spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
العمامة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
العلاقات الدرزية المسيحية في أعقاب زيارة البابا للبلاد طباعة ارسال لصديق


 
لقد كانت لزيارة قداسة الحبر الأعظم للبلاد، أهمية كبيرة للدولة، للطائفة المسيحية، والطائفة الدرزية. فقداسة البابا هو شخصية دينية عالمية، لها مكانتها الكبيرة، ومنزلتها القصوى، وأهميتها الكبرى، في الأوساط الدولية، وبين شعوب العالم. وقدومه إلى البلاد، يتفقد أحوال الناس، وليس فقط أبناء الطائفة المسيحية، هو حدث له مغزى كبير، فجميع الأنظار ووسائل الإعلام، تتركز في رحلته هذه وفي مجرياتها.   
 
 وقد كانت لهذه الزيارة ومن ناحية الطائفة الدرزية عدة أبعاد:
1- البعد التاريخي:  لقد حكم الدروز مناطق واسعة من لبنان والمنطقة خلال ثمانية قرون، منذ بدء الدعوة في مستهل القرن الحادي عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر، في حكم بشير الشهابي، الذي تنصر والذي تسلم الحكم باسم الدروز ومن قبلهم، لكنه تنكر لهم وحاول القضاء على نفوذهم ونجح بذلك.  وفي كل هذه الفترة حمى الدروز المواطنين المسيحيين، خاصة أولائك الكاثوليك الذين اضطهدوا في روسيا من قبل المسيحيين الأرثوذكس، فهاجروا جنوبا واستقبلهم الدروز كعادتهم بالترحاب، وأعطوهم الأراضي ليبنوا بيوتهم وكنائسهم، وقد زادت هذه الحركة خاصة في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني. وقد توجه على مرّ التاريخ  الباباوات إلى الحكام والأمراء الدروز في لبنان وفي المنطقة، يشكرونهم على معاملتهم الحسنى للمواطنين المسيحيين.

2- البعد المحلي: العلاقات الطيبة والجيدة بين أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، وبين أبناء الطوائف المسيحية، هي هدف ورسالة من قِبل أقطاب وزعماء الطائفة الدرزية دائما. فالمواطنون المسيحيون يعيشون في القرى الدرزية: المغار، الرامة، كفر سميع، البقيعة، حرفيش، أبو سنان، كفر ياسيف، شفا عمرو وعسفيا. وهم يعيشون في هذه القرى منذ مئات السنين باحترام وتقدير وحماية المواطنين الدروز لهم دائما. ولا ننكر أنه تقع أحيانا هنا وهناك، بعض المشادات أو المشاكل بين المواطنين الدروز والمسيحيين، إلا أن مشاكل كهذه تقع بين المواطنين الدروز أنفسهم، بين عائلات أو فئات مختلفة، وتقع كذلك بين مواطنين مسيحيين في قرى لا يسكنها دروز مثل معليا، ترشيحا وفسوطة. فالمجتمع الشرقي لا يخلو أبدا من بعض المشادات في داخله، لأسباب اقتصادية ، سياسية، أخلاقية وحتى دينية. لكن إذا قسنا المدة الطويلة التي يعيش فيها الدروز والمسيحيين في هذه البلاد وعدد القرى، نجد أن الاحتكاكات والتصادمات كانت قليلة، وكانت تنتج بين أفراد، وربما تتطور إلى عائلات، لكنها لم تنجرف ولا مرة إلى صدام طائفي مستمر. وفي كل الحالات التي وقع فيها حدث كهذا، كان رجال الطائفة يسارعون إلى حسم الموقف وردع المعتدين، إذا كانوا من شباب الطائفة، واستئناف العلاقات الطيبة التي كانت مستمرة. وقد شهد الكثيرون من زعماء الطائفة المسيحية أنه في القرى التي سكنها مسيحيون ودروز عام 1948 جمع الحكام العسكريون المواطنين المسيحيين في مركز القرية، من أجل ترحيلهم من البلاد، فقام زعماء كل قرية من الدروز، وأصرّوا على إبقاء جميع المواطنين في بيوتهم، واستعملوا كل نفوذهم وقدراتهم، من أجل أن يظل المواطنون المسيحيون في بيوتهم. ونحن نلاحظ أن فضيلة الشيخ موفق طريف، يقوم دائما بزيارات للمطارنة ولكافة رجال الدين المسيحيين من كافة الطوائف، مرافقا من قبل مشايخ الطائفة، للمعايدة ولتقديم التهاني في المناسبات المختلفة، كما يفد إلى الطائفة، معظم الرجال المسيحيون، لزيارة مقام النبي شعيب عليه السلام، أو لزيارة الشيخ موفق طريف في منزله. وهناك زيارات متبادلة بين السيد أمل نصر الدين، رئيس مركز الشهيد الدرزي والمطران إلياس شقور وغيرهم من رجال الدين. وقد بدأ هذا النهج فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، حيث اهتم بالتواصل الديني بين المواطنين الدروز وبين المواطنين المسيحيين.
 
