليني وأواخر عصر الهيكل الثاني، وذلك في أماكن مختلفة، مثل الخربة الشرقية وخربة البستان والرقطية وخربة العسافنة وغيرها.  وعسفيا بالذات كان يسكنها اليهود مع بقية أقسام الكرمل، ابتداء من احتلال الملك المكابي إسكندر يناي، ويظهر أن السكنى استمرت في منطقة الخربة الشرقية طيلة العصر الروماني حتى مطلع القرن الرابع الميلادي، وكذلك في العصر البيزنطي حتى مطلع القرن السابع الميلادي. ولكن يظهر أيضا، أن السكنى الأساسية منذ العصر الروماني وفي العصر البيزنطي، انتقلت من الخربة الشرقية إلى عسفيا بالذات، بدليل قلة الآثار الفخارية البيزنطية في هذه الخربة الشرقية وكثرتها في عسفيا. وبدليل آخر هام هو ذلك الكنيس اليهودي الجميل، الذي أقيم في فترة الانتقال من العصر الروماني إلى البيزنطي. وكان الكنيس يقوم قرب ساحة الخلوة في القرية، وكان يتجه نحو الشرق مثل بقية الكنس من ذلك العصر. ويمتاز الكنيس في عسفيا من غيره بصورة الطاووس التي لم يعثر على مثيل لها في دور العبادة اليهودية إلا في كنيس معون.
استمرت السكنى في ناحية عسفيا بعد العصر البيزنطي في منطقة الخربة الشرقية، طيلة العصور التي سبقت الحروب الصليبية، كما تدل الآثار الفخارية في هذه الخربة. وهناك من يرى أن السكنى في عسفيا استمرت أيضا في هذه العصور. ويذكر أوليفانت بأنه وجد الكثير من الزخارف والآثار في بيوت عسفيا، عندما تجوّل فيها في أواخر القرن التاسع عشر، وهو ينسبها إلى العصر الصليبي... وقد أصبح الكرمل الأعلى أشبه بالملجأ الذي يهرب إليه الفارون والمتضايقون في الظروف المختلفة. وخير مثال على ذلك أنه في سنة 1218 هرب قسم من الجيش الصليبي، بعد فشل حصار دمياط عائدا إلى عكا، واختبأ في الجبل حتى وجد الوقت المناسب للخروج. نعلم من المصادر المختلفة عن وجود قرية واحدة في الكرمل، أثناء العصر الصليبي اسمها قرية العفا أو عفا، وقد يكون مقصود هو اسم عسفيا.
 
لسنا نعرف على وجه الدقة، التاريخ الذي بدأ فيه سكنى الدروز لقرية عسفيا الحالية، وإن كان كل مؤرخي العصر العثماني، يميلون إلى الأخذ بالرأي القائل، بأن الدروز استوطنوا عسفيا، إبّان حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني في حوالي القرن السادس عشر، حيث عزم هذا الأمير على تعزيز مركزه ببناء القرى وتشجيع انتقال الدروز المخلصين لحكمه، عند أطراف الكرمل الجنوبية. ولهذا نجد هؤلاء المؤرخين يحدثوننا عن تأسيس حوالي ثمان قرى درزية في الكرمل، كان أقدمها عسفيا التي جاء سكانها أصلا من لبنان، وآخرها دالية الكرمل التي جاء سكانها أصلا من حلب في سوريا. وأما بخصوص عسفيا فهناك رأي يقول بأن عسفيا لم تكن خربة، وإنما كانت مسكونة منذ العصور القديمة، ولم تُترك أبدا، بدليل أن الخلوة في القرية أقيمت في نفس أو على مقربة من المكان الذي كان يقوم فيه الكنيس القديم. وقد يقوي هذا الرأي ويثبته أننا نجد خارطة لاتينية، تعود إلى سنة 1663 تذكر عسفيا بصيغة عسفيا. كذلك نعلم أيضا أن الرحالة موندرل، الذي مرّ بالبلاد سنة 1697، يقول بأن للدروز العديد من الجبال التي تمتد من كسروان إلى الكرمل. مما يؤكد وجود سكنى درزية في هذه الناحية، ويظهر أن هذه السكنى كانت تتعزز أحيانا وتضعف أحيانا أخرى. فقد تعززت مثلا بعد معركة عين دارا سنة 1711 حيث تأسست حسب رأي بن تسفي كل من الدامون والمنصورة. وقد أصاب قرى الكرمل الدرزية، وبضمنها عسفيا، الكثير من العداء والظلم في الفترات المختلفة، وكان آخرها وأبرزها، أثناء ثورة الدروز ضد إبراهيم باشا، حيث تحصن أهل القرى الدرزية في الخربة المعروفة اليوم باسم القلعة، ولكن مدفعية إبراهيم باشا التي قصفتهم من المنحدرات، أصابت الكثير من مقاتليهم، وأدى هذا إلى تدمير بعض القرى الدرزية في الكرمل، وتراجع المقاتلون منهم إلى رأس الكرمل.