3-  البعد التنظيمي: لقد سعدنا وأثلج صدورنا أن نعلم، أن وراء تنظيم حملة قدوم قداسة البابا إلى البلاد، بعض كبار الموظفين في الدولة من أبناء الطائفة الدرزية. فبحكم عملهم انتدبتهم الدولة ليخططوا قبل أشهر من وصول قداسته كل بنود البرنامج، وليرتبوا كل ما يجب عمله، لإنجاح هذه الزيارة وتحقيق أهدافها. وقد برز أثناء الزيارة الدور الكبير الذي قام به السيد بهيج منصور، مدير قسم الطوائف الغير يهودية في وزارة الخارجية، والسيد بهيج هو سفير سابق ومن رجالات وزارة الخارجية الإسرائيلية، شاب مثقف من قرية عسفيا ينتسب إلى بيت له دور كبير في الزعامة والسياسية، فوالده هو السيد كنج منصور، رئيس مجلس عسفيا المحلي سابقا. وجده الشيخ نجيب منصور، كذلك رئيس مجلس محلي سابق في عسفيا، وعمه هو الأستاذ كمال منصور، مستشار سابق لرئيس الدولة خلال حوالي ثلاثين سنة، حيث قام بالإشراف على أمور كثيرة تتعلق بالدولة وعلاقتها مع المواطنين المسيحيين. واشترك إلى جانب اليد منصور في هذه المهمة، السيد يعقوب سلامة ، مدير قسم الطوائف الغير يهودية في وزارة الداخلية، وهو شاب درزي مثقف من قرية حرفيش، وضابط كبير سابقا، وهو يعمل منذ سنوات في هذه الدائرة على تنظيم اللقاءات الأخوية بين أبناء الطوائف المختلفة في البلاد، في نطاق الإفطارات الرمضانية أو لقاءات بين الأديان، أو مناسبات أخرى، يتم تنظيمها من قبل دائرته، من أجل خلق جو من الود والمحبة بين جميع الطوائف. وقد ساهم في تغطية أخبار الزيارة الهامة لقداسة البابا للبلاد، عبر موجات الأثير، من خلال برامج دار الإذاعة الإسرائيلية، السيد راجح قدور، مدير قسم الأخبار في دار الإذاعة الإسرائيلية، وهو شاب درزي مثقف من دالية الكرمل، يعمل منذ سنوات في دار الإذاعة الإسرائيلية، ويغطي الأحداث الهامة التي تجري في الوسط العربي في البلاد، ومن ضمنها، لقاءات ومناسبات أخوية بين جميع أبناء الطوائف. وإلى جانب هؤلاء الثلاثة، يوجد عدد من كبار الضباط في الجيش والشرطة، وكذلك الموظفين من أبناء الطائفة الدرزية، الذين جُندوا لمهمة تسهيل وتيسير وإتمام زيارة قداسة البابا للبلاد بالشكل الحضاري التقدمي اللائق.

4- المستوى الدولي: تقوم شخصيات درزية معروفة من سوريا ولبنان وإسرائيل منذ سنوات طويلة بعمليات تواصل وتفاهم مع شخصيات مسيحية عالمية من مختلف الدول ويمكننا أن نذكر في هذا المضمار مئات الشخصيات التي تبوّأت مراكز مرموقة في سوريا ولبنان والتي كانت لها اتصالات خارجية ابتداء من الأمير شكيب ارسلان، والمعلم كمال جنبلاط، وعطوفة سلطان الأطرش، والزعيم شبلي العيسمي، والنائب كمال كنج أبو صالح، وعدد كبير من الوزراء والوجهاء وأصحاب المناصب والأعيان. وفي بلادنا نذكر فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، والمرحوم الشيخ جبر معدي، والمرحوم الشيخ صالح خنيفس، والمرحوم الشيخ لبيب أبو ركن، وعضو الكنيست السابق السيد أمل نصر الدين، والوزير السابق السيد صالح طريف، والقضاة الشيخ نعيم هنو والشيخ حاتم حلبي، والقاضي فارس فلاح، ونائب الوزير السيد أيوب القرا، وأعضاء الكنيست الحاليون: مجلي وهبة، سعيد نفاع وحمد عمار. ود. سلمان فلاح والأستاذ علي بيراني، والمحامي زكي كمال، والصحفي رفيق حلبي، والشيخ حسين أبو ركن، والشيخ أبو حمزة توفيق سلامة، والشيخ زاكي عامر، ود. نجيب صعب، والبروفيسور قيس فرو، والبروفيسور الشيخ فاضل منصور والسيد وجيه كيوف، والشيخ كامل سلامة، وعدد كبير من المثقفين الدروز الذين تربطهم علاقات مع عدد كبير من القادة والمسؤولين والمثقفين في الغرب المسيحي وفي دول أخرى، حيث يشرحون مواقف الطائفة الدرزية أمام الجميع ويربطون العلاقات الوثيقة والمتينة مع مصادر خارجية ومن ضمنها أوساط مسيحية.
 
وقد لاحظ جميع المواطنين الدور الكبير الذي قام به فضيلة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في البلاد أثناء زيارة البابا، حيث قام باستقبال قداسته أثناء وصوله للمطار، وفي مقر فخامة رئيس الدولة، وأثناء زيارته لمدينة الناصرة واجتماعه بممثلي الطوائف المختلفة في البلاد. وقد ألقى فضيلته كلمة تاريخية هامة بهذه المناسبة ننشرها كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد للهرب العالمين والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين. الحمد لله الذي هدى النفوس إلى حقيقة معرفته، وجمع القلوب على كلمة توحيده وطاعته. الحمد لله الذي اختص أولياءه بتقديره ومحبته.
 