 
أما القرى الدرزية القريبة من عسفيا، والتي أُخربت بعد حروب إبراهيم باشا فهي: المنصورة، الدامون، الخريبة، الرقطية، جلمة المنصورة، جلمة العسفاني، خربة الشقاف وأم الزينات. ويؤكد بن تسفي أن معظم الخرب هُدمت بعد خروج إبراهيم باشا في ناحية الكرمل. وبعد خروج إبراهيم باشا من البلاد بحوالي عشرين عاما، نجد أن عدد سكان عسفيا لا يزيد عن 400 نسمة، حسب تقدير القنصل روجرس، وهو عدد قليل نسبيا يشير إلى هجرة بعض السكان.  ويظهر أن هجرة قسم من السكان من أنحاء لبنان في أعقاب مذابح 1860 وبعد أن انقلب الوضع، وأيد السلطان العثماني فكرة إنزال القصاص بقسم من دروز جبل لبنان، بتأثير ضغط الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، بعد هذا ازداد عدد السكان الدروز في عسفيا، فأصبح حوالي 500 نسمة في مطلع سنوات السبعين. وهذه المرة نسمع عن وجود عائلات مسيحية في عسفيا، وصل عددها إلى خمسين نسمة، حسب إحصاء أوليفانت، مع أن بعض المصادر تقول لنا، بأن السكان المسيحيين استوطنوا عسفيا في القرن الثامن عشر، إي قبل هذا الإحصاء بقرن كامل، وأنهم جاءوا إليها من منطقة بيت لحم ورام الله، والواقع أن قسما من العائلات المسيحية في عسفيا، لا يزال يحمل اسم تلحمي نسبة إلى بيت لحم.
وعندما نعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، نجد لدينا بعض الإثباتات الأخرى على ازدياد عدد السكان نسبيا في عسفيا، ومن ذلك مثلا أننا نعلم أنه في هذه الفترة بالذات، ابتدأ أهل عسفيا باستغلال وزراعة أراض خارج جبل الكرمل، أي في سهل زبولون حتى نهر المقطع، وذلك لأن الأراضي الجبلية ذات التربة الحورية والجيرية اللينة، لم تعد كافية بإنتاجها القليل لسكان عسفيا. ولهذا زرعوا السهل واتخذوا من خربة الجلمة مزرعة صيفية يقيمون فيها أثناء العمل. هذا بالإضافة إلى ما اشتهر من الكرمة والزيتون والعسل في عسفيا.
ولهذا نرى عدد سكان عسفيا في ازدياد مستمر، ويظهر أنها بدأت تستوعب المزيد من السكان، وتتطور نسبيا في فترة من الهدوء والاستقرار النسبي. وقد بلغ هذا العدد سنة 1887 حوالي 555 نسمة وارتفع إلى حوالي 595 نسمة في سنة 1907 وهي السنة التي كتب فيها ميلنن مقاله عن الكرمل، وكان ثلاثة أرباع السكان من الدروز تقريبا، والربع الأخير من المسيحيين. وقد أصبح هذا العدد في بداية عهد الانتداب البريطاني، وبالتحديد عام 1931 حوالي 1105 نسمة منهم 742 من الدروز، وأصبح عند قيام الدولة عام 1949 حوالي 1807 نسمة. وبلغ عدد سكان القرية في مطلع سنة 1952 حوالي ألفي نسمة، وأصبح هذا العدد سنة 1962 حوالي 3200 نسمة، وقفز إلى أربعة آلاف نسمة عام 1971 أي بتزايد طبيعي يصل إلى 100 نسمة في العام الواحد، وهي نسبة عالية من التزايد. غير أن عسفيا لم تتقدم فقط في الناحية العددية، وإنما نجد أنها منذ قيام الدولة، خطت عدة خطوات في مجال التقدم العمراني والثقافي والاقتصادي. فقد تم إقامة أحياء جديدة وتوسيع الأحياء القديمة، بعد أن أقيم فيها مجلس محلي عام 1951.
وقبل الانتهاء بالحديث عن هذه القرية، تجدر بنا الإشارة إلى الكنز الذي تم العثور عليه في أرض القرية سنة 1960. فقد عُثر عليه وهو مخبوء في جرتين من الفخار وبهما 4560 شاقلا من الفضة منها 2400 شاقلا من مدينة صور، وحوالي ألف قطعة من فئة النصف شاقل من صور أيضا،  بالإضافة إلى 160 دينارا روميا من عصر أغسطس قيصر منها ثلاثة دنانير من عصر طباريوس. أما التواريخ التي تحملها قطع النقد هذه فتتراوح بين سنة 40 ق.م وسنة 53 م وقد استدل المؤرخون بأن هذه الكمية من المال هي الضريبة التي كان يدفعها معظم اليهود المقيمين في ضواحي صور إلى خزينة الهيكل المقدس في أورشليم. وكان عدد الطائفة اليهودية في ناحية صور حوالي ثلاثين ألف نسمة. وعندما أرسلت هذه الأموال إلى الهيكل في أورشليم، أثناء الثورة اليهودية الكبرى في أرض إسرائيل، كان الجليل الغربي كله بيد القائد الروماني فيسبيان، وبذلك أقفلت الطريق إلى أورشليم. وحاول المسؤولون عن هذا المال أن يغيروا الطريق مارين بوادي الياجور إلى جبال السامرة وتبين أن هذه الطريق أيضا أصبحت بأيدي الجنود الرومان، لهذا قرروا دفن المبلغ على بعد معين من كنيس عسفيا القديم، ليعودوا إليه ويأخذوه بعد انتهاء الثورة، ولم يعد أحد منهم إلى المكان وبقي الكنز في محله حتى عُثر عليه.
جزء من مقال نشر في السبعينات في مجلة الهدى
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.