قداسة الحبر الأعظم، أصحاب الغبطة والسيادة والفضيلة، الحضور الكريم، السلام عليكم في أرض المحبة والسلام ورحمة الله وبركاته. اسمحوا لي أن أرحب أجمل ترحيب بقداسة الحبر الأعظم البابا بنديكتوس السادس عشر، في زيارته لهذه البلاد المقدسة، أرض المحبة والسلام التي خصّها الباري عز وجل لتكون مهبط الوحي ومبعث الديانات السماوية، مهد السيد المسيح والهيكل الشريف، ومسرى الرسول الكريم.
 قداسة الحبر الأعظم: قلوبنا تمتلئ غبطة وسرورا بقدومك رمزا للسلام والمحبة والتسامح والتآخي. فأهلا وسهلا بك ضيفا عزيزا موقرا، نرحب بقدومك أجمل ترحيب إذ يحدونا الأمل الكبير بأن تتكلل هذه الزيارة بروح القدسية مقرونة بالخير والبركة والنجاح ولتخيّم عليها الرهبة الدينية، الوحدة والتسامح بين جميع أبناء الله على مختلف انتماءاتهم ومعتقداتهم.
أيها الإخوة إن جميع الأديان السماوية بجوهرها متفقة في الدعوة إلى التآخي، ونبذ العنف، وضد كل ما من شأنه المس بكرامة الإنسان وحريته وتدعو إلى الرحمة والمحبة، ومساعدة المحتاج، وتدعو الإنسان إلى الصدق والأمانة والاعتدال، حيث أكّدت جميع الأديان على الجوانب الإيجابية في حياة الإنسان، سواء على مستوى القول أو على مستوى العمل، وحرّمت البغاء والقتل والكلام الزور والجنوح إلى الفتن والشرور.
أيها السادة: علينا الحذر من الذين يقحمون الدين بالسياسة تحت شعار الدين ويحرّضون على العنف وزهق الروح البشرية ومن الذين يسعون دوما لاستخدام الدين لمصالح الذات، إن مثل أولئك ليسوا متدينين وهم ابعد ما يكونوا عن جوهر الدين المتسامح الحامل للنفس البشرية على أعلى قدر من الشفافية، البعيدة كل البعد عما يدعون، ناهيك عن تعاليم الخالق ونصوص ديانته، فالديانات تطهّر النفس البشرية من ترسبات ما علق بها من شرور الحياة ، وترقى بالإنسان إلى حياة الزهد والتفكير الصافي والتسامح والمحبة للجميع.
أيها الحفل الكريم، يا قداسة الحبر الأعظم- إن تاريخ طائفتنا المعروفية التوحيدية في هذه الربوع المقدسة، حافل باللقاءات والمودة والمحبة والألفة والأخوة مع سائر إخواننا رجال الدين من كل الطوائف والأديان. فطائفتنا المعروفية تعيش بأمان ووئام مع إخواننا أبناء جميع الطوائف منذ غابر السنين، إذ تربطنا علاقات وطيدة جدا مع إخواننا رجال الدين من جميع الطوائف والأديان في البلاد، إننا نبغي ونريد أن نوطد هذه العلاقات ونعمّقها إلى صفوف أبنائنا وأفراد عشائرنا لكي نزيل الضغائن ونمنع الفتن وأعمال العنف التي قد تتسرب وتحدث هنا وهناك. أقول وبصراحة بأنه علينا التكاتف لتعمل أكثر وأكثر من أجل التآخي الحقيقي والتعاون العملي بين أبناء طوائفنا، خاصة من الذين يسكنون في نفس القرى والمدن في هذه البقعة الطيبة.
في هذه المناسبة أود أن أشيد بمجلس رؤساء الأديان في هذه البلاد وعمله الدؤوب لوحدة الكلمة والتعاون والتسامح والأخوة بين جميع مواطني هذه الربوع المقدسة، بلا تمييز ولا تفريق شعارنا "الدين لله والوطن للجميع"، إذ أننا نسعى جاهدين لنبعث برسالة خير ومحبة لرعايانا ليعم الأمان والطمأنينة على الجميع ولنبذ العنف وتشجيع التواصل بالخير والسلام.
هذه الزيارة التاريخية، تفتح بابا على مصارعيه للحوار والتواصل والرأي المتبادل بين رؤساء الديانات ورجال الفقه واللاهوت، هذه الزيارة التي تهدفون من ورائها إجراء حوار بناء بين الإخوة، والالتزام من أجل التفاهم، بين الثقافات، ولقاء الأديان من أجل المصالحة، سيكون لها أثر كبير في ترسيخ قواعد السلام بين الشعوب في منطقتنا بإذن الله تعالى.
أيها الإخوة ألعزاء:
دعونا نوجه بهذه المناسبة نداء واضحا وصريحا لقادة الدول والمسؤولين في هذه المنطقة المقدسة وفي العالم أجمع:- ندعوهم إلى التريّث والتسامح وإلى التآخي وتقريب وجهات النظر، ثم الرفق بالإنسانية والجنوح نحو السلام، وتكثيف الجهود البناءة وتجنيد كل الطاقات والإمكانيات لفض النزاعات وتخفيف التوتر من أجل إحلال السلام العالمي لغد أفضل ومستقبل مزهر مشرق.
إننا نرجو قداستك أن تنقل رسالتنا، رسالة السلام هذه، إلى جميع محبي السلام في العالم إذ نقول لهم: هاتوا أياديكم كي نصنع السلام الحقيقي، في أرض السلام، مهبط الأديان، والوحي ومكان بشارة وميلاد السيد المسيح عليه السلام وأرض الأنبياء والمرسلين.
الطائفة المعروفية الدرزية ترحب بك أجمل ترحيب - قداسة الحبر الأعظم البابا بنديكيتوس السادس عشر رسولا للمحبة والسلام في الربوع المقدسة.شكرا لك، شكرا للجميع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.